آخر تحديث:11:38(بيروت)
الأربعاء 25/06/2014
share

ميّة الرحبي: الإسلام أقصى المرأة بعد "معركة الجمل"

رامي العاشق | الأربعاء 25/06/2014
شارك المقال :
ميّة الرحبي: الإسلام أقصى المرأة بعد "معركة الجمل"
أصدرت الدكتور ميّة الرحبي، كتابها الجديد "الإسلام والمرأة" عن دار "الرحبة" المتخصصّة في نشر وترجمة الكتب النسويّة، ووقعت الكتاب -الذي يضم عشرين فصلًا بحثيًّا- في 251 صفحة من القطع المتوسّط.

يعالج الكتاب الكثير من القضايا المفصليّة بجرأة ودقّة، فيسلط الضوء على النصوص المقتطعة من سياقها وتعميمها، وبالتوازي يضع النصوص التي تكرّم المرأة في الإسلام. تجازف الدكتورة ميّة الرحبي إذ تحمل عبء كسر "التابو" والدخول إلى حقل ألغام قد لا يكون سليم العواقب. فالكتاب يبحث في مجتمعات ما قبل الإسلام وطبيعة حياة المرأة فيها وقضايا بيع النساء وتعدّد الزوجات، والحريّة الجنسية ووأد البنات وختانهن، كل هذا في سياقه التاريخي لخدمة البحث. ثم تتعدى ذلك لتخوض في الخطيئة الأولى ومسؤوليتها في الرواية الدينية، قبل أن تدخل في مكاسب المرأة التي حققتها في ظلّ الدين الإسلامي والأحكام الجديدة التي أطّرت الزواج وتعدّده، وحدّدت الميراث.

على هامش حفلة التوقيع التي أقيمت في مدينة السويداء في سوريا، كان لجريدة "المدن" هذا الحوار مع مية الرحبي. 

-       الإسلام والمرأة، وليس المرأة في الإسلام. أي أن الكتاب يعالج طبيعة تعاطي الدين مع المرأة. هل هو دفاع عن الإسلام أم عن المرأة؟

* بل هو إيضاح لعلاقة الإسلام بالمرأة وتغير طبيعة هذه العلاقة مع التغيرات والتبدلات السياسية التي طرأت على الدولة التي أقامها الإسلام. في بداية الدعوة حملت المرأة عبء نشر الدعوة تماما كالرجل، لأنها آمنت بها دعوة لنصرة المظلومين والمهمّشين، وفي ما بعد عندما نشأت النزاعات السياسية واستخدم الدين فيها أداة لنصرة فريق على فريق، طغت السلطة على الفكرة، وبدأ المتسلطون يسخّرون الأحكام الدينية خدمة لمصالحهم، ولم يُعدموا فقهاء كانوا جاهزين لإطلاق تفسيراتهم وفتاويهم في خدمة النظام التسلطي الذكوري. فظهرت أولى هذه الأحكام بعد خسارة عائشة في معركة الجمل، ليتذكر أحدهم حديثاً لم يرد قبلاً "ما أفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة". وكرّت بعد ذلك سبحة الأحكام التي بلغت حد عزل المرأة عزلاً تاماً عن الحياة العامة بعدما كانت متواجدة دوماً في المساجد، التي لم تكن مخصّصة للصلاة فحسب، بل لتسيير أمور الدولة الوليدة.

-       تقولين إن "أول من أسلم كان امرأة، وأول شهيد في الإسلام كان امرأة، فهل كان ذلك وليد المصادفة؟ ربما لكنّه إن دلّ على شيء، فهو يدلّ على أن النساء كنّ في طليعة الذين آمنوا بهذه الرسالة الجديدة التي حملت إليهن مبادئ العدالة والمساواة". هل ترين أن الإسلام حقيقة ساوى بين المرأة والرجل؟


* لا يمكننا الحديث عن المساواة بالمفهوم المعاصر، في زمن كانت فيه المرأة بضاعة تباع وتشترى، حرة كانت أم عبدة. وما قصص حرائر العرب واستقلاليتهن قبل الإسلام إلا صورة مقتصرة على النساء الأرستقراطيات اللواتي كان حسَبهن ونسَبهن يمنحهن ما لا يمنح لغيرهن. ما قلته في الكتاب هو أن الإسلام كان خطوة متقدمة عما سبقه، فهو ساوى بين المرأة والرجل في التكليف والثواب والعقاب، وحدّ من الطلاق وقيده بأحكام، وقنن تعدد الزوجات، ودعا إلى عتق الرقاب ونهى عن تشغيل الإماء كعاهرات وقبض أرباح ذلك، لكنه بلا شك حافظ على منظومة القِوامة القائمة على أن السيادة لمن أنفق والطاعة لمن ينفق عليه. 


-       يسعى الكتاب إلى تغيير الثقافة المشوّهة السائدة حالياً، كما يسعى إلى تغيير قانون الأحوال الشخصية، إذن .. يعمل على خطّين متوازيين للتغيير، ألا ترين أن الطريق صعبةٌ في ظلّ انتشار حملات التكفير من جهة ومنع التفكير من أخرى؟

* أكيد فالخوض في هذا المجال كالسير في حقل ألغام، لكنها وجهة نظر كان لا بدّ لي من عرضها في ظل استخدام الدين عائقاً أمام أي مطالبة بتغيير قوانين الأحوال الشخصية، هي دعوة لجعل القانون كما هو مطلوب منه أن يكون، ناظماً لحياة الناس في المجتمعات المعاصرة. لا بدّ من تغيير الأحكام بتغير الأحوال، وتلك قاعدة طبقها عمر بن الخطاب بعد أقل من بضع سنوات على بداية الدعوة. 


-       هل المرأة السورية مستعدّة للتغيير، فتأخ على عاتقها عبء عواقب الثورة على المجتمع؟

* لا يمكننا الجزم بذلك. فما يحدث على أرض الواقع هو حدث ذكوري بكل ما تعنيه الكلمة، ورغم ذلك فقد كان للمرأة دور كبير في هذه الأحداث، فهي من تحملت عبء الأسرة بعد غياب الرجل، وهي من شاركت وساهمت في جميع النضالات السلمية وهي من ساعدت وآوت وأغاثت، لكن السؤال عما إذا كانت مستعدة لتغيير واقعها والقوانين التي تحكمه، تبقى إجابته رهناً بالتغيرات المستقبلية التي ستطرأ. 


-       في مجتمعٍ كانت فيه الأمّهات ذكوريّات أكثر من الذكور، كيف يمكن للناشطات الجندريات أخذ الرجل ليكون في صفّهن؟

* السؤال دقيق، فنساء كثيرات يحملن داخلهن العقلية الذكورية ويدافعن عنها بضراوة أشد ربما مما يدافع عنها الرجال. كلما أظهرت المرأة إيماناً أكبر بالنظام الذكوري كلما كانت محطّ إعجاب ومديح المجتمع المشبع بالثقافة الذكورية السائدة. لذا فإن أهداف الحركات النسوية هي "وعي المرأة بذاتها" قبل وعي الرجل بأهمية دور المرأة في المجتمع. لا بدّ لنا أن نكسب النساء أولاً لصف الحركة النسوية، كي نقنع الرجال بها، لكن علينا ألا ننسى أن الرجال النهضويين آمنوا مبكراً بأهمية تحرير المرأة من العادات والتقاليد التي تكبّلها، وأهمية منحها حقوقها للنهوض بالمجتمع ككل. علينا ألا نظلم الحركات النسوية حديثة العهد، فهي وليدة، تحارب على عدة جبهات، ضد الإناث والذكور والأنظمة والثقافة السائدة المصبوغة كلها بلون ذكوري وحيد. ولا يمكننا أن نصف نشاطاً مدنياً بأنه ناضج في بلد لم يسمح بترخيص أي جمعية نسوية. 


-       الناشطات النسويّات متّهمات بممارسة الذكورة، على باقي النساء، ويرى البعض أن عقلية الوصاية على قرار المرأة والشخصيّة النسوية التقليدية التي تصدّرت المشهد لعقود كانت مجحفة بحق المرأة أيضاً. هل يعطي الكتاب آليّة محددة توّجه النسويّات وتعطيهنّ مفاتيح حلول؟

* لا شكّ أن المجتمع سيبحث عن تهم جاهزة للنساء اللواتي خرجن عن العرف السائد وطالبن بما يعتبر من المحرّمات، وأكرر هنا أن النشاط النسوي وليد، بل خديج لأنه لم يشهد أي تنظيم أو مأسسة. لذلك لا يمكن أن نطلق عليه أحكاماً جاهزة، هنالك أصوات نسويةن لكن لا يوجد منظمات نسوية، في بلد حرّم أي نشاط مدني ومنعه من الوصول إلى الشرائح الاجتماعية التي كان يمكن أن تكون رافعة له.
من ناحية أخرى لا يمكن لكتاب أن يعطي حلولاً جاهزة لمشاكل اجتماعية تراكمت على مدى قرون، وليس عقود فقط. الكتاب يضيء على بعض النقاط التي استند إليها المشرعون لتحريم أي تغيير في قانون الأحوال الشخصية، ليثبت أن العقلية الذكورية السائدة هي التي تحول دون هذا التغيير، وتستخدم الأديان أداة لذلك، فمن الملاحظ أن قوانين الأحوال الشخصية المسيحية مثلًا تحمل أيضاً تمييزاً ضد المرأة. 


-       في ظلّ موجة التغيير العربي، وما يجري في سوريا، هل ستستطيع المرأة السورية تحقيق هدفها بالتغيير والوصول إلى مراكز القرار لتكون شريكة حقيقية في البناء والتغيير؟

* بالتأكيد لا. صحيح أن النضال النسوي هو جزء من النضال الديموقراطي العام، لكنه نضال له خصوصيته. من يقرأ الدستور السوري قراءة سطحية يعتقد أنه يساوي المرأة بالرجل مساواة تامة، لكن قراءة عميقة متأنية، وقراءة للقوانين التي تعارض الدستور تماماً في كونها قوانين تمييزية ضد المرأة، تثبت بما لا يدع مجالاً للشك مدى إجحافها بحق المرأة. ولولا أن لدي إيماناً حقيقياً بقدرة المرأة على التغيير والوصول إلى مراكز صنع القرار، لما حملت لواء الدفاع عن حقوق المرأة. لكني مؤمنة أيضاً أن النضال المدني السلمي مسألة تراكمية، وأننا ما زلنا في بداية الطريق. 


-       اخترتِ توقيع كتابك في سوريا، في مدينة السويداء، كما اخترتِ البقاء داخل سوريا، لماذا؟ وهل ما زالت الظروف تسمح للقرّاء السوريين في الداخل بالبحث عن الكتاب في ظل هذا الخراب؟

* الحقيقة أن اختيار مدينة السويداء له علاقة بالوضع الآمن الذي يسود المدينة والذي يسمح للناس هناك بأن يفكّروا بكتاب أو قراءة أو حضور حفلة توقيع لكتاب. أما خيار البقاء داخل سوريا، فمسألة لعبت الظروف فيها دوراً كبيراً، ولا أعتقد أن مَن خرج من البلد كان أمامه خيار البقاء أو المغادرة، شخصياً ما زلت أعتقد أن بقائي ممكناً.


شارك المقال :
رامي العاشق

رامي العاشق

شاعر فلسطيني سوري

مقالات أخرى للكاتب