قالت صحيفة "التايمز" البريطانية إن تدفقات النفط الخام من دول الخليج عادت خلال الأسابيع الأخيرة إلى مستويات تقترب من تلك المسجلة قبل اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، فيما تمكن المنتجون العرب من تحقيق زيادة صافية محدودة في الإنتاج، في وقت يواصل فيه الحصار الأميركي الضغط على الاقتصاد الإيراني.
لكن الصحيفة أشارت إلى أن التحسن الكبير في تدفقات الخام لم ينعكس حتى الآن على أسواق الوقود المكرر، ولا سيما الديزل، الذي لا تزال أسعاره مرتفعة نتيجة تراجع طاقات التكرير واضطراب الإمدادات. كما أن الآليات التي تستخدمها دول الخليج للحفاظ على صادراتها عبر مضيق هرمز قد تمنح إيران، على المدى الأبعد، ورقة تفاوضية بدلاً من إضعاف موقعها.
صادرات تقترب من مستويات ما قبل الحرب
ونقلت "التايمز" عن كبيرة المحللين في شركة "كبلر" لمعلومات الأسواق آنا سوباسيتش قولها إن صادرات النفط الخام الخارجة من الخليج، باستثناء إيران، أصبحت "مساوية بشكل أساسي لمتوسطها قبل الحرب".
وأضافت سوباسيتش أن زيادة حديثة جداً في الصادرات خلال أواخر أيلول/سبتمبر، وإن كان من الصعب الحفاظ عليها، ربما سمحت للمنتجين العرب ببيع كميات من النفط تتجاوز تلك التي كانوا يصدرونها قبل اندلاع الحرب.
وبحسب الصحيفة، ذهبت تقديرات أخرى إلى أبعد من ذلك، إذ أشار تقرير لمصرف "جيه بي مورغان" الأسبوع الماضي إلى أن إجمالي صادرات المنطقة أصبح أقل بنحو 11% فقط من مستواه قبل الحرب، حتى بعد احتساب النفط الإيراني الذي تعرقل صادراته بسبب الحصار الأميركي.
وحذرت مصادر دبلوماسية وأخرى في قطاع الشحن تحدثت إلى الصحيفة من الإفراط في التفاؤل، موضحة أن استمرار المعدلات الحالية لا يعني انتهاء أزمة الطاقة، إذ تحتاج ناقلات النفط إلى أسابيع للوصول إلى المصافي، قبل بدء عمليات التكرير ثم توزيع المشتقات.
ولذلك، تبقى المشكلة الأكثر إلحاحاً في أسواق الطاقة هي ارتفاع أسعار الديزل، في ظل تراجع طاقات التكرير، وليس فقط حجم النفط الخام المتاح في الأسواق.
أزمة الديزل مستمرة
وأوضحت "التايمز" أن جزءاً من قدرات التكرير خرج من الخدمة بسبب العمليات العسكرية في الخليج، بالتزامن مع تأثير الضربات الأوكرانية بعيدة المدى على قطاع الطاقة الروسي.
وبحسب الصحيفة، أبلغ الرئيس الأميركي دونالد ترامب كييف بضرورة تقليص هجماتها على منشآت التكرير الروسية، في وقت مددت فيه موسكو الأسبوع الماضي حظر صادرات الديزل، وسط تقديرات بانخفاض شحناتها بنحو 40% خلال العام الحالي.
ورغم توقف بريطانيا خلال السنوات الماضية عن استيراد الديزل الروسي، فإنها لا تزال معرضة لتقلبات السوق العالمية، كما ازدادت في الآونة الأخيرة درجة اعتمادها على الإمدادات الأميركية.
وقالت الصحيفة إن ترامب واجه بدوره ضغوطاً داخلية من سائقي الشاحنات بسبب ارتفاع تكاليف الوقود، وهدد بحظر صادرات الديزل إلى أوروبا ما لم تستخدم الدول الأوروبية جزءاً من مخزوناتها الطارئة.
وفي هذا السياق، اتفقت دول مجموعة السبع الجمعة على طرح 100 مليون برميل من النفط والمنتجات النفطية من الاحتياطيات للمساعدة في تخفيف ضغوط الأسعار، فيما زادت المخاوف في الأسواق بعدما بدأت الصين أيضاً الحد من صادراتها من الوقود.
تنسيق مع إيران وعبور بحماية أميركية
وفي موازاة ذلك، كشفت "التايمز" عن آليات معقدة باتت شركات الشحن تعتمد عليها لإخراج النفط من الخليج، مدفوعة أيضاً بالارتفاع القياسي في أسعار استئجار الناقلات.
ونقلت الصحيفة عن مصادر مشاركة بشكل مباشر في تجارة النفط أن عمليات الشحن باتت، في حالات كثيرة، تراعي في الوقت نفسه القواعد التي تفرضها إيران والترتيبات الأمنية الأميركية الخاصة بعبور المضيق.
وقال أحد العاملين في القطاع للصحيفة إن العديد من الأطراف تنسق شحناتها مع السلطات الإيرانية خشية تعرض السفن للاستهداف في حال عدم القيام بذلك.
وترى طهران، وفق "التايمز"، أن هذا التنسيق يحقق لها مطلباً مهماً يتمثل في الاعتراف بحقها في تنظيم حركة الملاحة عبر مضيق هرمز بواسطة "هيئة مضيق الخليج الفارسي" التي أنشأتها أخيراً.
لكن السفن، حتى عندما تُخطر الجانب الإيراني بمرورها، تستخدم في غالبيتها تقريباً المسار الجنوبي الذي تحميه الولايات المتحدة بمحاذاة الساحل العُماني، بسبب مخاوف شركات الشحن من التعرض لعقوبات أميركية.
وأشارت الصحيفة إلى أن هذه الآلية قد تؤدي إلى مفارقة تتمثل في عبور السفن وفق ترتيبات أمنية أميركية، مع تقديم إخطار في الوقت نفسه للسلطات الإيرانية.
لكن سوباسيتش قالت إن حجم التنسيق المباشر مع الهيئة الإيرانية قد يكون أقل مما تشير إليه بعض مصادر الشحن، موضحة أن جزءاً كبيراً من منظومة التصدير الحالية يعتمد بدلاً من ذلك على خطوط أنابيب تتجاوز هرمز، وترتيبات عبور مدعومة أميركياً، إلى جانب ناقلات مكوكية تعبر المضيق ثم تنقل حمولاتها من سفينة إلى أخرى.
السعودية تحافظ على صادراتها
ولفتت "التايمز" إلى أن السعودية، أكبر منتج للنفط في المنطقة، أظهرت قدرة كبيرة على الحفاظ على صادراتها والتكيف مع الظروف الجديدة، رغم الهجمات التي تعرضت لها منشآت سعودية الشهر الماضي من جماعات يمنية وعراقية حليفة لإيران، وفق الصحيفة.
وأضافت أن الهجمات الإيرانية على السفن مستمرة، مشيرة إلى استهداف خمس ناقلات خلال أربعة أيام الأسبوع الماضي، لكنها قالت إن الأضرار التي تلحق بالسفن تكون محدودة في كثير من الحالات، بينما تشير أعداد الناقلات التي تمكنت من العبور خلال الأسابيع الأخيرة إلى استمرار تدفق النفط بكميات كبيرة.
وعزت الصحيفة جزءاً من ذلك إلى نجاح تكتيكي أميركي في المضيق، من خلال منظومة مراقبة تعتمد بدرجة كبيرة على المسيّرات، إلى جانب القدرة على التدخل العسكري لحماية حركة الملاحة، ما ساهم في الحد من قدرة القوات الإيرانية على تعطيل العبور.
غير أن استمرار ارتفاع صادرات الخام لا يعني عودة حركة الطاقة إلى طبيعتها، إذ تبقى صادرات المنتجات المكررة أكثر تضرراً، في حين ترفع طرق الشحن البديلة والحماية العسكرية ومخاطر الملاحة تكاليف نقل الطاقة.
عودة المسار الدبلوماسي
وبالتوازي مع التطورات في سوق النفط، قالت "التايمز" إن جهوداً دبلوماسية جديدة بدأت لمحاولة إنهاء أزمة الخليج، بعدما عقدت دول خليجية اجتماعات مع مسؤولين إيرانيين على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك الشهر الماضي.
ووفق الصحيفة، تواجه هذه المساعي عقبتين أساسيتين، أولاهما رفض ترامب عرضاً إيرانياً للعودة سريعاً إلى اتفاق وقف إطلاق النار الوارد في مذكرة التفاهم السابقة، بعدما اعتبرت واشنطن أن العرض لا يفرض قيوداً كافية على البرنامج النووي الإيراني. أما العقبة الثانية فتتمثل في وجود تباينات خليجية بشأن مستوى الاستجابة للمطالب الإيرانية، إذ تبدو قطر أكثر انفتاحاً على التوصل إلى تسوية، بينما تتخذ الإمارات موقفاً أكثر تشدداً.
وأضافت الصحيفة أن المفاوضين يعملون حالياً على صيغة توصف بأنها "مذكرة تفاهم بلس"، تهدف إلى إعادة الولايات المتحدة وإيران إلى اتفاق أوسع يعالج بصورة أكبر القضايا المتعلقة بالبرنامج النووي.
وفي الوقت نفسه، تبحث دول الخليج عن ترتيبات طويلة الأمد لإدارة الملاحة في مضيق هرمز. ورغم غضب هذه الدول من الهجمات الإيرانية، فإنها تدرك، بحسب "التايمز"، أن الموقع الجغرافي لإيران لا يمكن تغييره، وأن التوصل إلى صيغة تعايش لتنظيم الملاحة سيظل ضرورياً.
وخلصت الصحيفة إلى أن واشنطن وطهران لا تبدوان مستعدتين حالياً لتقديم تنازلات، مع بقاء أقل من شهر على انتخابات التجديد النصفي الأميركية، لكن الضغوط لاستئناف مسار دبلوماسي أكثر جدية مرشحة للتزايد بعد الانتخابات، خصوصاً من دول الخليج والدول المستوردة لنفط المنطقة.




