آخر تحديث:00:52(بيروت)
السبت 22/03/2014
share

سيميولوجيا "جي" وبناتها

باسم دباغ | السبت 22/03/2014
شارك المقال :
سيميولوجيا "جي" وبناتها
 "جي" هي اللاحقة التي أصبحت ذات معنى مهم في اللغة العربية المعاصرة، وهي في أصلها لاحقة تستخدم في اللغة التركية للإشارة إلى اسم الفاعل أو مبالغته.

في مصر يتم استخدامها في كلمة "بَلْطَة" وهي كلمة تركية بمعنى الفأس، وعندما تضيف عليها اللاحقة "جي"، تصبح "بلطجي" أي حامل الفأس أوحَمّالها، لكن هذه اللاحقة تمنح دوماً معنى سلبياً للكلمة لتشير كلمة بلطجي إلى من يعتدي على الآخرين دون وجه حق ويرتكب الأفعال المخالفة للقانون. أما في اللهجة السورية فقد تم استخدامها بشكل واسع بعد اندلاع الثورة للإشارة بشكل سلبي لمؤيدي الرئيس الأسد، فقد كانت كلمة "منحبك" إحدى أهم الشعارات في البرنامج الانتخابي والإصلاحي الذي لم تكلّف إدارة الحملة الرئاسية الإعلان عنه حتى في استفتاء العام 2007، فكل الملصقات الدعائية لم تكن تحمل إلا صورة الرئيس الأسد وقد كتب عليها  كلمة "منحبك". أي نُحبّك باللهجة المحكية، ليتم إضافة اللاحقة "جي" بعد اندلاع الثورة للإشارة لمن بقي مسانداً له على الرغم من القتل الوحشي الذي مارسته الأجهزة الأمنية فأصبح اسم الموالي "منحبكجي".

ثم أعيد استخدام هذه اللاحقة مرة أخرى، لكن للإشارة للمتسلّقين والمتنفعين من الثورة، فأصبحت كلمة "ثورجي" لازمة الشتائم بين المتخاصمين في المعارضة السورية، كما استُخدِمت للإشارة إلى القوميين الشوفينيين الذين ساندوا الأسد كالتيارات الناصرية في مصر، لتدلّ كلمة قومجي في ما بعد على القومي الشوفيني، فأضحت الشتيمة المتبادلة بين صفوف المعارضة السورية، تارة تطلقها المعارضة القومية الكردية على المعارضة العربية وتارة يشتم بها المعارضون القوميين الكورد أو العرب بعضهم بعضاً، للدلالة على زيف الانتماء القومي عند الطرف المشتوم.

عادت كلمة قومجي للظهور بعد الخلافات التي حصلت بين المجلسين الوطنيين الكردي والعربي في بداية الثورة، ثم ظهرت مرة أخرى بعد الخلاف بين حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي وبين المجلس الوطني الكردي  إثر الإعلان عن الإدارة الذاتية، لتصبح اللقب الأهم في الحديث بعد الإشاعات عن المجازر التي ارتكبتها "قوات حماية الشعب" في القرى العربية في محافظة الحسكة، بين الناشطين العرب المؤكدين والناشطين الكورد الناكرين لوقوع أي مجازر.

للقومجي صفات عديدة يمكن استشفافها من مراقبة المتخاصمين السابقين:

أولها: لا بد أن يكون للقومجي رمز أو رجل مقدّس لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهو الزعيم المقداد أبو الفتوحات، الهازم لكل المؤمرات، الناصر لإرادة الأمة وهو في الحالة العربية إما أن يكون جمال عبد الناصر أو عند البعض بشار الأسد "مكمّل المسيرة"، أما القومجيون الكورد فهم في حال أشد قسوة إذ يتمزقون بين ثلاثة أو أربعة زعماء: البرزاني الأب وابنه، جلال طالباني، وعبد الله أوجلان.

ثانياً: القومجي ضليع في تزييف التاريخ. في الحالة العربية يحوّل أصول جميع الشعوب إلى شبه الجزيرة العربية التي أنجبت الآشوريين والكلدانيين والحثيين والفنيقيين والفراعنة أيضاً، ويختزل تاريخ الشرق بالعرب ويسبق اسم أي عالم من القرون الوسطى حتى لو كان فارسياً بلقب العالم العربي ابن سينا. أما في الحالة الكردية فيتحوّل الإسلام إلى وبال على رؤوس الأكراد ويتحول صلاح الدين إلى وغد قومي لأن الرجل لم يتجاوز عصره ويعلن دولة قومية كردية بدل دولته الأيوبية الإسلامية، ويتحوّل الأتراك إلى مجموعة ضعيفة بدون أي مقومات حضارية أقاموا دولتهم العتيدة على ظهور الكورد فقط، أما العرب فهم الأمة الخوّانة التي لم تتوقف عن خديعة الكورد للسيطرة عليهم بحجّة الإسلام.

ثالثاً: تعتبر فكرة المؤامرة ركناً أساسياً في فهم الواقع بكل جوانبه، أي خطأ يُرتكب أو أي فشل لا بدّ أن يكون نتاج مؤامرة، لتتجاوز هذه الفكرة (أي المؤامرة مع مؤيدي الأسد) فكرة المؤامرة الإمبريالية والصهيونية لتصل إلى مرحلة المؤامرة الكونية التي لازالت قوات الجيش العربي السوري تفشّلها برمي البراميل المتفجرة على المدنيين.

رابعاً: المثقف القومجي شتّام شديد النفور من أي نقد يوجَّه له من أي طرف لا ينتمي للقومية ذاتها، متّبعاً سياسة "أنا وأخي على ابن عمي وأنا وابن عمي على الغريب"، وهذا مايبدو واضحاً عندما يشتعل الحوار بشكل عنيف إذ يقع بين قومجيين من عرقين مختلفين.

خامساً: إن آخر تحديث حصل لأفكار القومجيين في أكثر النسخ تطوراً لا يتجاوز العام 1970، أما أمر التمييز بين القومجيين والقوميين فهو صعب للغاية، ولا يتمّ ذلك إلى بعد طول مراقبة وتمحيص في مدى التزام المعتنق للفكر القومي بالبيان العالمي لحقوق الإنسان حتى وإن كان
يدين عرقه.

وأخيراً، أقول قولي هذا وأدعو الله أن ينجّينا وإياكم أن نوصَفَ باللاحقة "جي" وبناتها. 
 

شارك المقال :