بسام كوسا يخذل الكوميديا

ياسر أبو شقرةالخميس 2013/07/11
1011932_5001399194727_257946129_n.jpg
حجم الخط
مشاركة عبر

 يحظى عرض "الكوميديا السوداء" للمخرج والممثل السوري بسام كوسا، بأعلى نسبة حضور خلال الموسم المسرحي الفقير في دمشق. وعلى الرغم مما تعانيه المدينة من ويلات الحياة اليومية، إلا أن مَن بقي فيها، ما زال يتمتع بجَلَدٍ يمكّنه من الذهاب إلى المسرح وانتظار جديد المخرج الغائب منذ عرضه (كذا انقلاب) العام 2008.



يعمل المخرج مع طلاب السنة الرابعة في قسم التمثيل، على نص "الكوميديا السوداء" للكاتب الإنكليزي بيتر شافر. النص المكتوب العام 1965، والقائم على كوميديا الموقف، مبنيّ على فرضية انقطاع الكهرباء، ما يتسبّب بحالة تشبه العمى للشخصيات على مدار النص. وكلما ازداد الظلام كلّما سطعت الإضاءة المسرحية أكثر، لتخلق تضاداً يُبرز مدى محدودية الشخصيّات وضيق أفقها. 

 
يسرق النحّات الشاب "بريندسلي" وحبيبته "كارول" أثاث بيت جارهما بائع التحف القديمة ليستقبلا به المليونير الذي سيأتي ليرى منتجات هذا الشاب. وفي ظل انقطاع التيار الكهربائي يمتلئ المنزل بالشخصيّات الأخرى، كالجار صاحب الأثاث، والجارة المتحذلقة، و"كليا" السوقية حبيبة النحات القديمة والكولونيل والد كارول. فتكشف الصدامات التي تحصل خلال عملية انتظار المليونير وإعادة الأثاث خلسة من منزل الجار الموجود مع الشخصيات، زيف المثقفين، ومشاكل الطبقة الوسطى الاجتماعية والأخلاقية، وسوقية العلاقات الغرامية. كما يبرز التضاد بين التصور المادي للعالم المتمثل بانتظار النحات وضيوفه للمليونير وانبهارهم به، والروحي من خلال تمثال بوذا القابع على الخشبة إلى النهاية، بوصفه فناً حقيقياً كما تشير الشخصيات، وتخنع هذه الأشياء جميعها في النهاية إلى عامل الكهرباء الألماني وهو طالب فلسفة يصل أخيراً ليعدهم بالنور بعد مونولوغ أخير يتقمّص فيه دور الإله.

 
لم يراعِ نجم الدراما التلفزيونية بسام كوسا، المنزلَق الرئيسي الذي تضمره نصوص كوميديا الموقف وهو "الابتذال الأدائي". وفضّل أن تبرز صورة العرض على حساب أداء طلابه، فظهر تحت الإضاءة الساطعة الأثاث الفخم الذي يتبدّل تدريجياً خلال العرض ليصبح أكثر ملاءمة لحقيقة الشخصيات في الطابق السفلي. بينما يبقى أثاث الطابق العلوي على حاله، على اعتبار أن لا زيف في غرف النوم، أما المنحوتات التي انتشرت على الخشبة فنراها محطمّة في نهاية  العرض قبل مونولوغ عامل الكهرباء الألماني، ما قد يلامس الواقع المهشّم للشخصيات الذي تعكسه صورة العرض النهائية.

 
بعيداً عن الإعداد، ومن دون أي محاولة للعمل الدراماتورجي الجاد، يطرح المخرج النص الإنكليزي، ويقدّمه على خشبة مسرح "الحمراء" وسط دمشق. وكأنه يتحاشى إبراز أي رؤيا إخراجية أو قراءة للمدينة أو حتى للبلد برمتها، ما يترك فراغاً هائلاً وفجوة عميقة بين المكان الذي يأتي المتفرج منه في دمشق وبين المكان الذي يجلس فيه (مسرح الحمراء)، فيضطر الممثلون الجدد ساعتها إلى تسليتك بتهريجهم لا أكثر.

 
وعلى الرغم من أن جمهور دمشق اليوم يطالب بمخاطبة عقله، ومس ذائقته وقد أقبل أفواجاً، رغم صعاب المدينة الاقتصادية والأمنية والحياتية، والتي تجعلها أكثر غنى وتركيباً، إلا أن طاقة ما رآه لم تكن توازي طاقة إقباله، ولم يكن يكفيه أن تقدّم الابتسامة عن طريق عرض لا يهمّه ولا يعنيه. كما أنه لم يرَ احترافاً فنياً يغنيه عن أي إسقاط سياسي أو اجتماعي. 

 
أما عن أداء الطلاب، وهو القول الفصل في عروض التخرج، فقد وقع محترفو الغد في فخ الكوميديا المبتذلة والاعتماد على الإضحاك، أكثر من اعتماده على استخدام الملكات والأدوات التي يكتسبها الممثل خلال دراسته الأكاديمية على مدار أعوام أربعة. بدا حضورهم مثيراً للدهشة، إذ لم يكن هناك تفاوت يُذكر بين الممثلين لتقول أن أحدهم أجاد هنا والآخر أخطأ هناك. انتهجوا جميعاً التهريج كقارب نجاة منقذ أمام جمهور غدا إضحاكه همّاً أكبر من همّ فهم النص والعمل على خفاياه والوصول لصياغةٍ كوميديةٍ احترافية يكون الإضحاك فيها نتيجة وليس غاية.

 
هذه الصيغة من إغراق الممثلين بالتهريج، لا يمكن أن تُؤخذ على الطلاب الذين رغبوا بأن يظهروا بالمستوى الأكاديمي الاحترافي الذي طالما حلموا به. إنما تعود في الغالب إلى المشرف، الذي كما يبدو من العرض، لم يعمل على خفايا النص مع طلابه ولم يطالبهم بفهمه حتى، ما جعل الظلم الذي تعرّض له بعض الطلاب واضحاً للعيان. ستةً منهم يعملون على ثلاث شخصيات يتبادل كل اثنين منهما أداء الشخصية أثناء العرض. كيف لممثل أن يعمل على نصف شخصيّةٍ وقد أمضى أربعة سنوات في استديوهات المعهد ينتظر المشروع الذي يتيح له تقديم شخصية مسرحية متكاملة؟

 
الكوميديا السوداء كانت بعيدة كل البعد عما يمرّ به المتفرّج السوري خلال يومه، مع غياب تام لمعايير العرض الأكاديمي. بالعودة إلى ابتذال بعض مسارح الهواة الأدائي القائم على المبالغة، والتهريج، واستسهال العمل على الشخصية والوقوف على الخشبة.



1060431_640990249245654_424706644_n.jpg

 
 
Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث