حجم الخط
مشاركة عبر
بين احتمال انقطاع التيار الكهربائي في دمشق وعودته، كثرت خيارات حضور عرض "في بار بشارع الحمرا" على المستوى التقني لتنهي عودة الكهرباء، مع بدء العرض، كل الاحتمالات. فيعرض كفاح الخوص المسرحية التي ألفها وأخرجها والتي تقدم شيئاً عن السوريين المقيمين في بيروت، بإضاءتها الكاملة، في مسرح القباني.
خمس شخصيات سورية تعيش في بيروت حنيناً إلى سوريا، هذه الغربة التي تسبّب هشاشة في شخصياتهم، فتتداخل أحاسيسهم لتنتج أشكالاً من العنف. يبدأ العرض مع هادي، عامل البار، وهو يزيّن المحل للاحتفال بحلول العام 2013، فيدخل جلال، صاحب البار بالشراكة مع صديقه عامر، ويتحدث مع هادي عن حبه لميديا، حبيبة عامر، وعن تخوفه من رسالة كان قد أرسلها لها يعترف فيها بغرامه، ثم لا تلبث أن تأتي ميديا وقد ضربها حبيبها بعدما أفقده السُّكر وعيه، لندرك مع ميديا من خلال الحوار أن عامر، وهو على وشك الموت من إفراطه في الشرب، كان قد كذب عليها في السابق، ولم يكن هو الموجود معها في المشفى حين أسقطت جنيناً حملته منه، بل كان جلال هو الذي يعتني بها، وهنا يعترف جلال بحبه لميديا بعد أن تخبره بأنها لم تر الرسالة.
يدخل عامر على المشهد وقد غلبه السُكْر. يروح يتنقل من حديث إلى آخر برشاقةٍ، تكشف تارة آلام الحنين وتارة أخرى تبرز آلام انتظار الموت. وفي معرض حديثه نعلم أنه هو الذي رأى الرسالة واعتبرها خيانة مزدوجة من رفيقه وحبيبته. وبعد عراك، ومحاولات لتوجيه التهم من الجميع إلى الجميع، يغادر الثلاثي البار، كل بمفرده، مهزوماً من التهجير وتبعاته، ومن قسوة بيروت على الغرباء المستجيرين بها، تاركين وراءهم سوار، خرّيج قسم التمثيل الذي يعمل في أسواق بيروت بملابس تنكرية لاستقدام الزبائن.
سوار يدندن حزيناً لحن رأس السنة، بثياب بابا نويل، ويبكي بينما يتابع هادي تزيين المحل لاحتفال الغد.
سوار يدندن حزيناً لحن رأس السنة، بثياب بابا نويل، ويبكي بينما يتابع هادي تزيين المحل لاحتفال الغد.
تفاوت أداء الممثلين في التعاطي مع نصّ مسرحي حمل شرخاً واضحاً ما بين قصة حب متداخلة، وقصة حنين إلى الوطن وآليات استذكاره. فقصة الحب المنقولة عبر الحوار، تقطعها مونولوغات طويلة عن سوريا. الإكثار من تلك المونولوغات جعلها تبدو دخيلة على النص. هذا الشرخ صعَّب مهمة أدائها على الممثلين، فهناك كمٌّ من الشعرية على مستوى الكلام في النص، يتعارض في كثير من الأحيان مع منطق العنف الموجود داخل الشخصيات والظرف الذي وضعت فيه. فبدا أداؤهم متفاوتاً ولم يبرز منهم سوى (يزن خليل) الذي أدّى ببراعة دور عامر السكران. فاحتال على مونولوغه وألقاه بطريقة شعرية بعيدة من الكليشيهات (كما هي مكتوبة) فكان صادقاً في أدائه لها وفي سخريته منها في الوقت نفسه.

يزن خليل في دور عامر
يزن خليل في دور عامر
ما الذي يجعل السوريين في الداخل يتعاطفون مع سوريين في الخارج، يعملون في بار وأمورهم الحياتية مؤمنة بالكامل على ما يبدو؟ فبعدما ضُربت الغوطة الشرقية بالكيماوي، ومع بداية تدريب السوريين أنفسهم على استقبال الصواريخ الأميركية، من أي زاوية يمكن للمتفرج السوري أن يتعاطف مع المهجّرين وهم يتحاربون على امرأة؟ أو أن يشعر بهم يستذكرون تاريخ المدينة؟ ابن البلد الذي يشعر في كل لحظة بأنه الأكثر تعباً على وجه الأرض، لن يصدق أن هناك أناساً يعملون في بار ويستعدون للاحتفال برأس السنة، متعبين أكثر منه على الرغم من كل مشاكله، حتى ولو كانوا مهجّرين.
المحل الذي تدور فيه أحداث العرض يتألف من بار على يمين الخشبة، صمّم بعناية ووضعت خلفه رفوف زجاجات الكحول. وعلى يمين الخشبة طاولة وكراسٍ. البالونات تغطي الأرضية، وهناك شجرة عيد ميلاد. زينة أعياد تدلّت من السقف، وعلى الجدران هناك لوحات وضعت بعشوائية واضحة. ودائماً لا يضيف المشهد إلى الحوار أي معنى. ولم يكن للديكور والإكسسوار سوى بُعد وظيفي، باستثناء الرقم 2013 المثبت في عمق الخشبة بالزينة، والذي يحيل دائماً إلى واحد من أسوأ الأعوام التي مرّت في حياة السوريين أينما كانوا.
ويبدو أن خفة العرض على جمهوره جعلته يبدو كعرض للتسلية، أكثر من كونه يبحث عن الأسئلة المعاشة في هذه المدينة، خصوصاً في الهروب من "الآن هنا" إلى "الآن هناك"، فطريق الهرب من مواجهة الأسئلة الرئيسية في دمشق اليوم لم يعد مجدياً، وباتت مواجهة السؤال واجباً.

جفرا يونس في دور ميديا
