اتهمت إستونيا، اليوم الثلاثاء، أجهزة الاستخبارات الروسية بالوقوف وراء هجوم تخريبي استهدف شركة دفاعية في العاصمة تالين، في تطور أثار ردود فعل من حلف شمال الأطلسي (الناتو) وفرنسا ودول أوروبية، وسط تحذيرات من اتساع نطاق العمليات الروسية الهجينة داخل أوروبا.
وقال الأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته إن روسيا تواصل ما وصفه بـ"حملة متهورة من الأعمال العدائية ضد حلفاء الناتو"، وذلك بعد إعلان السلطات الإستونية نتائج تحقيقها في حريق متعمد استهدف منشأة مرتبطة بشركة "ميلريم روبوتيكس" الدفاعية.
وأكد روته أن هذه العمليات لم تنجح في تقويض وحدة الحلف أو إضعاف دعم أعضائه لأوكرانيا، داعياً في الوقت نفسه إلى التعامل بهدوء مع التهديدات الروسية، ومقراً بأن عمليات التخريب يمكن أن تُحدث أضراراً فعلية.
وجاء موقف روته بعد يوم من دعوة القائد الأعلى لقوات الناتو في أوروبا، الجنرال أليكسوس غرينكويتش، الدول الحليفة إلى الكشف علناً عن العمليات التخريبية الروسية وإدانتها، معتبراً أن هدف موسكو من هذه الأنشطة هو كسر إرادة الدول الداعمة لأوكرانيا.
وقال غرينكويتش، بحسب وكالة "رويترز"، إن الكشف عن المسؤولية الروسية عن أعمال التخريب يمثل جزءاً من الرد عليها، إلى جانب مواصلة دعم أوكرانيا، بما يرفع كلفة هذه العمليات ويسهم في ردعها.
ماكرون: تضامن كامل مع إستونيا
وأعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تضامن بلاده الكامل مع إستونيا، محذراً من تصاعد العمليات المنسوبة إلى روسيا داخل الدول الأوروبية.
ووصف ماكرون تزايد هذه الأعمال بأنه "اندفاع خطير إلى الأمام" من جانب روسيا، مؤكداً أن موسكو لن تنجح في تقويض وحدة الدول الأوروبية أو تصميمها على مواصلة دعم أوكرانيا.
وربط الرئيس الفرنسي الحادث في إستونيا بسلسلة من العمليات والحوادث التي شهدتها دول أوروبية واتُّهمت موسكو بالوقوف خلفها، في وقت تشارك فيه فرنسا في تعزيز دفاعات الجناح الشرقي لحلف شمال الأطلسي.
تحرك أوروبي لمواجهة "الحرب الهجينة"
ويأتي الإعلان الإستوني بعد يوم واحد من اجتماع وزراء دفاع الاتحاد الأوروبي في بروكسل لمناقشة تصاعد ما يصفه الاتحاد بالتهديدات والهجمات الهجينة الروسية.
وقالت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس إن عمليات التخريب والحرق وغيرها من الأنشطة الروسية في أوروبا مستمرة، مشيرة إلى أن الاتحاد لجأ إلى أدوات من بينها العقوبات وطرد دبلوماسيين روس، لكنه يدرس اتخاذ إجراءات إضافية.
وناقش الوزراء وضع بروتوكول أمني طارئ يتيح تنسيقاً أسرع بين الدول الأعضاء عند وقوع هجوم هجين، إلى جانب تعزيز تبادل المعلومات والتنسيق بين الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي.
وكان الاتحاد الأوروبي قد وسع، في 24 أيلول/سبتمبر، نطاق العقوبات المرتبطة بما يسميه "الأنشطة الروسية المزعزعة للاستقرار"، والتي تستهدف أفراداً وكيانات متهمة بالمشاركة في عمليات هجينة تهدد أمن الدول الأوروبية واستقرارها.
إستونيا تتهم الاستخبارات الروسية
وجاءت ردود الفعل بعدما أعلنت السلطات الإستونية أن تحقيقاتها توصلت إلى أن أجهزة روسية أمرت بتنفيذ حريق متعمد استهدف منشأة مرتبطة بشركة "ميلريم روبوتيكس" في تالين ليلة 15 آب/أغسطس الماضي.
وتعد الشركة من أبرز الشركات الإستونية العاملة في مجال الروبوتات والأنظمة العسكرية غير المأهولة، وسبق أن زودت أوكرانيا بمركبات أرضية غير مأهولة.
وقال جهاز الأمن الداخلي الإستوني إن التحقيق أظهر أن العملية لم تكن حادثاً عارضاً، بل عملاً تخريبياً متعمداً جرى تنفيذه بأوامر من الأجهزة الروسية.
وكانت السلطات في لاتفيا قد اعتقلت ثلاثة أشخاص يُشتبه بضلوعهم في العملية، قبل تسليمهم إلى إستونيا للتحقيق معهم. ولم يؤد الحريق إلى تعطيل عمليات الشركة أو تسليماتها إلى أوكرانيا، بحسب ما نقلته "رويترز" عن الشركة في أعقاب الحادث.
واستدعت وزارة الخارجية الإستونية ممثل روسيا لديها على خلفية نتائج التحقيق، فيما قال رئيس الوزراء الإستوني كريستن ميخال إن بلاده "لن تُرهب" بمثل هذه العمليات.
أما وزير الخارجية مارغوس تساهكنا، فاعتبر أن الحادث جزء من حملة روسية أوسع تستهدف الدول الأوروبية ودعمها لأوكرانيا، ودعا حلف شمال الأطلسي إلى تطوير آليات أكثر فاعلية للتعامل مع العمليات التي تقع دون عتبة الهجوم العسكري التقليدي.
وبحسب صحيفة "فايننشال تايمز"، يدفع تساهكنا باتجاه الكشف بصورة علنية عن المسؤولية الروسية عن هذه العمليات، بدلاً من السماح لموسكو بالاستفادة من الغموض المحيط بالهجمات، كما دعا إلى بحث استخدام بعض آليات مكافحة الإرهاب لدى الناتو لمواجهة العمليات التخريبية.
موسكو تنفي
في المقابل، رفضت روسيا الاتهامات الإستونية. وقال المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف إن اتهام موسكو بالوقوف وراء الحريق لا يستند، بحسب الموقف الروسي، إلى أدلة تثبت مسؤوليتها.
وتأتي القضية وسط تزايد القلق الأوروبي من عمليات التخريب والهجمات السيبرانية وغيرها من الأنشطة التي تنسبها الحكومات الغربية إلى روسيا، بالتزامن مع الحرب في أوكرانيا وتصاعد المواجهة السياسية والأمنية بين موسكو والدول الأوروبية.
ولا توجد حتى الآن مؤشرات على تعامل الناتو مع حادث تالين باعتباره هجوماً عسكرياً يستدعي تفعيل المادة الخامسة من ميثاق الحلف، التي تنص على اعتبار الهجوم المسلح على دولة عضو هجوماً على جميع الأعضاء.
إلا أن الحادث أعاد إلى الواجهة النقاش داخل الحلف بشأن كيفية الرد على العمليات الهجينة التي تقع على أراضي الدول الأعضاء، لكنها تبقى دون عتبة المواجهة العسكرية المباشرة، خصوصاً مع مطالبة إستونيا وحلفاء آخرين برد أكثر تنظيماً على عمليات التخريب المنسوبة إلى موسكو.




