حذر محللون إسرائيليون، اليوم الأربعاء، من تآكل متسارع في رصيد إسرائيل دولياً على خلفية ممارساتها وممارسات المستوطنين في الضفة الغربية المحتلة، معتبرين أن المشهد الداخلي مرشح لمزيد من التوتر مع اقتراب الاستحقاق الانتخابي.
دوامة استراتيجية
وفي هذا السياق، رأى الباحث في "مركز رابين" بجامعة تل أبيب، د. ميخائيل ميلشتاين، في مقال بصحيفة "يديعوت أحرونوت"، أن هناك فجوة كبيرة بين ما يُعرض على الجمهور الإسرائيلي والواقع في الملف الفلسطيني. وقال إن الادعاء بأن الانتقادات الخارجية نابعة من معاداة السامية أو مجاملة لجاليات مسلمة هو مجرد "ضمادة توضع على مشكلة حقيقية".
وأوضح ميلشتاين أن العالم ينظر إلى إسرائيل اليوم كدولة تعيش دوامة إستراتيجية حادة وتنحو نحو التطرف، محكومة بمفاهيم توراتية كـ"الأرض الموعودة" و"إبادة عماليق" وعقيدة يهوشع بن نون، مع تدهور نحو تمييز شديد ضد الأقليات الخاضعة لسيطرتها، وهو ما تجلى في ما وصفه بـ"معركة تهويد الجليل" التي يقودها وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، والسعي للاحتكاك بالمجتمع العربي وتطبيع إقصائه.
وأضاف أن المشكلة ليست في الإعلام، فحتى لو تحسن أداؤه فلن يتمكن من تجميل واقع قاتم أمام الجماهير الأجنبية، مشيراً إلى أن العالم الغربي على الأقل لا يكره إسرائيل ولا ينفي حقها في الوجود، لكنه يوجه انتقادات مشروعة إزاء التوجه نحو واقع الدولة الواحدة ورفض أي نقاش حول الموضوع الفلسطيني، وعدم فهم أهداف إسرائيل في مختلف الجبهات وفي مقدمتها غزة، ورفضه لأحلامها وعلى رأسها ما يسمى "الهجرة الطوعية"، فضلاً عن غضبه من المشاهد المروعة المتصاعدة القادمة من الضفة الغربية.
ولفت الباحث الإسرائيلي إلى أنه بدلاً من إدراك أن ما يحدث هو نتيجة تغير في السياسة والصورة العامة، يتلقى المواطن الإسرائيلي تفسيراً مفاده أن العالم ساذج ومنافق ولا يعرف العرب كما يعرفهم الإسرائيليون وأنه سيدفع ثمناً باهظاً.
وانتقد ميلشتاين تصريح رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو بأن المستوطنين المتهمين بالإرهاب هم مجرد "ثلة متطرفة تلحق ضرراً بالمشروع الاستيطاني كله"، واعتبر أن ما يسمى "الثورة الاستيطانية" هو مشروع فئوي يُسوّق على أنه مشروع قومي باسم الجميع ومن أجلهم.
وأكد أنه لا يمكن فرض سيادة فعلية في الضفة ووصف بؤر الاحتكاك التي تتسبب بها بأنها "مورد إستراتيجي"، وفي الوقت نفسه الاستغراب من نشوء واقع بلقاني نازف وفقدان فرص التطبيع وتحوّل صورة إسرائيل في العالم لتصبح مشابهة لصورة جنوب إفريقيا في عهد الأبارتهايد، بسبب المضي نحو "بلع" ثلاثة ملايين فلسطيني من دون البحث في مكانتهم.
وخلص ميلشتاين إلى أن صبر العالم تجاه إسرائيل يتراجع بسرعة، لكنه لا يزال يؤجل تشديد التعامل معها انطلاقاً من إدراكه أن الأجواء مشحونة عشية الانتخابات الإسرائيلية وأنه من الجائز أن يحدث تغيير بعدها.
وشدد على أنه مع اقتراب الذكرى السنوية الثالثة لـ7 تشرين الأول/أكتوبر، فإن تعزيز القوة العسكرية مهم، لكن المناعة القومية تقوم على شرعية دولية وتماسك داخلي حول الرؤية والغايات، وهي قضايا شهدت تراجعاً شديداً ومقلقاً مقارنة بالوضع الذي كان سائداً حتى قبل ثلاث سنوات.
نتنياهو يحاول تسخين "الحلبة الأمنية"
من جهته، تطرق المحلل العسكري في صحيفة "هآرتس"، عاموس هرئيل، إلى ادعاء نتنياهو أمس بوجود مؤشرات على هجوم محتمل من أعداء إسرائيل عشية الانتخابات، وهو ادعاء نفاه الجيش الإسرائيلي.
وشدد هرئيل على أن نتنياهو يحاول تسخين الحلبة الأمنية، معتبراً على ما يبدو أن شعور الجمهور بحالة طوارئ متصاعدة سيخدمه انتخابياً، وأنه إذا استمرت الاستطلاعات في إظهار نتائج مقلقة بالنسبة له، فربما يمكن استخدام هذه الذريعة لتأجيل موعد الانتخابات.
وأشار هرئيل إلى أن توتر نتنياهو ينبع من مسألة أخرى تتمثل في مجموعة التقارير التي نُشرت في الأسابيع الأخيرة حول التحذيرات عشية 7 تشرين الأول/أكتوبر من هجوم ستنفذه حركة حماس والتي تم تجاهلها، معتبراً أن توقيت هذه التقارير ليس عفوياً، وأن هناك أطرافاً في دول مجاورة ستكون مسرورة برؤية نتنياهو يغادر مكتب رئيس الحكومة.
وأضاف أن وزير الأمن يسرائيل كاتس عقد مداولات بمشاركة قيادة الجيش الإسرائيلي أمس، لكن ليس لبحث العنف المنهجي الواسع للمستوطنين تجاه الفلسطينيين في الضفة الغربية، موضحاً أن كاتس لديه سلم أولويات مختلف، وهو يدفع الجيش وجهاز الأمن العام "الشاباك" للتخطيط لعملية هجومية جديدة في أحد مخيمات اللاجئين في الضفة.
وتابع هرئيل أنه في العام 2026 سُجل تراجع كبير في عدد الإسرائيليين الذين أصيبوا في عمليات مسلحة نفذها فلسطينيون، مؤكداً في المقابل تصاعد إرهاب المستوطنين، لكن كاتس ونتنياهو لا يهتمان بهذه المعطيات ويبحثان عن عمليات هجومية أخرى لينفذها الجيش الإسرائيلي في الضفة عشية الانتخابات، وأنهما يأملان "بتحويل فوهات بنادق" أجهزة الأمن الفلسطينية نحو القوات الإسرائيلية والمستوطنين ليحاربها الجيش الإسرائيلي بصورة مباشرة، بهدف نهائي يتمثل في انهيار السلطة الفلسطينية.
وختم هرئيل بالإشارة إلى أنه من الناحية الفعلية لا يزال التنسيق الأمني الوثيق قائماً مع الأجهزة الفلسطينية، وليس فقط من خلال لقاءات متواصلة بين ضباط من الجانبين، وإنما أيضاً عبر إشادة جهاز الأمن الإسرائيلي، الجيش والشاباك، بمساعدة أجهزة السلطة في اعتقال مشتبهين بالإرهاب وخاصة عناصر حماس، في حين يُظهر الجيش الإسرائيلي حوافز منخفضة في التعامل مع العنف والإرهاب من الجانب اليهودي.




