آخر تحديث:13:36(بيروت)
الإثنين 14/12/2015
share

"أولاد الغيتو - إسمي آدم": أقنعة الياس خوري

طارق أبي سمرا | الإثنين 14/12/2015
شارك المقال :
  • 0

"أولاد الغيتو - إسمي آدم": أقنعة الياس خوري شخصية الياس خوري في "المقدمة" تتحول لاحقاً، في "الدفاتر"، إلى آدم الذي يتحول إلى وضاح اليمن (علي علوش)

في شهر يوليو/ تموز 1948، هاجم الجيش الإسرائيلي مدينة اللدّ الفلسطينية، فارتكب ثلاث مجازر، لا يُعلم عدد ضحاياها، بحق السكّان واللاجئين إلى المدينة من القرى المجاورة، ثم طرَدَهم تحت النيران. انطلقت عندها ما يُعرف بـ"مسيرة الموت"، فمشى ما بين 50 و70 ألف فلسطيني، في الوعر وتحت شمس حارقة، مسافة تتراوح بين 15 و20 كيلومتراً. عدد منهم، تتفاوت حوله التقديرات، سقط ميتاً من العطش والإرهاق.

لكن بضع مئات من الأشخاص، لا يتعدّون الألف، كانوا قد بقوا في اللدّ، سرعان ما وجدوا أنفسهم محاصرين داخل سياج من الأسلاك الشائكة، أقامه الإسرائيليون حول الحيّ المحيط بالمستشفى والمسجد والكنيسة وأطلقوا عليه اسم الغيتو، فلم يَعرِف السكّان أن الغيتو هو اسم الأحياء التي عُزِل فيها اليهود في أوروبا، معتقدين أن الكلمة تعني حيّ العرب. عاشوا أولى أيامهم تحت وطأة الجوع والعطش، بين ذباب أزرق كثيف. كانت رائحة الجثث المتحللة تعبق في المكان.

بعد يومين أو ثلاثة أيام من تسييج الحي، أمرهم ضابط إسرائيلي بتشكيل مجموعات من الشبّان لتنظيف المدينة. أيّ جمع المواد الغذائية والأثاث والنوافذ والأبواب وكل ما يمكن نقله من الدكاكين والبيوت، لتحميله في شاحنات للجيش الإسرائيلي؛ وإزالة الجثث من الشوارع والمنازل ثم دفنها. على مدار شهر، عمل عشرون فلسطينياً على لمّ الجثث المتفسخة التي تتفكك أحياناً فتسقط منها أعضاء، ورموها في خنادق أرغِموا على حفرها لتكون مقابر جماعية. في اليوم الأخير، أمر الضابط الشبان الفلسطينيين بجمع الجثث المتبقية في كومة ثم حرقها، إسراعاً لعملية التنظيف. وهذا ما فعلوه، متحولين، دون أن يدروا، إلى نوع جديد من الـ"سوندركوماندو"، وهم اليهود الذين أجبرهم النازيون على التخلّص من جثث ضحايا غرف الغاز في معسكرات الإبادة.

تُشكّل هذه الأحداث غير المُوَثّقة بجزء منها، نواة رواية الياس خوري "أولاد الغيتو - اسمي آدم"(*). لكن المؤلف لا يستعرضها سوى بطريقة ملتوية من خلال نتفٍ منها بعثرها على طول الكتاب، تاركاً أكثرها فظاعة – لمّ الجثث وحرقها – حتى آخر أربعين صفحة من عَملٍ تجاوز الأربعمائة. فرواية "أولاد الغيتو"، باسلوبها المُسهِب في الإستطراد والذهاب والإياب بين الحاضر والماضي، هي نوع من التأمل في كيفية قول الذي لا يوصف.

في استعادة لتقليد كان شائعاً بين الروائيين الأوروبيين ما قبل القرن التاسع عشر، يتحدّث الياس خوري في مقدمة الرواية باسمه الخاص، شارحاً للقارئ أن الكتاب الذي بين يديه عبارة عن دفاتر مخطوطة للمَدعو آدم دنّون، حصل عليها هو (أيّ خوري) عن طريق المصادفة في العام 2005 وأرسلها إلى "دار الآداب" كي تُنشر. يقول في مقدمته: "لقد استحوذت فكرة جهنَّمية على تفكيري، وهي أن أسرق الكتاب وأنشره باسمي، هكذا أكون قد حقَّقت حلمي في كتابة الجزء الثاني من رواية "باب الشمس"، وهو أمر عجزت عن القيام به".

كتابات آدم دنّون كناية عن مشروعيّ روايتين غير مكتملين. المشروع الأول هو مخطط، لا يتعدّى الـ65 صفحة، لسيرة روائية عن وضّاح اليمن، أحد شعراء الغزل في العصر الأموي. حياة هذا الشاعر غنيّة بالحوادث، لكن آدم يولي اهتماماً خاصاً لمقتله بسبب علاقته بأم البنين، زوجة الخليفة الأموي، حيث أن عبداً أبلغ الخليفة أن أم البنين تُخفي وضّاحاً في أحد الصناديق في غرفتها، فدَفَن الخليفة الصندوق في بئر والشاعر لا يزال داخله. يَتخيَل آدم – بصفته راوي الحكاية – أن وضاحاً لازم الصمت خلال لحظاته الأخيرة بالرغم من إدراكه لمصيره، ويتساءل كيف لم يَصدر عنه ولو حتى صرخة واحدة وهو يموت غرقاً. يرى آدم في صمت الشاعر إستعارة محتملة لصمت فلسطينييّ النكبة إزاء بعض من الأهوال التي لحقت بهم (كدفن وحرق الجثث المذكورَيْن أعلاه)، لكنه سرعان ما يُحجم عن متابعة قصة وضاح اليمن، معتبراً أن الكتابة الرمزية عاجزة عن قول الحقيقة. وقد كان آدم موفقاً في عدوله هذا، فتشبيه صمت الفلسطينيين بصمت الشاعر في صندوقه فيه بعض من التّكلف. ومع أن قصة وضاح اليمن ساحرة إن أُخِذت على حدة، فهي لا تضيف شيئاً إلى مجمل الكتاب. لا يَسَعُنا إذاً سوى التساؤل عن الأسباب التي دفعت الياس خوري لإدراجها في روايته: فلو كانت غايته الوحيدة الإشارة إلى عدم ملاءمة الأسلوب الرمزي للكتابة عن النكبة، لكان بمقدوره قول ذلك بسُبلٍ أبسط.

