آخر تحديث:02:38(بيروت)
الأربعاء 06/03/2013
share

ياغي يازجي ... صخب الذاكرة

عمر ابراهيم | الأربعاء 06/03/2013
شارك المقال :
 تستضيف حالياً غاليري Art on 56th  - الجميزة، معرض الفنان التركي ياغي يازجي (Yigit Yazici).
لدى دخولك الصالة، يطالعك المعرض بعالم من الألوان الصاخبة بمعانٍ غامضة تبدأ باستشفاف عوالمها كلما توغلت في رؤية الأعمال ومتابعة تفاصيلها.
حساسية إعلانية عالية التقنية تتقاطع مع مفاهيم التصوير الحديث في البوب آرت، مستعيرة من عالم التصميم الغرافيكي صخب ألوانه وجرأة خطوطه ومن عالم التصوير عناصره القديمة وطرق بنائه وتشكيله ليحكي لنا الفنان حكاية يختلط فيها الحاضر بالماضي والمعاصر بالتاريخي. 

ياغي-jpg2.jpg
 
كل ذلك يتجلّى بصيغ لونية تعيد إلى الذاكرة شكل (نيغاتيف الصور القديمة) ولكن بالألوان هذه المرة لعناصر تحكي قصة أشياء متعددة في فراغ العمل: صالونات حلاقة، دراجات نارية، سيارات وشاحنات نقل كلاسيكية، دمى وألعاب في غرف قديمة أو حديثة، موشّحة بألوان قوية وصريحة، كاميرات تصوير بلون كروم (اللون الأحادي مع تدرّجاته) ضمن فراغ حالم بالأزرق الكوبالتي، قاطرات نقل وقطارات بخارية بألوان حادة تفرض نفسها بقوة على سطح اللوحة، غرفة فارغة لشاب ما ومقطع من مصنع قديم، وأشياء أخرى بالأبيض والأسود. 
كل تلك العناصر تعود للظهور ضمن صيغ حداثية مع لوحات ياغي ضمن طبقات متعدّدة من الألوان يؤسّس لها بسطوح غرافيكية لونية خفيفة. ويظهر تالياً العنصر الرئيس باللوحة بحضوره المميز والمتوسط غالباً وبطبقات لونية متنوعة وغنية ما بين الشفاف والكتيم. ليعيد من بعدها معالجة العنصر مع الفراغ المتبقي من العمل بحساسيات لونية وعناصر تركيبية تزيينية يخرج فيها العنصر مع فراغاته المشغولة بدقة صانع محترف لوحدات متكاملة من العناصر والألوان والخطوط.
نلاحظ تحوير العناصر الأساسية بطريقة تلخيصية ملفتة لا تعوزها الكثافة الحسية للخطوط والألوان، بينما نرى أن العناصر الثانوية ضمن الفراغ والمساحات المتبقية جرى تحويرها بموتيفات  لونية تتمم العنصر وتضيف على الفراغ معنى أقرب إلى التأكيد على خلو العمل من الوجود الإنساني وبقاء أشيائه فقط وأثرها في الحياة. 

ياغي-jpg3.jpg
 
لا يغيب عن اللوحات وجود الألوان الاستعراضية ( الفوشيا والأخضر الفسفوري) للتأكيد على ذاكرة قديمة للعناصر الموجودة. كما نجد في بعض فراغات الأرضيات أرابيسك معاصر في تشكيل بلاط المحلات المرسومة تصل بالفنان حد التجريد الخطي والوجود الصوفي للغة غريبة تقرأ فيها ذاكرة بعيدة عنك، لكنها تستوقفك حتماً بسلاسة تشكيلها وتناغمها مع ذاتها. كل ذلك في عالم تجتمع فيه الأضداد ضمن فراغات منسجمة ومتناغمة.
أرقام وأحرف باللاتينية تثبت ذاكرة نوع أو جنس لآلة ما. كما نلاحظ غياب العنصر الإنساني وعدم حضوره، لكننا نلاحظ بقاء شيء من آثاره وأمكنة تواجده لتعوّض عن فقده، وكأن الجميع غادر وتركك مع بقايا صناعته ومع فضاء حضارة منسية تدفعك للتساؤل حول أين نكون في خضم إبداعاتنا وما هو موقعنا منها. 
أين الإنسان؟ قد لا تعلم على وجه التحديد لكنك تدرك أنه مرّ في أعمال الفنان ياغي يوماً وترك لنا ما تبقى من تلك الذاكرة القصية للأشياء.
 
 
 
 

شارك المقال :

مقالات أخرى للكاتب

محمد ... الخميس 28/02/2013
... الإثنين 25/02/2013