آخر تحديث:13:23(بيروت)
السبت 21/11/2015
share

سعيد الكفراوي.. الطفل الذي يحب سرد الحكايات

أحمد شوقي علي | السبت 21/11/2015
شارك المقال :
  • 0

سعيد الكفراوي.. الطفل الذي يحب سرد الحكايات صانع الواقعية السحرية في مذاقها المصري
يجلس سعيد الكفراوي على كرسيه، أي كرسي وفي أي مكان، يدنو لمن يستمع إليه فردًا كان أو جماعة، يتحفز فتجتمع لحباله الصوتية طبقات أصقلها العمر، وكأن ما سيلقيه سرًا  لا يعلمه غيره: يتكلم، ويجري ذلك في كل مرة يمتلك فيها زمام الحديث، أي حديثٍ، فكل قول له عنده أبهة، فهو ببساطة لا يعرف غير الحكي لغة ينطق بها.

على مدار 35 عامًا، عمر مشواره الإبداعي، أصدر سعيد الكفراوي (1939)، نحو 13 مجموعة قصصية، ولم يحاول ولو لمرة واحدة أن يصدر رواية، وفي حين أن الكثير من الروائيين -الذين استهلوا مشوارهم الأدبي في كتابة القصة ثم انتقلوا إلى الرواية- كمن يحمل أوزارًا وكأن انتقالهم إلى كتابة الرواية خيانة –مثلا- فيصفون القصة بالفن الأصعب صاحب الجماليات الخاصة، ويصفون الملتزم بكتابتها بالنبي؛ الناسك؛ أو القديس، يقف هو ليقول: "أنا من الكتاب الذين إذا ضربتهم طفولتهم نشطت ذاكرتهم وأحبوا سرد الحكايات".

من يعرف؟ لعل سعيد الكفراوي لديه رواية ولكنه متمهل، وهو بالفعل كذلك، فمنذ ست سنوات تقريبًا، ولدى "ناسك القصة" رواية مكتملة تحت عنوان "قمر في حجر الغلام"، وكلما قابلته وجاء ذكرها وجدته مرتابًا في شأنها، تارة يقول إنها قيد المراجعة والتنقيح، وأخرى يؤكد أنها ليست رواية وربما يصدرها تحت عنوان فرعي "13 نصًا عن صبي"، لعل أحجية الطفل في عالم الكفراوي السبب وراء ذلك، فالطفل بحسب قوله "لا يكون طفلًا لذاته. الطفولة هي ذلك الإرث الفادح من الماضي، هي ذلك العمر القادم من الفردوس. أنا مأخوذ بما مضى من أيامي. تلك الأيام التي لا تكف عن ملاحقة الذاكرة ومطاردتها"، الطفولة هي جنة العمر المتخفف من تحديد مصيره، ولعل الرواية تلك التي يتحتم على مؤلفها صنع مصائر لأبطالها هي ما يقف حائلا بين ما يريد سعيد الكفراوي. 

بيت للعابرين
"الزمن هو المادة التي أنا مصنوع منها/والزمن نهر يجرفني، لكنني أنا – النهر/ وهو نمر يفتك بي، لكننى أنا – النمر/ وهو نار تحرقني، لكنني أنا – النار/ والعالم - لسوء الحظ – واقعي/وأنا -لسوء الحظ- بورخيس"، تبدو قصيدة بورخيس وكأنها ترجمة مناسبة عن سعيد الكفراوي، ويمكن استنباط ذلك من تلك الجدلية الضئيلة حول التزامه بكتابة القصة ورغبته في كتابة الرواية.

لدى الكفراوي إجلال حقيقي لفن الرواية، ويضعها -بعكس ما يفعله ابناء جيله- في مواجهة مع القصة، حيث يرى أن القصة الجيدة تمنح قراءها متعة مساوية للرواية، لكنه حين يقول: "لم أختر كتابة القصة القصيرة، لا أحد يختار الجنس الأدبي الذي يكتبه، وكل كاتب يكتب ما كتبه الآخرون ولكن بشكل مختلف، والجديد في الدنيا هو ذلك الكاتب الذي يفرق بمعرفته ورؤيته وتقديره لعالم يختاره"، تشعر وكأن في حديثه تبرير ما عن الموضوع ذاته "عدم كتابة الرواية"، لكنه إذا تحدث عن مشروعه الأدبي لم يسم نفسه غير ناسكٍ في محراب القصة "أنا قاص قضيت عمري كله ناسكًا في تلك المساحة التي نطلق عليها محراب القصة القصيرة، وعبر هذا الشكل من السرد كتبت 13 مجموعة قصصية تحمل أسئلة، ومعنى، وتنشغل بجدليات أمضيت عمري كله أبحث عنها، وبالتالي أكتبها على مهل".

