أعلن رئيس جهاز الشاباك السابق، رونين بار، مساء يوم الاثنين الفائت، نيته رفع دعوى تشهير ضد رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، بعد أن اتهمه الأخير بـ"التقصير وارتكاب الجرائم" وبالتقاعس عن تحذيره بشأن العلامات التي تشير إلى هجوم 7 تشرين الأول/أكتوبر. وفي بيان لاذع نيابةً عنه، اتهم بار نتنياهو بشن "حملة تحريضية جامحة ضده لا تمت للواقع بصلة"، وطالب بالكشف عن جميع الوثائق المتعلقة بالمعلومات التي تم إبلاغ رئيس الحكومة بها قبل 7 تشرين الأول/أكتوبر.
ويشكل هذا الإعلان سابقة هي الأولى من نوعها في إسرائيل لفض خلاف أمني بين قائد جهاز أمني فائق القوة أجبر على الاستقالة من منصبه ورئيس حكومة متهم بتجاهل التحذيرات ورفض تشكيل لجنة تحقيق رسمية في أحداث 7 تشرين الأول/أكتوبر.
وإذا ما قدم رونين بار دعوى رسمية ضد نتنياهو فإنها ستكون سابقة تاريخية تقترب من النزاع القضائي المديد بين الرئيسين السابقين للموساد، تسفي زامير والاستخبارات العسكرية إيلي زعيرا عام 1973 بشأن التعامل مع إنذارات سبقت الفشل في حرب أكتوبر. ففي عام 2005، رفع زعيرا، دعوى تشهير ضد زامير، على خلفية اتهامات زامير لزعيرا ودوره في الإخفاق الاستخباراتي الذي سبق الحرب. وحينها طالب زعيرا بتعويض قدره مليون شيكل.
يذكر أن نتنياهو أمر برفع دعاوى قضائية ضد العديد من وسائل الإعلام الإسرائيلية التي نشرت تقارير عن إنذارات وصلته من جهات مختلفة بشأن هجوم 7 أكتوبر وتجاهلها. ويعرف نتنياهو وبار ووسائل الإعلام أهمية "حرب الروايات" وأثرها على مستقبل صندوق الاقتراع الإسرائيلي ونتائجه.
هكذا ومع اقتراب الذكرى السنوية الثالثة لطوفان الأقصى واقتراب موعد الانتخابات العامة، عادت قضية التهرب من المسؤولية عن الفشل الإسرائيلي يوم 7 تشرين الأول/أكتوبر لتحتل مكانة مركزية في الحملات الانتخابية. وبعد تسونامي التقارير عن تحذيرات مصرية وإماراتية ودولية سبقت 7 أكتوبر يثار السؤال فعلاً عما كان يعرفه نتنياهو قبل ذلك اليوم. ومع إعلان نتنياهو إنكاره تقريبا لكل التقارير المنشورة إسرائيلياً ودولياً عمد إلى توجيه إصبع الاتهام لرئيس الشاباك السابق رونين بار.
نظرية الخيانة الداخلية
والواقع أن نتنياهو، عبر مقربيه، وبينهم زوجته سارة وابنه يائير، يشيعون منذ شهور طويلة نظرية خيانة أجهزة الأمن والقيادة العسكرية لنتنياهو وتقاعسهم عن دورهم بإبلاغه بإشارات دالة على قرب هجوم 7 أكتوبر. وكان مقربون من نتنياهو قد كرروا اتهامات الخيانة هذه قبل 7 أكتوبر عندما ربطوا بين الشاباك والتظاهرات المناهضة لما يعرف بإصلاح القضائي. وحينها وجهوا أصابع الاتهام إلى المستشارة القضائية للحكومة، غالي بهاراف ميارا، التي كان زوجها من قادة الشاباك واتهموها بعرقلة مساعي الحكومة. وكذلك الاتهامات ضد شيكما بريسلر والتي قادت التظاهرات ضد الحكومة وزوجها أيضاً من قادة الشاباك. وتزايدت هذه الاتهامات بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر وصارت أكثر تحديداً ضد رئيس الشاباك وبعض قادة الجيش. ورغم تنصل نتنياهو شكلياً من تلميح زوجته بأن زعيم حزب الديمقراطيين الجنرال احتياط يائير غولان كان جاهزاً بسلاحه يوم 7 تشرين الأول/أكتوبر بسبب معرفته المسبقة بهجوم حماس إلا أنه كان بين من أشاعوا نظرية المؤامرة هذه.
إن نظرية "الخيانة الداخلية" التي أشاعها قادة الليكود واليمين عموماً، تقوم على فكرة أن عناصر أمنية أو عسكرية أو من معارضي نتنياهو ساعدوا حماس أو منعوا الجيش من إيقاف الهجوم، تركت أثرها الكبير على الجمهور الإسرائيلي. ووفقاً لاستطلاعات أجراها معهد الحرية والمساءلة بجامعة رايخمان، ازداد معدل تصديق هذه النظريات بمرور الوقت. ففي نيسان/أبريل 2026، وافق نحو 30% من الجمهور الإسرائيلي (ونصف ناخبي الائتلاف الحاكم تقريبًا) على الاتهامات بأن مسؤولين كبارًا أخفوا معلومات عن رئيس الحكومة أو آمنوا بجوانب مختلفة من المؤامرة.
وفي تقرير حديث للقناة 13 جاء أن ما لا يقل عن 40% من الإسرائيليين يعتقدون أن أحداث 7 أكتوبر سبقتها خيانة من داخل المؤسسة الأمنية والعسكرية.
وأضاف التقرير أن هذه النظرية، التي كانت تُعتبر في البداية هامشية وحكرًا على عدد قليل، "اكتسبت تدريجياً زخماً كبيراً بين عامة الناس، وهي إحدى القضايا التي قد تُغير نتائج الانتخابات القادمة". وتساءل التقرير "كيف تحولت تصريحات هامشية لا أساس لها إلى حملة منظمة حصدت عشرات الملايين من المشاهدات؟"
وانطلقت نظرية "الخيانة الداخلية" من واقع الرغبة في إلقاء مسؤولية الفشل على المستوى العملياتي في الجيش والشاباك والموساد لإخفاء مسؤولية المستوى السياسي عموماً ومسؤولية نتنياهو شخصيا. ووجد نتنياهو أن يركز حملته في ظل المعركة الانتخابية هذا الأسبوع على "إخفاقات وجرائم" رئيس الشاباك رونين بار. وجاءت هذه الحملة في ذروة تراكم التقارير الإعلامية عن تجاهله شخصيا الإنذارات العديدة من أطراف داخلية وخارجية. وكان أول ادعاء لنتنياهو بأن الشاباك والجيش يتحملان مسؤولية الفشل يوم 7 أكتوبر لأنهم لم يوقظوه من نومه.
ووفقًا لاتهامات نتنياهو، أجرى رونين بار، ليلة 7 تشرين الأول/أكتوبر ، محادثات عديدة مع رئيس الأركان السابق هرتسي هاليفي ورئيس الاستخبارات العسكرية السابق أهارون حليفا حول "المؤشرات الدالة". لكنه "قرر عدم الاتصال برئيس الحكومة واطلاعه على آخر المستجدات، وعدم تنبيه فرق الاستعداد والقوات الميدانية. كما لم يأمر بإخلاء المحتفلين في حفل "نوفا"، واكتفى فقط بإرسال فريق صغير من قوة مكافحة الإرهاب التابعة للشاباك والمعروفة باسم "تيكيلا"، مما يثبت علمه بوجود خطر حقيقي".
بار يقاضي
أعلن رونين بار في بيان نشره ممثله القضائي أنه "يطالب بالكشف عن الشهادات والوثائق المتعلقة بالمعلومات التي قُدّمت لرئيس الحكومة قبل 7 تشرين الأول/أكتوبر، بما في ذلك الوثائق وجدول اجتماعات نتنياهو مع المؤسسة الأمنية والمسؤولين الأجانب".
وأضاف البيان أنه "بعد ثلاث سنوات من رفض نتنياهو الاعتراف بمسؤوليته ومنعه للجمهور بأي شكل من الأشكال من الوصول إلى لجنة تحقيق حكومية، بدأ بنشر أجزاء من الوثائق بطريقة تلاعبية ومقتطعة من سياقها. والآن، مع ظهور أدلة على التحذيرات التي تلقاها قبل المجزرة، يحاول صرف الأنظار عنه بإلقاء اللوم على من حذروه في حينه".
وأضاف البيان أنه "ليس من المستغرب، كما سيتضح لاحقاً، أن بار، بصفته رئيسًا لجهاز (الشاباك)، حذر رئيس الحكومة من كارثة وشيكة بطريقة غير مسبوقة، وأن نتنياهو تجاهل هذه التحذيرات، فضلًا عن التوصيات المتعلقة باستعادة الردع وتعزيز الحدود".
وتابع: "حتى الآن، كان رونين بار يعتقد أن من الصواب انتظار تشكيل لجنة التحقيق ومع ذلك، لا يمكن السماح باستمرار سلسلة الأكاذيب، وتشويه الحقائق، والتلاعب بالبروتوكولات، ونشر معلومات مضللة للجمهور. وقد كلف الرئيس السابق لجهاز الشاباك محاميه برفع دعوى تشهير ضد رئيس الحكومة واستدعاء كل من قام بتشويه الحقائق، وتزوير الوثائق، ونشر معلومات كاذبة ومُسيئة ضده للإدلاء بشهادته. ودعا بار نتنياهو إلى "الكشف عن جميع الوثائق فورًا، حتى يتسنى للجمهور الاطلاع على الحقيقة كاملة من دون تلاعب".
وبحسب ما نشر في إسرائيل فإن العداوة بين نتنياهو وبار تكشفت في الإفادة التي قدمها بار إلى المحكمة العليا في نيسان/أبريل 2025، بسبب طلبات إقالته بدعوى "انعدام ثقة" نتنياهو به. وبحسب بار، فإن انعدام الثقة هذا نابع من رفضه الامتثال لمطالب نتنياهو بمنحه إعفاءً أمنياً من الإدلاء بشهادته في محاكمته، أو السماح له بتشغيل جهاز الشاباك في القطاع المدني في ظل ظروف ديمقراطية مشكوك فيها. ويبدو أن نتنياهو استشاط غضباً من الفقرة التي وردت في الإفادة، والتي تنص على أن رئيس الشاباك "ليس خادماً موثوقاً به أو تابعاً شخصياً" لرئيس الحكومة. وبعد استقالة بار، صحّح نتنياهو هذا "الانحراف عن المألوف" وعيّن موالين له على رأس الشاباك والموساد.
غير أن ما فجر الأمر مؤخراً قيام نتنياهو بنشر مقاطع من إفادته أمام مراقب عام الدولة متهما رئيس الشاباك بتبني "مفهوم يدعو إلى التهدئة" ولم يقدم تحذيرات واضحة. بل ادعى نتنياهو "لم يقترح أي طرف إحباط قيادة حماس في غزة"، وأن نتنياهو هو من أمر بالاستعدادات لإحباط هذه القيادة. غير أن تحقيقاً نشره رونين بيرغمان في "يديعوت أحرونوت" أشار إلى أن بار طلب في الاجتماع الذي تشير له وثيقة نتنياهو "مواجهة السنوار بالقوة" عبر اغتياله هو ومحمد الضيف وأن رئيس الأركان حينها هرتسي هاليفي طلب "إعداد حملة واسعة النطاق في قطاع غزة". ومن السابق لأوانه معرفة أثر تراشق الاتهامات هذا على الانتخابات ونتائجها لكن من الجلي أن إسرائيل لن تخرج من هذا التراشق معافاة.




