آخر تحديث:14:27(بيروت)
الخميس 04/09/2014
share

"أنا مع العروسة": سينما خارجة على القانون

أحمد الباشا | الخميس 04/09/2014
شارك المقال :
"أنا مع العروسة": سينما خارجة على القانون الفيلم - الحيلة لإيصال لاجئين سوريين وفلسطينيين إلى السويد
لم يكتف الإعلام الإيطالي والعالمي، قبل فعاليات مهرجان البندقية السينمائي وبعدها، بالحديث عن الفيلم التسجيلي الفلسطيني- الإيطالي "أنا مع العروسة" لخالد سليمان الناصري وأنتونيو آوغوليارو وغابريله دل غراندا، بل إن وكالة الأنباء الإيطالية ذهبت أبعد من ذلك حين وصفته "من بين عشرة أشياء تجعلنا نحضر المهرجان". وفعلاً، قبل أربعة  أيام من العرض المرتقب في البندقية، نفدت تذاكر الدخول للعرض الأول (ألف مقعد) مساء اليوم الخميس ضمن تظاهرة "آفاق جديدة"، بعدما قُدّم في عرض خاص للصحافة عشية العرض الرسمي.

أراد صنّاع شريط "أنا مع العروسة"، وهم فلسطيني وإيطاليان، أن يكون فيلمهم التسجيلي الأول مجازفة قد تعرضهم للمساءلة القانونية، لتوثيق حيلة قاموا بنسجها لأغراض إنسانية بحتة، وذلك بهدف إيصال خمسة لاجئين (فلسطينيين وسوريين) إلى السويد. وفي سبيل ذلك، طلب السينمائيون الثلاثة العون من أصدقائهم لتنفيذ حيلتهم. تطوّع العديد من الشبان لإنجاح المهمة. بعدها، تم تجهيز كل شيء ليبدو وكأن الموكب كله "زفّة" عرس إيطالي تتجه من ميلانو إلى استوكهولم، بعد أن تعبر فرنسا ولوكسمبورغ وألمانيا والدنمارك، وهذا ما حدث بالضبط.



أبطال الفيلم جمعهم حلم واحد: الوصول إلى السويد، أملاً في حياة أفضل لهم ولعائلاتهم التي سيتسنى لها الخروج من سوريا، إن كُتب لأفرادها "الرواد" الوصول إلى بلاد الشمال. المهاجرون الخمسة اجتمعوا في جزيرة لامبيدوزا الإيطالية، بعدما حالفهم الحظ مرات عديدة، مرة أولى عندما نجوا من الموت في بلادهم، وثانية عندما خرجوا ناجين قوارب المهربين ولعنات المتوسط، ومرة ثالثة عندما التقوا المخرجين الثلاثة الذين ساعدوهم في العبور نحو مبتغاهم.

يقدم السينمائيون الثلاثة في شريطهم التسجيلي، عبر ما يزيد عن الساعة ونصف الساعة، مقترحاً سينمائياً خاصاً، جاهدين فيه لتكثيف أيام رحلتهم، بين 14 و18 تشرين الأول 2013، لتظهر وكأنها زمن للتواطؤ في اللعبة منذ البداية، بين السينمائيين وشخوصهم من جهة، وبين الفيلم ومشاهديه من جهة ثانية. اللعبة السينمائية التي اعتمدوها في بناء فيلمهم، فرضت أناقة بصرية في صور الفيلم، وكوادر منتظمة، لتخدم غرض "الزفة". كذلك، ساهمت موسيقى الفيلم التي ارتكزت على الإيقاعات بشكل أساسي، مع العبارات الدالة إلى اسماء الأماكن خلال محطات الرحلة، في إظهار الفضاء السينمائي المقدم وكأنه فضاء مصطنع، لكن تفاصيله مشغولة بعناية. فأوروبا التي سمع عنها هؤلاء، أوروبا التي أعلن 17 بلداً منها استعداده لاستقبال اللاجئين، ليست كما هي في الواقع.

وفي الاشتغال السابق، خرقَ السينمائيون الثلاثة القوانين المعمول بها، ما قد تعرّضهم لمساءلة قانونية وعقوبة قد تصل مدتها إلى السجن 15 عاماً. كما ذهب فريق الفيلم في التعاطي مع العناصر التقنية بالعقلية السابقة نفسها، متعمداً إبراز قدرة السينما في التحايل على الواقع، لتغدو السينما هنا كأداة للعبور إلى الحلم، أو كما يصفها والت ديزني: "إن كنت تستطيع أن تحلم بها، فإنك تستطيع أن تفعلها".

بعد بدء الرحلة، ينفلت الزمن الواقعي، منفتحاً على أماكن وفضاءات متعددة تفرضها شخصيات الفيلم. فمن حكايا أحمد، الذي نهض من بين الجثث في الرحلة التي فُقد فيها ما يقارب الـ250 جثة في عرض المتوسط، إلى سرد تسنيم لذكرياتها في مخيم اليرموك، مع أصدقائها الناشطين والمقاتلين في الجيش الحر. تسنيم التي جاءت من أسبانيا لتؤدي دور العروس في اللعبة المتفق عليها، جاءت أيضاً من مكان آخر: فيلم "شباب اليرموك"، حيث كانت لا تزال في دمشق تُقاسم حسان حسان ورفاقه سطوح مخيم اليرموك عندما صّور الفيلم الأخير.

أيضاً، تبدل الأمكنة في الرحلة داخل الفيلم، رافقه انتقالات عبر ذاكرة أفراده. فمن مخيم اليرموك إلى خفر السواحل في مالطا، ومن العرس الذي حضره غابريليه في حلب العام 2012 إلى اقتراحه فكرة "أنا مع العروسة"، ومن فيلم "شباب اليرموك" إلى الأماكن في الأغاني التي كانوا يتوسلونها، كلما زاد اقترابهم من "حلم" الشمال.

تختلط الأماكن وتتشعب، وتضيع أخبار البلاد ومن فيها. هكذا، يجهد الأب للوصول، ليتمكن من لمّ شمل عائلته، إن بقي عدد أفرادها كما يعرفه. يصل الجميع وينتهي الفيلم، وتبقى براميل النظام، ويستمر الهاربون من سوريا "بدفع آلاف الدولارات ليموتوا في البحر"، كما ورد على لسان إحدى الشخصيات في الفيلم.

يكاد وثائقي "أنا مع العروسة" يشابه سيناريو جاهزاً، لا أحداث فيه ولا مفاجأت. فكل ما حدث، متوقع. ليست بنية الفيلم بالكلاسيكية، الدراما تأتي من عدم اتساق الشخصيات مع ذواتها في تنفيذ أدوارها، بالإضافة إلى ارتباك شخصيات الفيلم في المكان الجديد، وشكل تعاطيها مع كل مفردات العالم "الجديد"، من لغة وموسيقى وطريقة تفكير.. إلخ. إلا أن مَشاهد عدة خرجت عن لغة الفيلم كمشهد قراءة الشعر ومشهد غناء تسنيم أمام البحر. فنسق الفيلم، المبني شكلاً ومضموناً على اللعب، لا يحتمل مثل تلك المشاهد السابقة.

يظهر الواصلون الخمسة، كما لو أنهم في حفلة تنكرية، تقام في مكان غريب، لا شيء يربطهم به سوى اللعبة المتفق عليها. تظهر المفارقات شاعرية تلك الشخوص في عفويتها ضمن الكادر المصمم، وفي تعاطيها مع الواقع، وترقبها للحلم، ربما الحلم هنا بقدرة السينما على تغيير الواقع.

وعن مشاركة الفيلم في مهرجان البندقية يقول الناصري لـ"المدن": "حلمنا ذهب أبعد في تحققه. طبعا هذا في معناه المجازي أكيد. تخيل الموقف معي: مهاجر يهرب من حربٍ قصّر في إنهائها الغرب، يعبر البحر ويتعرض للعطش والجوع ويعاني بسبب تأخر الأوروبيين في انقاذه، يصل حافي القدمين ويظل طويلاً في مخيمات احتجاز الأوربي، ثم يهرب منها فتعيق القوانين الأوروبية وصوله إلى مكان آمن يريده، كما يتعرض للمهربين وهم فعلياً تجار بشر يعملون بفضل القوانين الأوروبية". ويختم الناصري: "المهاجرون الذين وصلوا حفاة إلى أوروبا، سيسيرون على البساط  الأحمر في أعرق مهرجان سينمائي في العالم". 

ولعل دخول اللاجئين إلى البندقية، بعد عبورهم برفقة مخرجين ثلاثة ارتكبوا جرماً بحسب القانون الإيطالي، خير دليل على أن السينما قادرة دائماً على الفعل والخرق.. لأنك "إن كنت تستطيع أن تحلم بها، فإنك تستطيع أن تفعلها".

شارك المقال :