كيف تغيّرت رئاسة الحكومة المغربية حتى وصلت امرأة إلى الموقع؟

نوال الحوارالأربعاء 2026/09/30
فاطمة الزهراء المنصوري (إنترنت)
المنصوري... مسار سياسي من مراكش (إنترنت)
حجم الخط
مشاركة عبر

من عبد الرحمن اليوسفي، رجل المعارضة والاتحاد الاشتراكي إلى فاطمة الزهراء المنصوري أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة في تاريخ المغرب، مرّ منصب رئيس الحكومة المغربية بتحولات سياسية ودستورية عكست مراحل مختلفة من تاريخ المملكة.

في 29 أيلول/سبتمبر 2026، عيّن الملك محمد السادس فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة وكلفها بتشكيل الحكومة الجديدة، بعد تصدر حزب الأصالة والمعاصرة الانتخابات التشريعية التي جرت في 23 أيلول/سبتمبر بـ97 مقعداً من أصل 395. وبذلك دخل المغرب مرحلة سياسية جديدة، كما أصبحت المنصوري ثاني امرأة عربية تتولى رئاسة حكومة، بعد التونسية نجلاء بودن، وأول امرأة مغربية تصل إلى هذا المنصب. 

 

اليوسفي...لحظة التناوب

لفهم دلالة وصول المنصوري، لا بد من العودة إلى عام 1998، حين عيّن الملك الحسن الثاني عبد الرحمن اليوسفي وزيراً أول.

كان اليوسفي زعيم الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وأحد أبرز رموز المعارضة المغربية. وقد مثّل تعيينه انتقالاً تاريخياً من المعارضة إلى المشاركة في إدارة الحكم، في ما عُرف بـالتناوب التوافقي.

استمر اليوسفي في منصبه بعد اعتلاء الملك محمد السادس العرش سنة 1999.

 إلى أن انتهت تجربته الحكومية عام 2002. وكانت تلك المرحلة إحدى أبرز محطات إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والأحزاب السياسية. 

 

جطو... التكنوقراط في رئاسة الحكومة

بعد انتخابات 2002، عُيّن إدريس جطو وزيراً أول. وكان انتقالاً واضحاً من رئيس حكومة ذي خلفية حزبية إلى شخصية تكنوقراطية ذات خبرة إدارية واقتصادية.

وفي تلك المرحلة كان الإطار الدستوري لا يربط تعيين الوزير الأول بصورة مباشرة بالحزب المتصدر للانتخابات كما أصبح الأمر بعد دستور 2011.

ثم جاءت حكومة عباس الفاسي عام 2007، قبل أن يدخل المغرب مع دستور 2011 مرحلة جديدة في العلاقة بين الانتخابات ورئاسة الحكومة. 

 

ابن كيران... صعود الإسلاميين

شكلت انتخابات 2011 منعطفاً آخر. تصدر حزب العدالة والتنمية الانتخابات، فتولى عبد الإله ابن كيران رئاسة الحكومة، ثم خلفه سعد الدين العثماني عام 2017.

كان وصول العدالة والتنمية إلى قيادة الحكومة تحولاً مهماً باعتباره أول حزب ذي مرجعية إسلامية يقود الحكومة المغربية في إطار انتخابي ودستوري.

وفي ظل دستور 2011 أصبحت قاعدة تعيين رئيس الحكومة أكثر ارتباطاً بنتائج الانتخابات، إذ يعيّن الملك رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات مجلس النواب.

وهكذا انتقل المغرب من مرحلة كان فيها اختيار الوزير الأول أكثر اتساعاً من الناحية الدستورية، إلى مرحلة أصبح فيها تصدر الانتخابات عنصراً أساسياً في اختيار رئيس الحكومة.

 

أخنوش... حكومة رجل الأعمال

في انتخابات 2021 انتقلت رئاسة الحكومة إلى عزيز أخنوش، رئيس التجمع الوطني للأحرار، وهو رجل أعمال وسياسي.

أنهت تلك الانتخابات عشر سنوات من قيادة العدالة والتنمية للحكومة، وبدأت مرحلة جديدة بقيادة حزب التجمع الوطني للأحرار.

وفي حكومة أخنوش برزت فاطمة الزهراء المنصوري وزيرة لإعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، كما أصبحت من أبرز قيادات حزب الأصالة والمعاصرة.

لكن حضور المنصوري في السياسة المغربية كان أقدم من تجربتها الوزارية.

 

المنصوري... مسار سياسي من مراكش

بدأ صعود فاطمة الزهراء المنصوري على المستوى المحلي، عندما أصبحت عمدة لمدينة مراكش عام 2009، ثم عادت إلى رئاسة المجلس الجماعي للمدينة عام 2021.

وكانت أسماء الشعبي قد سبقتها تاريخياً بوصفها أول امرأة تُنتخب عمدة لمدينة في المغرب، عندما ترأست بلدية الصويرة عام 2003. ومن ثم فإن تجربة المنصوري في مراكش جاءت ضمن مسار أوسع لدخول المرأة المغربية مواقع القرار المحلي. 

ثم انتقلت المنصوري إلى البرلمان، وبعدها إلى الحكومة، وتولت حقيبة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة. كما صعدت داخل حزب الأصالة والمعاصرة، وأصبحت منسقة القيادة الجماعية للحزب.

