آخر تحديث:13:24(بيروت)
الأربعاء 30/07/2014
share

سماح مزيّن وآلاء القطراوي توثقان غزّة.. شِعراً

رامي العاشق | الأربعاء 30/07/2014
شارك المقال :
سماح مزيّن وآلاء القطراوي توثقان غزّة.. شِعراً أطفال غزة حين أطلقوا طائراتهم الورقية (2011)

يبدو أنّ أدبيات الثورات والانتفاضات الشعبيّة في المنطقة، بدأت تأخذ شكلاً مختلفاً بحكم الصراع الموجود حالياً. اللافت في الأمر، أن أهم ما يُكتب من أدبيات السجن والحرب والثورة واللجوء، هو من أدباء شباب، كانوا غائبين أو مغيّبين عن الساحة الثقافية. واللافت أكثر، أن هؤلاء الشباب أخذوا جوائز عالميّة كبيرة، في كل بلدان "الربيع العربي" ابتداء من تونس وانتهاء في سوريا، ما كانوا ليحصلوا عليها ربما تحت ظل أنظمتهم السياسية والثقافية.

يعاد المشهد الآن في غزّة، ليس المهم من سبق من، إلّا أن التاريخ يُكتب بطريقة جديدة.

"صواريخ الاحتلال الاسرائيلي وقواته البرية والبحرية تشنّ حرباً ضارية على قطاع غزة الفلسطيني المحاصر، والمقاومة الفلسطينية ترد". لا يختلف هذا الكلام كثيراً عن نشرات الأخبار، لذلك يعتبر التوثيق الأدبي أهم من التوثيق الإخباري، لأنه يقدّم للتاريخ كل شيء بطريقة مختلفة، الأدب يعيد تجميل الحياة، وبيد الأدباء الشباب اليوم مفتاح باب التاريخ، وهم قادرون على كتابته بطريقتهم كما نرى.

سماح المزيّن وآلاء القطراوي، شاعرتان فلسطينيّتان غزّاويتان، تنشران يومياً في مواقع التواصل الاجتماعي قصائد عن غزة، توثقان ما يجري بلغة أدبية، وتقدّمان قيمة إنسانيّة ثوريّة أحياناً، لكنّها في المجمل، قصائد ناضجة عاطفياً بحكم الانفعال الآني للمشهد. كتبت سماح عن الثكل الأبوي الذي يعاني منه والد الشهيد، إلا أن النّفَس الغزّاوي المقاتل يطغى على المشهد التراجيدي ربما، هي المقاومة أيضاً، مقاومة الاستسلام، حتى للموت: "شُقَّ الفضاءَ وأجج الأجواءَا/ مات الذي ملأ الحياةَ غناءا/ "قتلوا وليدي" /صِحْ، وقاتل، وانفجرْ/ لا بأس، حتى تطردَ الإعياءا/ ادفن فؤادكَ، ثم فازرع فيك ما/ لملمت من أجزائه أشلاء/ هذا انتصاركَ سوف يحيا في الحشا لحماً، وعظماً، قصةً.. ودماء/ قاتل.. فلم يئدوا وليدك بعدُ يا وجع الأبوّةِ.. لن تملَّ بكاء".

هو الموتُ إذن. يكاد المتابع لسماح وآلاء يشعر بأنهما واقفتان على مسرح الدم، غارقتان فيه، ثائرتان عليه، تطلقان الشعر من صدر تنشّق رماد الدمار. تقول آلاء للكفن الذي أصبح يغطّي بلاداً بأكملها: "نزفنا كثيراً وما من ضمادْ/ وإنَّ الوداعَ ثقيلُ الحدادْ/ أكاد لفرطِ الأسى والدموعِ/ عذرتُ بياضاً يلفُّ البلادْ/ هو الكفنُ الآنَ أمٌّ رحيمٌ/ إذا خففتْ بعضَ لونِ السوادْ!".

نريدُ قبراً، لا نريدُ أن نموت أشلاء مبعثرة، هكذا يقول الفلسطينيّ المشرّد طوال عذابه، حتّى في الموت لا نجد وطناً بمساحة مترين فقط! تقول سماح: "ولسنا نريد من الأرضِ إلا/ قبوراً وستراً يضمُّ الرفات/ زوايا لكيلا يضجَّ الرصيف/ بأجسادنا أو تتوه الجهات/ وكيلا نعيق مرور الحضارةِ/ أو قفزة الشرق للأمنيات/ فعذراً لأنّا قطعنا عليكم/ خطابَ التندّر بالمعجزات!". هذا حلم الميّت تقول سماح، لذلك اعذرونا على أحلامنا، إلا أن نزعة الخلود في قصائد آلاء تبدو هنا أوضح، ترفض الشاعرة أن يكون الشهيد رقماً، كتبت آلاء: "وآخرُ ما أتمنى بألا أصيرَ مجرّدَ رقم يمرُّ على نشرةِ السادسَةْ/ وألا تموتَ القصائدُ حين يدوسُ الجنودُ دفاترنَا الناعسَةْ/ وألا نغنّي فرادَى من الحزنِ خلفَ السياجِ الكبيرْ/ وأن يذكرَ الحاصرونَ بأنَّ طريقَ السماءِ طريقٌ قصيرْ/ وكلُّ شهيدٍ لنا دولةٌ/ وكلُّ جريحٍ لنا كالأمير!".

الخذلان: موتٌ تختبره، إلّا أن اختبار الخذلان الفلسطيني من إخوته العرب قد تكرر كثيراً، لذلك لم يعد اختباراً يفاجئ، بات حاشية لنصٍّ طويل يدعى الألم، قالت سماح: "نكادُ نكون بخيرٍ ولولا/ ذنوب العروبةِ ما ظلّ جرحُ/ فأمّا وقد أمطرونا اعتذاراً/ مللنا انتظاراً فموتوا أو اصحوا". إلّا أن الموتَ أسرعُ من فكرة الوقت، أسرع حتى من الحزن تقول آلاء، وتكتب نصّها وهي بكامل إيمانها بالموت أنّه قدر الفلسطيني، هذا التناقض الفطري البشري هو الذي يمنح المشاعر حقيقيّتها، كتبت: "لا وقتَ كي تتنفسَ النفسَ الأخيرَ فإنّهمْ قد طوقوكَ/ وليس في ثقبِ الحياةِ من الهواءِ هواءْ/ لا وقتَ كي تهبَ الأصابعَ فرصة لتُلَفَّ حول حبيبتِكْ/ لا وقتَ فالصاروخُ أسرعُ من حنينكَ يا ابنَ أمّي مذ تعلمت الصلاةَ على الركامِ/ دماءْ..!/ ستموتُ مبتسماً لأنّا قد وُلِدْنَا يا ابن أمّي..
شهداءْ..!".

الحبّ أيضاً في الحرب يصبح مختلفاً، تناول الشهداء عادة ما يتّسم بتسليط الضوء على بطولاتهم، وينسى الكثيرون أن هذا الذي رحل كانت له حياة يحبّها ويحبّ فيها تفاصيلها، تؤكّد ذلك سماح: "لكل شهيد حبيبة قلب/ وأهلٌ وناسٌ، حياة وقصّة/ ويترك كل شهيد حكايا/ وأمّاً وبيتاً وجرحاً وغصّة". وتغرقُ آلاء في التفاصيل، الحبّ والحياة سلاحٌ لا تنتهي ذخيرته، الحبّ غذاء الصامد في وجه الموت: "أليس هنالك جسرٌ يغطّي عيونَ الجنودِ وهم يقصفونَ
شوارعنا بالقنابلْ؟/ فإنّي اختنقتُ وقد مات هذا الغناءُ الجميلُ ولم تقتفينا البلابلْ/ وإنّي احترقتُ ولم يعزف النايُ لحناً أخيراً، فكيفَ أموتُ بلا أمنياتي سريعاً ودون لقائكَ إنّي برغمِ الرصاصِ أحاولْ/ سَقَيتُ دمائي من الشوقِ، حتّى تكادُ لفرطِ ارتوائي بهِ سوف تخضرُّ كل السنابلْ!/ أحبُّكَ رغماً عن الراجماتِ، لأنَّ عصافيرَ حبّي تقاتِلْ!".

