آخر تحديث:15:00(بيروت)
الأربعاء 06/08/2014
share

سوريا... الكوميديا السوداء ضد الرايات السود

رامي العاشق | الأربعاء 06/08/2014
شارك المقال :
سوريا... الكوميديا السوداء ضد الرايات السود

الكوميديا السوداء فلسفة تأملية مأساوية، تندد بعبثية الواقع وعدمية المجتمع، أداة رفضٍ ساخطة تستند إلى السخرية اللاذعة، والمبالغة في التناقض، وترتكز على الواقعية الانتقادية، والمادية الجدلية، والتهجين اللغوي والتعبيري والخطابي، واستعمال الكناية والتلويح والأسلبة، واللجوء إلى الفكاهة، والاستعانة بالهجاء ولغة الذم والقدح، والاعتماد على المفارقات، والتأرجح بين المختلف والمتشابه، والمزاوجة بين المتعة والفائدة، والجمع بين الجد والهزل، والميل إلى التجريب، والتجاوز، والمغايرة، والاختلاف، وخرق المألوف، والانزياح عن الأشكال السائدة.

منذ بداية الثورة السورية ظهرت أعمال كوميدية من هذا النمط، وتركزت الكوميديا السوداء في فنون الثورة في الأدب، الأغاني، البرامج المصوّرة، البرامج الإذاعية، المسلسلات وغابت عن المكانين الأقوى تاريخياً لوجودها "المسرح والسينما"، إلا أن غيابها هناك لم يقلل من قوّة حضورها في الأماكن الأخرى.

في العام 2011 أطلقت فرقة "أبطال موسكو الأقوياء" أغنية "بدنا نعبّي الزنزانات" وأجزم بأنه لم يبقَ سوريٌّ واحد لم يسمعها، حتّى أن المؤيدين اعتقدوها أغنية لهم لدرجة ما حملت الأغنية من تناقضات وانزياحات حيث كانت الأغنية على لسان "الشبيحة" مخاطبة رئيسهم بشار الأسد، كما أن اسم الفرقة مختار بعناية من مرجعية كوميدية سوداء تتعلق بالدور الروسي في الشأن السوري، وقتها، وأمام هذا الخلط الهستيري العجيب الذي يثير إحساسًا بالرعب، يعرفه كل من تعرض يوما ما للإحساس باقتراب الجنون، لا يملك الإنسان إلا الإغراق في الضحك هربًا من جنون العصر، واعترافًا باستحالة إصلاحه.

الضحك في الكوميديا السوداء تنفيس عضلي عن توتر عميق مدمر، ينتج من إدراك المتفرج لموقف بالغ القتامة. في العام 2014 أطلقت الفنانة السورية بتول محمد أغنيتها "بحب الموت" تبدأ هذه الأغنية المصوّرة بنقد ساخر لطريقة غسيل الأدمغة في "طلائع البعث" (جناح الأطفال في حزب البعث) والمقاربة في الصورة بين النظام وداعش، وآليات الموت على يديهما، بطريقة ذكية جدًا.

تعمل بتول محمد مع مجموعة غنية بالمبدعين أمثال مكسيم أبو دياب الذي يعرف بحس الدعابة العالي، رشا عبّاس، جيرار أغاباشيان، وآمن العرند وغيرهم، وتعتمد أسلوب الصدمة والانزياحات اللغوية والصورية بلغة قريبة جدًا من لغة الشارع حتى وهو في أسوأ حالاته، ففي أغنيتها "صاروخ"، تكون الفكرة العامة موحية بأنها تتحدث عن فتاة تلبس الكعب العالي وتستعمل كناية الصاروخ "الشوارعية" ثم تنتقل إلى الصاروخ الحقيقي الذي يفجر المنازل وترفض أن تموت به، وآليات رفض الموت توفرت في أغنيتيها "بحب الموت" و"صاروخ" وهنا نقطة تحسب لها، فاللعب في ملعب الدم أشبه بحقل ألغام وشعرة تفصل بين المساس بحرمة الدم، واستعمال الموت والسخرية في الكوميديا السوداء، تحاكي هذه الكوميديا الصادمة الأمثال الشعبية "كثرة الهم تضحك"، و"إذا زاد الشيء عن حده انقلب إلى ضده"، و"شر البلية ما يضحك"، وتعتمد على انتقاد الواقع بكل مستوياته السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وتعريته فكاهيا وكاريكاتوريا، ومسخه، وتشويهه فنيا وجماليا، وكشف نواقصه الظاهرة، وتشخيص عيوبه المضمرة، ومن هنا، هي دراما واقعية جدلية نقدية، تجمع بين الجد والهزل من أجل تغيير الواقع، وتحرير الإنسان على مستوى الوعي والذهن والشعور، وهذا ما ظهر جليًّا في عمل "داعش" الذي تخطّت فيه بتول كل التوقعات التي من الممكن أن يتوقعها المتلقّي، فاستعملت كلمات يعتبرها البعض نابية، وتحدّثت عن العبثيّة في ظل هذا الوضع المستعصي سياسيًا واجتماعيًا وسرقة الثورة والانتقال من كتب القومية إلى كتب التاريخ، ومن القيم الثورية إلى الهيئات والمحاكم الشرعية، وناقشت قضية تحرر المرأة بذات الأسلوب النقدي الذي يسخّف -بشكل تحريضي- من طموحات المرأة السورية في تحررها، بحيث تخاطبها وتقول لها أمازلتِ مؤمنة بالثورة وأنت الآن عورة في نظر هؤلاء ومسلوبة حقوقك وقرارك وحريتك وقابلة للتكفير في أية لحظة وإقامة الحد!

إحساس عميق باللاجدوى، يتخطى مرحلة الإحساس بالمأساة أو الفجيعة، ولا يمكن التعبير عنه إلا بالضحك المتشنج الهستيري، ظهر في محاولات عديدة في برامج الـ"ستاند أب كوميدي" التي ظهرت مع الثورة، مثل برنامج "بسيطة"، وكان البرنامج الأفضل –برأيي- هو برنامج "على هوى الحكي" الذي كان يقدّمه شباب من مخيم اليرموك حسّان حسّان، أبو غابي، صهيب أبو شهاب، وقد كانت لوحات حسّان (قضى تحت التعذيب في سجون النظام السوري) تحمل بعدًا فلسفيًّا ساخرًا عميقًا وقويّا جدًا استعمل فيها مجموعة من الآليات للمقاومة والتنديد بهذا العالم اللامتكافىء طبقيًا واجتماعيًا وإنسانيًا، كتوظيف الضحك، والسخرية، والفكاهة، والجنون، والتناقض، والتأرجح بين الجد والهزل، والخوف والضحك، والوعي واللاوعي واستعان بالموروث الشعبي وتقنيات السرد التراثي، وأحال المتلقّي إلى ثنائية قاهر ومقهور، ولا يمكن الحديث عن ممثل مقهور إلا باستحضار المتفرج المقهور الذي يعاني من الاستلاب، أو بالأحرى الذي يعاني قهرا مزدوجا؛ جانب منه مسلّط على وجوده وكينونته والجانب الآخر له ارتباط بمدى قدرته على الاستمتاع الفني الإيجابي!


يختلف الجمهور على تقبّل أنواع الكوميديا السوداء وخاصّة تلك التي تحوي على ألفاظ غير مقبولة لهم، وهذا بالضرورة يتبع للعادات والتقاليد والعرف والمألوف، وهذا الاختلاف حصل سابقًا على مسرحيّات زياد الرحباني، وفي الغرب على المسرح الذي هاجم الكنيسة، وعلى أغاني "الراب" التي أطلقها "السود" ضد عنصرية "البيض"، إلّا أن تأثيرها بالضرورة قويّ في الوعي الجمعي للمجتمع الذي يعاني أزمة وجود، وعدميّة مصير، وتناقضًا في صلب متنه وبنيته، وعادةً ما تكون نابعةً من ثورة ما، ثقافية كانت أو سياسية، مجتمعية أو دينية، وتضع بذور حراك رافض غير مستسلم للعدمية وانعدام الحلول، الكوميديا السوداء. ضد الرايات السود، والقلوب السود، ستنتج بالضرورة يومًا ما. حلّا أبيض.


شارك المقال :
رامي العاشق

رامي العاشق

شاعر فلسطيني سوري

مقالات أخرى للكاتب