هذا التسامح بين متناقضات تلك الجدلية الضئيلة في مسيرته الإبداعية، ليس إلا جزء من تسامحه الإنساني بشكل عام، فلا يمكن أن تلقى سعيد الكفراوي بخيلًا في الحديث أو الحكايات، وفي أي حديث قد يطرأ بينه وبين شخص غريب عرفه للتو، ينغمس الكفراوي في ذكرياته فيجد ذلك الغريب نفسه متورطًا هو الأخر في ما يسمعه، فينشغلا سويًا في البحث عن سبب تسمية محطة "كوتسيكا" في مترو الأنفاق، يباغتك الكفراوي هل تعرف معنى كلمة "كوتسيكا"، فتقول لا، فيرد في شبابي نزلت في تلك المحطة وصرت أسأل الناس على المقاهي وفي الشوارع عن معنى ذلك الاسم الغريب، وحين تتخيل أنه سيخبرك بمعناه تجده يصدمك "كتبت ذلك في قصة"، وكأنه يفتح بينه وبينك أنت الغريب بابًا آخر للحوار. يقول سعيد الكفراوي: "أحاول في كتاباتي البحث عن نبرة تشبهني، وبقدر استطاعتي أضيق المساحة بين صوتيَّ الكاتبُ والشخصية"، فلا عجب أن يفتتن به قارئٌ عرف شخصه ولم يقرأه، أو أن يستغني به عن نصه، فكأن الكفراوي نفسه نصه الأدبي يسير على قدمين. 

زبيدة والوحش 
يوم الخميس (12 نوفمبر)، أطلقت الدار المصرية اللبنانية إصدارًا جديدًا بعنوان "زبيدة والوحش"، وهو مختارات قصصية لسعيد الكفراوي تضم مجموعاته الست الأولى: "مدينة الموت الجميل" 1985، و"ستر العورة" 1989، و"سدرة المنتهى" 1990، و"بيت للعابرين"، و"مجرى العيون" 1994، و"دوائر من حنين" 1997.

وتشكل المجموعات الست التي يضمها الكتاب أبرز ملامح مشروع سعيد الكفراوي في كتابة القصة القصيرة، والتي رسخت اسمه ضمن شيوخ القصة المعاصرة وروادها الكبار، وحازت اهتمام النقاد من أجيال مختلفة، في مصر وخارجها، بدءًا من جيل شيوخ النقاد مثل شكري عياد وعلي الراعي، مرورًا باعتدال عثمان، جابر عصفور، صلاح فضل، محمد برادة، وصبحى حديدي، ووصولًا إلى نقاد الأجيال الأحدث: سيد الوكيل، حسين حمودة، وخيرى دومة، وغيرهم.

ولعل أهم ما يميز هذا المشروع، بحسب الناقد سيد الوكيل، "أنه لم ينطلق من الأساس الأيديولوجي ولا من نفس القيم الواقعية التي قامت عليها مشاريع الكتابة في الستينيات، فمشروع الكفراوي هو مشروع جمالي بالدرجة الأولى"، أو كما تقول الناقدة الراحلة اعتدال عثمان، إن الكفراوي "صاحب النسيج القصصي الفريد في تنوعه وهمومه ولغته.. يحضرني دائمًا فكرة أنه صانع الواقعية السحرية المصرية في أدبنا الحديث في مذاقها المصري الأصيل الحريف.. المعاش في الريف والمدينة".

وقبل انطلاق حفل إصدار كتاب "زبيدة والوحش" في مقر الدار المصرية اللبنانية في القاهرة، امتلأت القاعة بالحضور، وكان سعيد الكفراوي أول الحاضرين، ولما رآني أتأبط كتابه الجديد، باغتني قائلا: "أنت شيلته على قلبك قوام، أتمنى يعجبك؛ الكتاب طبعا، ده مشروع ابني، وهو إبداع حقيقي، أنا قصصي قديمة ومنشورة، أنا جاي أحضر حفل إطلاق مشروعه زيك".  
شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها