الوحدة بين سوريا ومصر

فارس الذهبي الأربعاء 2013/08/21
حجم الخط
مشاركة عبر

  ربما في زمن قريب ، كان هناك مواطن عربي، سوري... شعر وفي لحظة تجلٍّ سحرية... شعر وفي دقائق من الحلم الوردي، وهو جالس على أريكته القديمة أمام تلفاز بيته الذي يمثل نافذة حريته الوحيدة وقتها.. شعر بأن الأوان قد آن.


بأن روحه قد تثب إلى الشارع من جديد، بأنه يحقق ولو قليلاً من الكلام الذي لطالما كان ينتظر ويتشدق به أمام الآخرين بضرورة أن يبادر الإنسان بنفسه وأن يقوم هو بالخطوة الأولى نحو جعل بلده مكاناً أفضل له ولأولاده ولأحفاده من بعده.

 

ربما هذا الرجل شعر وهو يرى ملايين المصريين والتونسيين والليبيين واليمنيين يندفعون في الشوارع بروح رائعة أشبه بهستيريا جماعية.. يهتفون لبلدهم.. يلوحون بعلمهم. يبكون، يعانقون بعضهم البعض، وربما كانوا يفسحون في المجال لبعضهم البعض للصلاة، رغم اختلاف الأديان، يقدمون الطعام والماء تبادلاً.. ربما شعر بأن من حقه أن يجرّب ولو من باب التجريب. هذا الفعل الذي لطالما شاهده على شاشات الدراما السورية والعربية.. يجرّب التظاهرات، يجرب حتى أن  يتظاهر بالتظاهر. فقط وعلى الأقل من باب التقليد. مثله مثل أي إنسان يشاهد رجلاً يدخن سيجارة في إعلان تلفزيوني.


بهذه البساطة استعاد هذا الرجل المرات الكثيرة التي مر بها في شوارع دمشق القديمة، وشاهد رجالاً ترتدي الطربوش الأحمر، ونساء تتشح بالسواد من رأسها حتى أخمص قدميها، وهي تهتف للحرية وتهتف لإطلاق السجناء وللعدل وللمساواة، فيسرح بخياله بعيداً وتكاد عيونه تدمع من التأثر لولا أن صوت المخرج يعاجله من بعيد بصرخة cut! فيعود إلى صوابه مدركاً أن ما يشاهده هو مشهد في مسلسل تاريخي غير واقعي حدث في زمن آخر. سيعرض في رمضان وسيشاهده مع أقربائه وهم يتناولون الإفطار الرمضاني وكروشهم منتفخة وربما لن تدمع عيناه مثلما حصل معه في الشارع ذلك النهار.

 
ربما هذا الرجل سيستعيد تلك اللحظة الوحيدة في حياته وفي ذاكرته الانفعالية وفي ذاكرته البصرية، عن تجمع لأبناء بلده يهتفون لقضية ما.. ولعله حينما شاهد ميدان التحرير وملايينه سيشعر بالغيرة وبأنه بشري مثلهم وبأنه فقير مثلهم، وبأنه لا يعلم ماذا سيفعل بمستقبل أولاده مثلهم، وبأنه من الضروري أن ينزل إلى الشارع ليتظاهر مثلهم مطالباً بحياة أفضل.

 
لكنه، على عكسهم، لن يركض في الشوارع هرباً من رجال أمن يعدون خلفه، ولن يتوارى خلف جدار صلب تفادياً للرصاص الحي، ولن يختبئ في بيوت أصدقائه هرباً من زوار الليل، ولن يذهب كل يوم لتشييع أحد من جيرانه ممن نزلوا إلى الشارع معه، ويضع ذراعه على كتف شخص إلى جواره مغنياً في جنازة جماعية أغاني حزينة بدلاً من البكاء، ولن.. ولن.. ولن..


وربما هو سيشعر بالندم الطويل في سجنه الانفرادي، بعد أن يتم التحقيق معه وضربه وتعذيبه، وتصويره بالكاميرا وظهوره على الشاشة ذاتها التي كانت تعرض مسلسلاً فيه تظاهرات لرجال ترتدي الطرابيش الحمراء ونساء تتشح بالأسود. وسيقول لنفسه يجب عليّ مغادرة البلد مع أولادي، فلا مكان لي هنا بعد الآن. البلد التي خرجتُ حباً فيها، بادلت حبي بالذلّ والإهانة. وربما لن يرغب في اللجوء إلى مخيم الزعتري سيء الصيت، ولا الذهاب إلى لبنان والتعرض للتمييز بتهمته "السوداء" أنه سوري ومعارض أيضاً.

 
بالتأكيد سيتجه إلى مصر. مصر التي سمع أباه وجده وأبا جده يتحدثون عنها وعن حبهم لها. مصر التي كانت في يوم من الأيام بلده شرعاً والقاهرة عاصمته نبضاً. مصر التي درس في المدرسة، أن جول جمال استشهد دفاعاً عنها، وسليمان الحلبي سافر إليها مشياً على الأقدام كي يقتل غازياً فرنسياً بالخنجر فيها. مصر التي كانت الجمهورية العربية المتحدة تشملها وتشمل بلده. مصر أم كلثوم التي يعشقها وعبدالحليم الذي تحبه زوجته أكثر منه.
مصر أرض الكنانة التي سيدخلها آمناً كما قرأ في القرآن.

 
وسيذهب إلى مصر وسيشعر فيها بالأمان كما لو أنه في بيته فعلًا، وكما أنه يعيش في مدن سوريا، لكن بفروق بسيطة، فبردى أصبح ضخماً جداً ويسمونه النيل، وقاسيون أصبح أقرب ويسمونه المقطم. في مصر يعشقون صلاح الدين مثل سوريا، ويصلون في قلوبهم للقدس مثلنا أيضاً. لكنه ربما، حين كان جالساً في بيته وعلى أريكته القديمة أيضاً، شاهد الملايين تندفع إلى الشوارع مجدداً في 30 حزيران/يونيو، فأحس بالنشوة للمرة الثانية وبالغيرة من هذا الشعب العظيم، صانع المعجزات. ربما هناك آلاف مثله أحسوا بذلك فنزلوا إلى الشوارع للتظاهر، أما هو فلم يستطع أن يجرب المجرب مرتين، فالله يمتحن المؤمن مرة، هكذا كان يظن.


وربما هناك من أبناء جلدته من ظن ظناً آخر، فهنالك من ضرب على نقطة ضعف عوزهم ولجوئهم، وأفهمهم بأن الدين هو الحل وبأن نزولهم إلى الشارع إلى جانب فريق ما سيحقق حلمهم. وربما هؤلاء المتحمسون نزلوا بعدما ضللوا وغرّر بهم باسم الدين والتدين. وسال الدم وجاء الغضب والحماس للانتقام، وبزغت العنصرية.


وربما كان هذا الرجل يمشي في الشارع الخطأ، وهاجمه شبّان غاضبون متحمسون مضللون أيضاً من الإعلام الذي حرض ضده وضد السوريين كلهم، فهاجموه فقط لأنه سوري وضربوه وضربهم. وجاء الأمن واعتقله، ورموا به في زنزانة انفرادية، مثل المرة الأولى، لكن هذه المرة في مصر.
في المرة الأولى لأن حلمه ظلمه في بلد لا يحترم الأحلام، وفي المرة الثانية لأن البعض من أبناء بلده ظلموه بتهورهم.
ربما يحق لهذا الرجل أن يشعر في زنزانته الانفرادية بقليل من الوحدة بين سوريا ومصر.
 
Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث