الأنا السورية الباحثة عن مساراتها

هشام حميدانالثلاثاء 2014/04/01
من مسرحية "من أجل نعم من أجل لا" للمخرج مجد فضة
من مسرحية "من أجل نعم من أجل لا" للمخرج مجد فضة
حجم الخط
مشاركة عبر
 تحاكي مسرحية "من أجل نعم من أجل لا" للفرنسية ناتالي ساروت، من إخراج مجد فضة وتمثيل كامل نجمة ولمى حكيم، الرغبات "الفردانية" بالتحرر من تبعات الحرب ودوامة العنف التي تعيشها سوريا، وخلق فضاءات تتيح للذات الإنسانية مساءلة العلاقة بالآخر، واستنطاقها والتعبير عن المشاعر الدفينة المسكوت عنها، تلك التي لا يمكن البوح بها خشية إعلان القطيعة التامة مع الآخر، وهذا كلّه من دون تورّط العرض بتقديم رؤية تحليلية للوضع الاجتماعي السياسي في سوريا الآن، بل بالاتجاه نحو الحفر في الذاكرة الفردية والإضاءة على التفاصيل المتأصّلة فيها وآثارها على "الذات" في ظل أحداث سياسية واجتماعية أضاعت بوصلة الحياة الرتيبة للمواطن السوري. 

 
يعتمد العرض على آلية المكاشفة بين "الأنا والآخر" عن طريق حوارات متداخلة متكئة على معاني الكلام ورموزه واختلافات تأثيره في الذات. تتلخّص قصة المسرحية بزيارة يقوم بها أحد الأشخاص لصديقه بغرض سؤاله عن سبب ابتعاده. وبعد كثير من التردد يبوح له هذا الأخير أن السبب كان مجرد كلمة. تعبير صغير يطلقه الناس ببراءة، إلا أن النبرة لم تكن مقصودة، وتنجم عن ذلك "تعرية" المواقف المختلفة من الحياة، ويحاول كل منهما كشف النقاب عن المعاني الخفية والنوايا الماكرة التي تختبئ خلف كلمات الآخر. في النهاية، وبقصد البوح في الحقيقة، يصل الصديقان إلى نقطة لا رجوع فيها، فالكلام هنا هو أصل الخلاف، لكنه ليس الكلام اليومي المتكرر الذي يشير دائماً إلى التشابه بين "الأنا والآخر"، بل هو الكلام الذي يضيء على الاختلاف ويؤكد عليه، ويجعل من الآخر لغزاً غير قابل للنفاذ.

 
الهوية الذاتية هنا متضمّنة بالهوية السردية، فعن طريق السرد الذي قام خلاله الصديقان بعملية مكاشفة شعورية، تتجلّى الهوية الذاتية لكل منهما، وتضع الآخر بوصفه "ذاتاً" بموضع المساءلة والفهم والتقييم، وهي "من خلال الكلام ومن خلال عكسه توضح ما ليس له علاقة بالكلام: تلك الحركات الداخلية الدقيقة التي نستطيع بالكاد أن نتلمسها، والتي تُطلق عليها "ساروت" اسم "الانتحاءات".
 

1947918_10202755399058581_1388046941_n.jpg

 
إن نقطة الانطلاق موجودة في ما نشعر به، في تلك الرعشة، في هذا الشيء الذي لا اسم له والذي علينا تحويله إلى كلام، إلا أن الكلام/الحوار هنا ليس واقعياً، فظاهره واقعي وباطنه غير واقعي أبداً، على حد تعبير ساروت، وهذا يشير إلى قدرة المسرح على تجاوز ثنائية "داخل/خارج" عبره تقديمه إلى الخارج/الجمهور ما حُفِر داخل "الذات" وأرّقها. 
 
ذهب فضة بإخراجه إلى حلول تقشفية، بعيدة كل البعد من الزخارف التقنية التي يسعى بعض المخرجين إلى ستر عيوب عروضهم بها، فالفضاء الدرامي في المسرحية عبارة عن غرفة معيشة خالية من الديكور عدا طاولة وضعت عليها قنينة ماء وتبغ، وكرسيان للجلوس. لكن هذه الحلول الإخراجية البسيطة لم تكن نقطة ضعف في العرض، بل بدت وكأنها تماهي تقشّف لغة التواصل السورية الآن. 
 
الجدير بالذكر أن هذه هي التجربة الإخراجية الأولى لمجد فضة، والثانية لوسيم الشرقي، كدراماتورج، بعد عرض قراءات مسرحية، والذي يحسب له نقل المسرحية إلى الحال السورية مع المحافظة على شاعرية اللغة كما هي في النص الأصلي.
 
Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث