حجم الخط
مشاركة عبر
من قرية العنابة السورية على الحدود مع الأردن إلى حي الوطى في بيروت، تنسج شخصيات "حانوت قمر" للروائي السوري نبيل الملحم حكايتها بعدما قطعت عليهم نكسة 1967 النشوة بإحصاء طائرات الميراج الإسرائيلية المتساقطة على أيدي الكتائب التي انسحبت عشوائياً أمام وابل الرصاص الإسرائيلي.
"تسليمة" الجسد الثاني لروح المتوفاة "ست الملك"، الحاملة لخطيئتها كما قرر أهل القرية التعامل معها منذ الصغر، تضع مولودها الشرعي "شمس" في الطريق إلى حي الوطى في بيروت، حيث رحلت كما حال يوسف ابن "ست الملك" الفار مع الكتائب المنسحبة من القتال والذي نوت السلطات إعدامه بعدما استقوت على العباد كتعويض عن الهزيمة المريرة.
وفي تناسخ الأجيال وانعكاسها في مرآة حي الوطى، تلعب الكثير من العناصر دور إبراز الفجيعة العسكرية وقد أضحت داءً أفقد الشخصيات بوصلتها وجعلها تهيم في حي الوطى الشبيه بالمزبلة الكبيرة، ومنه إلى بيروت التي بدت كصورة ثابتة للبؤس وانعدام العلاقات الطبيعة.
تصل تسليمة وشمس ويوسف ومعهم آغوب، سائق الباص الأرمني، وهيغل مدرّس الفلسفة الذي أخرجته السجون ساحراً يجيد ألعاب الخفة أكثر من النطق بعدما اكتشف ولي أمر طالبته، وهو مسؤول في الدولة، أن ابنته تحب مدرسها وتكتب له الرسائل. وكان هيغل بمثابة جواز عبور ليوسف بعدما سرق انتباه حرس الحدود بألعاب الخفة ليتسلل يوسف، ويلتقي الجميع في "حانوت قمر" الحانوت الشهير الذي أنشأته سيدة غادرت العنابة قبلهم بزمن، في حي تكومت فيه كل الجنسيات والإثنيات والمذاهب والقوميات لهاربة من بلادها.
وفي حي الوطى تتوازع الشخصيات مصائرها، فيذهب يوسف للعمل في البحر إلى أن يغدو ملاكماً يشرف ميخائيل المثلي جنسياً على تدريبه ليصير بطلاً. وتترك تسليمة ابنها شمس بين يدي قمر لتعمل خادمة في فندق، وبعد إغراءات الآغا اليهودي المولع بالموسيقى تذهب للعمل مع زاخار الذي يجعلها عاهرته الشخصية، معيدة بذلك تجسيد قصة ست الملك التي ماتت بخطيئتها، إذ تموت تسليمة مع الآغا الذي سكنه الصمت مدة لم يستطع بعدها حتى البوح بمشاعره فمات مسربلاً بها. في الوقت الذي يقتل فيه يوسف ميخائيل لأنه سخر أمام اعترافات يوسف بحبه لتسليمة (الحبيبة/ الأم) ما أفضى به إلى الهرب على مركب ليموت على متنه من الطاعون قبل أن تبان وجهته الجديدة. وفي حي الوطى بقيت قمر وزوجها المصري الميرغني، وهيغل وشمس في الحانوت الذي صار مقهى، والذي يداهمه الأمن بحثاً عن يوسف فيستعرض هيغل مهاراته في نفث النار التي تحرق هذه المرة المقهى وتمتد إلى الحي كله.
ضمن بنية هرمية تقليدية يركِّب الملحم روايته من مجموع الحواديت هذه، بعدما أكثر من العناوين في فصولها الصغيرة، ليصيغ سردها بصفته الراوي الكلي المعرفة الذي يتحدث بضمير الغائب عما فات من أحداث. وبعد تركيزه في أعماله الأخيرة على اللحظة الراهنة التي تعيشها دمشق، أو على الأقل مقاطعتها مع أحداث أخرى في تاريخ البلاد، يخرج هذه المرة بعد روايات عديدة (سرير بقلاوة الحزين – بنسيون مريم – موت رحيم)، خارج ثنائية الآن – هنا ليعود إلى الماضي بين هنا وهناك، بين سوريا ولبنان والخسارة الموجعة في 1967 التي طالت السوريين.
محاكاة الستينات هذه المرة كانت بديلاً عن محاولة الإضاءة على الثورة وأثرها الاجتماعي في خصوصيات الأفراد التي عمد إليها في روايات سابقة، وتأتي هذه المحاكاة لطرح السؤال، ما الذاكرة؟ ومن نحن؟ وما خصوصيتنا؟ أسئلة تتعثر بها الشخصيات في سعيها لتحقيق ذواتها وقد انصهرت جميعاً ضمن مزبلة كبيرة تخلع كل فردي عن الشخصيات وتقودهم نحو المحتّم (الموت) هذا الموت غير المفاجئ والمنتظر في بعض الأحيان دون التمكن من السيطرة على زمام العمر، والإيحاء بأنه حتى لو عاشت هذه الشخصيات عمرين بدلاً عن الواحد كتسليمة التي عاشت العمر الثاني لست الملك والتي لم تتمكن من الفرار من خط حياتها المرسوم سلفاً دون أن تقوى على حرف مساراته.
كأس عرق آغوب، مستقبل يوسف المجهول، وحدة خليل صاحب النزل الذي التقت فيه تسليمة بالآغا، وهيغل الذي يجيد لعب النرد لكنه يفضل البقاء صامتاً مع الصغير شمس، كل تكثيفات الصمت وتعدّد أشكاله من الشكل المباشر إلى عدم قدرة بعض الشخصيات على النطق الصحيح تكبر في أحداث الرواية مع تتالي الأحداث لتصبح غصّة لا تستطيع الشخصيات التعبير عنها فتسير نحو موتها بهدوء من دون أن يدري بها العالم.
في "حانوت قمر" تتوحد كل أطياف المجتمع بلون القهر والأنين تحت عبء التاريخ، فهي رواية لا تعيد تجسيد النكسة بحرفيتها، إنما تعيد طرح الأسئلة التي تتجدّد في كل زمان ومكان حول المهمّشين ومصيرهم، الهوية وشكلها، وضياع ما هو فردي مع التقادم لتصبح ذواتنا بعدها مجرد أسئلة.

من أرشيف نكسة 1967
من أرشيف نكسة 1967