وهذا التسلسل مهم في فهم وصولها إلى رئاسة الحكومة: المنصوري لم تأتِ إلى المنصب من خارج السياسة، وإنما راكمت تجربة بلدية وبرلمانية ووزارية وحزبية.

 

المرأة المغربية في مواقع القرار

قبل وصول المنصوري إلى رئاسة الحكومة، شهد المغرب وصول نساء إلى مواقع سياسية ومؤسساتية رفيعة.

ومن أبرز الأسماء زينب العدوي، التي تولت رئاسة المجلس الأعلى للحسابات، إحدى المؤسسات الدستورية الأساسية في مجال الرقابة على المال العام والحكامة.

لكن رئاسة الحكومة بقيت حتى سبتمبر 2026 الموقع التنفيذي الأعلى الذي لم تصل إليه امرأة مغربية. وجاء تعيين المنصوري ليكسر هذا الحاجز.

 

الثانية عربياً والأولى مغربياً

على المستوى العربي، سبقت تونس المغرب في وصول امرأة إلى رئاسة الحكومة.

ففي تشرين الأول/أكتوبر 2021 أصبحت نجلاء بودن أول امرأة عربية تتولى رئاسة الحكومة التونسية، واستمرت في المنصب حتى آب/أغسطس 2023. 

وبتعيين فاطمة الزهراء المنصوري في 29 أيلول/سبتمبر 2026 أصبحت ثاني امرأة عربية تترأس حكومة، والأولى في تاريخ المغرب. 

وهنا تكمن أهمية الحدث: فالمنصوري لا تدخل التاريخ المغربي فقط بوصفها أول امرأة على رأس الحكومة، بل تأتي بعد مسار طويل من التحولات التي شهدتها رئاسة الحكومة نفسها.

 

من اليوسفي إلى المنصوري... تبدّل صورة رئيس الحكومة

خلال نحو ثلاثة عقود تغيرت الخلفيات السياسية لرؤساء الحكومات المغربية بصورة لافتة.

اليوسفي جاء من المعارضة الاشتراكية. جطو جاء من التكنوقراط والإدارة. ابن كيران والعثماني قادا حكومة حزب ذي مرجعية إسلامية. أما أخنوش جاء من عالم الأعمال والسياسة الحزبية.

والمنصوري تأتي بخبرة جمعت بين التدبير المحلي والعمل البرلماني والوزارة والقيادة الحزبية. وهذا يجعل وصولها جزءاً من تطور أوسع في بنية الحكومة المغربية، وليس مجرد حدث متعلق بتمثيل المرأة.

 

الاختبار الأول: تشكيل الحكومة

تبدأ المنصوري مهمتها الأولى من البرلمان. فحزب الأصالة والمعاصرة تصدر الانتخابات بـ97 مقعداً، لكنه لا يملك الأغلبية المطلقة في مجلس النواب، ما يجعل تشكيل ائتلاف حكومي ضرورة سياسية. وجاء التجمع الوطني للأحرار ثانياً بـ66 مقعداً، والاستقلال بـ65، والعدالة والتنمية بـ54 مقعداً. لذلك سيكون بناء الأغلبية وتحديد خريطة التحالفات أول اختبار سياسي لرئيسة الحكومة الجديدة. وهنا ستظهر قدرتها على إدارة التفاوض بين الأحزاب، وتشكيل حكومة متماسكة وقادرة على العمل.

 

الملفات التي تنتظر الحكومة الجديدة

بعد تشكيل الحكومة، ستنتقل المنصوري إلى ملفات أكثر مباشرة بالنسبة للمواطن المغربي: التشغيل، القدرة الشرائية، الأجور، التعليم، الصحة، السكن، والاستثمار والتنمية المجالية.

كما ستدير الحكومة مرحلة اقتصادية مهمة تتصل بالمشاريع والاستثمارات الكبرى استعداداً لاستضافة المغرب كأس العالم 2030، وهو ما يضع أمامها تحديات تتعلق بالبنية التحتية وفرص العمل والتنمية. 

 

من الرمز إلى المسؤولية

وصول فاطمة الزهراء المنصوري إلى رئاسة الحكومة حدث تاريخي بلا شك. لكن التاريخ يسجل لحظة التعيين، بينما السياسة تختبر ما بعد التعيين. فالمنصوري تدخل الآن مرحلة مختلفة تماماً عن كل مراحل مسيرتها السابقة: لم تعد عمدة مدينة، ولا وزيرة، ولا قائدة حزبية فحسب، بل أصبحت مسؤولة عن تشكيل حكومة وإدارة ائتلاف سياسي ومواجهة ملفات اقتصادية واجتماعية على المستوى الوطني.

من اليوسفي إلى المنصوري، تغيرت طبيعة الشخصيات التي قادت الحكومة المغربية، وتغيرت القواعد الدستورية التي تحكم اختيارها، وتبدلت علاقة الأحزاب بالحكم. أما اليوم، فقد دخلت المرأة المغربية للمرة الأولى إلى قمة السلطة التنفيذية.

فاطمة الزهراء المنصوري هي أول رئيسة حكومة في تاريخ المغرب، وثاني امرأة عربية تصل إلى رئاسة الحكومة. لكن السؤال السياسي الذي يبدأ مع تعيينها ليس من هي المرأة الأولى، بل كيف ستدير الحكومة الأولى التي تقودها امرأة في تاريخ المملكة؟

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث