لا تحلموا بعالم سعيد..
فخلف كل قيصر يموت
قيصر جديد..
ودمعة سدى
هكذا بدت كلمات سبارتاكوس الأخيرة، كما فهمها الرائع الراحل أمل دنقل، وكأنما كان يتنبأ لنا بالمقصلة وبالمقتلة، وكأنما حملت الدواوين نبوءته إلى منصات الحقيقة.
المشهد، فوق مسرح الحرب الأميركية-الإيرانية، لا ينبئ بنهاية حاسمة وشيكة، فلا موازين القوة في الحرب الدائرة تبدو حاسمة، ولا مصالح الأطراف غير المباشرة من هيئة المنتفعين بالحرب تبدو حاسمة أيضاً.
وعلى الرغم من خطايا كثيرة ارتكبها دونالد ترامب في إدارته للصراع، وفي الصعود به قرب مستويات الإبادة الكاملة والدمار الشامل للخصم، فإن الظرف الموضوعي لا يرشح بديلاً فورياً للولايات المتحدة في مقعد الزعامة أحادية القطب للنظام الدولي. فلا أميركا قادرة على مواصلة الانفراد بالزعامة، ولا منافسوها جاهزون للفوز بحصة حاسمة في تلك الزعامة.
مشكلة دونالد ترامب، في اللحظة الراهنة، أن رؤيته ذاتية جداً لصورته كزعيم فريد لنظام دولي ينفرد هو بالزعامة فيه، وهي رؤية لا تسمح له بالحصول على تقييم دقيق لما يريده وما يقدر عليه. وهكذا، فكلما اتسعت المسافة بين ما يريده الرجل أو يشتهيه، وبين ما يقدر، بحسابات القوة على انتزاعه، أو الاحتفاظ به، كلما غاصت أميركا أكثر في الأوهام ربما لسنوات مقبلة، تبدو معها كإمبراطورية أصابها الخرف، مع أداء شابه التسرع وقصور الرؤية، أو حتى غيابها في أحيان كثيرة، ما قاد إلى تدهور قيم الدولة العظمى الوحيدة، وتراجع مصداقيتها بحدة، فيما انشغلت بملاحقة مصالح آنية، أو محض انتهازية، قصيرة النظر وباهظة الكلفة، إذا ما أخذنا بالحساب مقدار وقيمة وتأثير الفرص الفائتة.
أسلوب ترامب الانتهازي، الفاقد للرؤية الإمبراطورية الأميركية، لم يبدد فحسب رصيد أميركا في سياسات الحرب والسلم على مدى قرن كامل، وإنما سحب من رصيد من سيأتي بعده في المكتب البيضاوي، بعدما تآكلت المصداقية لدى من خذلهم من الحلفاء، ومن هادنهم من الخصوم.
الفريد في اللحظة الراهنة، بينما تتكسر النصال، على النصال سواء في حرب أوكرانيا أو في الحرب الأميركية على إيران، أننا بسهولة، ودون حاجة إلى أجهزة سونار، ولا إلى أسلحة شبحية ترانا ولا نراها، يمكننا أن نرصد تآكل أرصدة العظمة على الجانب الأميركي، لكننا لا نرى بديلاً جاهزاً في الأفق المنظور، فالعالم لا يستطيع مواصلة النمو إذا غاب الكبير، سواء بحسابات القوة أو بمقاييس التأثير.
أميركا العرجاء خطر على العالم كله، بما فيه من أنصار لها أو خصوم، وحال الفصام التي تعيشه أميركا في اللحظة الراهنة، بين قوتها وبين قيمها، تجعلها عرجاء باختيارها.
من دون مصالحة بين قيم أميركا، كما طرحها وودرو ويلسون، وبين قوتها كلما استعرضها دونالد ترامب، تخرج أميركا من صدارة السباق على زعامة نظام دولي جائر تريد هي استدامته، ويريد سائر العالم تغييره، بالتخلص من هيمنة القطب الأوحد على الشأن الدولي كله.
الخصومة الظاهرة بين قيم أميركا-ويلسون، وبين سياسات أميركا-ترامب، لا تسمح للولايات المتحدة بكسب حرب تميل فيها موازين القوة إلى جانبها بوضوح، فالحلفاء ما عادوا يثقون بزعامة أميركا، والخصوم ما عادوا يتشككون في قدرتهم على هزيمة مشروعها أو زعزعة أسس زعامتها.
حيرة أميركا وعجزها أمام خصم من عيار إيران، تثير شكوك أصدقائها في الخليج في مدى جدية التزامها تجاه حلفائها، إذا ما جدّ الجد، وهو ما تعزز برفض ترامب الاستجابة مرتين لطلب ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان التدخل لوقف هجمات الحوثيين على المملكة، إذ اكتفى ترامب بالقول إن لديه تعهداً من الحوثيين بعدم مهاجمة أهداف أو مصالح أميركية أو إسرائيلية في المنطقة!!
ولتهدئة خواطر الخليج الغاضب من الخذلان، راح ترامب لاحقاً يتحدث عن مستوى جديد من الحشد الأميركي لهجوم ساحق كبير يجبر طهران على الركوع والخضوع، مشيراً إلى ضربات أميركية وشيكة بمستوى من القوة غير مسبوق، تحركت للمشاركة فيه قاذفات "بي 1" النووية، التي ستشارك لأول مرة في ضربة أميركية لم يسبق لها مثيل. لكن خبرات الحرب في زمن ترامب، علّمتنا أنه كلما علا الصخب على الجانب الأميركي، كان ذلك عنواناً لمفاجأة تفاوضية وإعلان سياسي إما بالتهدئة وإما بإنجاز اتفاق يمكن نقضه لاحقاً، وهو ما أظن أنه قد يتم الإعلان عنه خلال أيام، يُفتح بعدها مضيق هرمز للملاحة، وترفع أميركا حصارها البحري عن إيران.
ترقبوا ولادة اتفاق وشيك، قد يكون قصير العمر، لكنه يعطل ماكينة الحرب لبضعة أسابيع إلى ما بعد الانتخابات النصفية التي يكافح ترامب للحد من آثارها على ما تبقى من فترته الرئاسية الثانية.