للزهور ثأر، وللأطفال الذين يرحلون قصائد، وللأطفال الذين يقتربون من الرحيل ويصمدون حكاياتٌ أكبر من طفولتهم، وحواراتُ الطفل مع أهله على حافةِ الموت تغدو أكثر تشبّثاً، تفيض سماح شعراً: "ضمّني أكثر يا بابا/ فهذا الصدرُ كوثر/ ضمّني أكثر فالخوفُ/ استحى والآن أدبر/ ضمّةً أخرى لأصغي/ قلبُكَ المجروحُ يزأر/ ضمّني أرتاحُ إنّي/ واثقٌ أن سوفَ تثأر" وتشاركها آلاءُ، الطفلُ مات: "اصرخْ فلستَ تراهُ بعدَ اليومِ، إنَّ الطفلَ ماتْ/ ضُمَّ الصغيرَ بقوّةٍ، إذ ليسَ يرجعُ للحياةْ/ اصرخْ، لعلَّ دماهُ حين تنادي: "بابا"، قد تحِنْ/ علَّ الرصاصَ إذا استقرَّ بقلبهِ من دمعكَ القاسي يئنْ!/ كم سوف يخجلُ حين يعرفُ كم على أشلائه الحرّى صرختْ/ سيقولُ: سامحني/ فليس الذنب أنّي كنتُ ألعبُ، حينَ قنبلةً قُصِفْتْ!/ وأنا سأخجلُ من دمائي/ كم سأخجلُ/ إنْ على موتي بكيتْ!/ وسيخجلُ البحّارُ، موجُ البحرِ هذا الرملُ إذ قد متُّ فيهِ وما رجعتْ!".

يكادُ التطابق في المواضيع أن يكون سجالاً شعرياً بين الشاعرتين سماح وآلاء، حتّى ملامح الطفلةِ التي أصابتها الشظايا كانت حاضرة في نصّين لهما، تقول آلاء: "عيناكِ لم تئدا قطوفَ الياسمينْ/ كانت تحبُّ الجريَ خلفَ فراشةٍ حتى يقولَ أبوكِ: عودي/ غيرَ أنّك تهربينْ/ عيناكِ فخٌ للجمالِ، يصيدهُ بسهولةٍ/ أنّى لعصفورٍ إذا ما صدتهِ من نظرةٍ لا تأسرينْ؟/ أهلي وأهلكِ، أهلُ غزةَ حين نام بظل صاروخٍ مئاتُ الحالمين/ ناموا ولم يستيقظوا/ كم مرة قتلوا على الطرقاتِ وردَ الياسمينْ..؟/ كم مرة تركوا الغمامَ إذا تعمّدَ بالدخانِ حزينْ..؟/ كم مرة قتلوا جمالكِ، كم وكم؟/ وكبرتِ قبلَ الآنَ عاماً/ غيرَ أنّكِ قد كبرتِ الآنَ آلافَ السنين..!". وتردّ سماح: "لقد زاد وجهكِ حسناً على الحسن حتى كأنّ جمالكِ- يا نبتةَ العزّ– آية/ توضأ وجهك صبراً طويلاً يفوق مداه سنيّ حياتك لكنه من جراحك أدنى، أقل وأصغرْ وهذي الحكاية/ وتبسمُ عينكِ ألمحُ فيها اشتعال انتقام كأن عيونك تقصفُ صمتي وعجزي نكاية/ وقلبك كاد يكلمّني كلما دقّ قلبي حزيناً فقولي: استمرّي لنشربَ عزاً ونعطي عيونك حقّ الوصاية".

يعتبر بعض النقّاد أن القصائد العاطفيّة التي تحمل بُعداً انفعاليّاً لا تدوم، وتحمل عمراً مرحلياً، فيما يعتبر آخرون أنّ الشعرَ هو خلق الشعور لدى المتلقّي، إذا ما نجح في الخلق عاش، وكلّ هذا الحديث عن الجانب النقدي يغدو ترفاً أمام صوتِ الحرب الصارخ في تلك السطور، لذلك، لندع للتاريخ ما هو له، الأدب هو الحكم.


شارك المقال :
رامي العاشق

رامي العاشق

شاعر فلسطيني سوري

مقالات أخرى للكاتب