أما الدفاتر الأخرى التي "حَصَل" عليها خوري (حوالي 320 صفحة)، فيُمكن وصف مُحتواها كسيرة ذاتية روائية لآدم، على الرغم من أن الأخير لا ينفك يكرر أنه ليس بصدد كتابة رواية ولا سيرة ذاتية. آدم من مواليد العام 1948، عَثَر عليه رجل ضرير تحت شجرة زيتون وهو رضيع شبه ميتٍ مُلقى على صدر جثة والدته. كان ذلك خلال "مسيرة الموت" التي انطلقت من اللدّ. عاد به الضرير إلى المدينة وأعطاه لامرأة تبنّته وادّعت أنها أنجبته من زوجها الشهيد، فاعتبره الأهالي أوَّل مولود للغيتو وأسموه آدم في إشارة إلى الإنسان الأول. أمضى أولى سني طفولته في اللدّ، وبعد أن انتقل ووالدته وزوجها الجديد إلى حيفا، ترك المنزل في سن الخامسة عشرة، ثم سرعان ما صار يقدّم نفسه كيهودي ابن ناجٍ من غيتو وارسو وشرع يعمل كصحافي يكتب عموداً أسبوعياً عن الموسيقى الشرقية في صحيفة عبرية. اعتقد انه نجح في نسيان ماضيه، وعَقْب فشل علاقته بامرأة يهودية، هاجر إلى الولايات المتحدة حيث عمل في مطعمٍ للفلافل. حوادث متلاحقة ما من مُتّسع لذكرها هنا، أدخلته في أزمة وجودية، فقرر استعادة ماضيه كتابةً. وبما أن طفولته وهويته مرتبطتين وثيقاً بغيتو اللدّ، عَمَد إلى نبش حكاية هذا المكان: استحضر القصص التي سمعها قديماً والتي لا زالت محفورة في ذاكرته، ثم قابل أشخاصاً عايشوا تلك الحقبة من تاريخ اللدَ، من بينهم رجل سبعيني اسمه مُراد العلمي شارك في لمّ الجثث وحرقها. تُروى هذه الحوادث المهُولة في نهاية الكتاب على لسان المَدعو مُراد، لا على لسان آدم.

تتطرق رواية "أولاد الغيتو" لمواضيع شيّقة، من بينها الذاكرة والهوية والكتابة والأدب وعلاقته بالواقع وبالتوثيق التاريخي، فتتقاطع لتشكّل سؤالاً واحداً هو جوهر الكتاب: ما هي الوسيلة للتكلم عن أهوالٍ اختار ضحاياها الصمت، وهي، علاوة على ذلك، أهوال لم يوثّقها التاريخ سوى جزئياً؟ ربما جواب خوري هو اللجوء إلى عالم الرواية، إذ يقول بطله آدم: "اكتشفت شهرزاد أن عالم الحكايات هو العالم الحقيقي، الحكاية ليست بديلاً من الحياة، بل هي الحياة نفسها".

لكن تمحُّصاً أعمق في هذا العمل قد يؤول بنا إلى جواب مختلف. فمن أجل إيصال قارئه إلى نهاية الكتاب الذي هو ذروته – أيّ انتشال الجثث وحرقها – اضطر المؤلف لارتداء أقنعة عديدة تباعاً، وواحداً فوق الآخر. فشخصية الياس خوري في "المقدمة" تتحول لاحقاً، في "الدفاتر"، إلى آدم الذي يتحول إلى وضاح اليمن. ثم يقرر آدم خلع قناع الشاعر ليَسرُد سيرته الخاصة، إلّا انه يعجز عن إتمامها سوى عبر ارتداء قناع أخير هو قناع الرجل السبعيني مُراد العلمي. فهل كلّ هذه الأقنعة استعارة لصعوبة أو حتى استحالة الكلام عما عزم المؤلف على الحديث عنه، وهو الرعب الكامن في صميم النكبة؟ على أي حال، يبقى أن هذه الإستعارة، كتلك المتعلقة بصمت الشاعر داخل صندوقه، شديدة الاصطناع، تُلقي بثقلٍ كبير على رواية فيها كثير من المقاطع الأخّاذة، فلا تُقنع القارئ الذي يُبصر دوماً وجه المؤلف وراء كل هذه الأقنعة الشفافة. فما حاجة الكاتب، المُلتصق اسمه بالقضية الفلسطينية، لأن يُخفي نفسه بهذه الطريقة كي يتكلم عن النكبة؟


(*) "أولاد الغيتو- إسمي آدم" للروائي الياس خوري، دار الآداب 2016. 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها