شهدت الساحة الفلسطينية حيوية ما "مجازاً" خلال الأيام القليلة الماضية، مع عقد اجتماعات متلاحقة للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، ثم مركزية حركة فتح في اليوم التالي وإبقاء اجتماعاتها مفتوحة، بالتزامن مع دعوة الرئيس محمود عباس إلى حوار فلسطيني في مصر "العلمين 2"، ولقاءات متواصلة للفصائل في القاهرة، وفتح باب الترشح للانتخابات التشريعية، وتقديم فصائل اليسار قوائمها بشكل منفصل، وتعثر أو بطء مساعي تشكيل لائحة موحدة لحماس والجهاد الإسلامي مع تيار محمد دحلان وناصر القدوة، وبالشكل قد تبدو هذه الحيوية وكأنها تسخين المحركات استعداداً للانتخابات، إلا أنها بالمضمون تهيئ الأجواء أمام تأجيلها، مع استحضار البيانات الصادرة عن الاجتماعات واللقاءات التي تشي بانفتاح جدي وجماعي على التأجيل لعدة أسباب سياسية وتنظيمية. والحراك الراهن بمثابة تقديم الخطة ب: التأجيل، والسعي لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني لتصبح الخطة أ بدلاً من إجراء الانتخابات بظل عراقيل وحواجز تمنع إجرائها، خاصة مع الاشتراطات "الصارمة" للتنفيذية والمركزية وحتى للفصائل بشكل عام.
حوار فلسطيني جامع
إذن، شهدت الأيام الماضية حيوية فلسطينية لافتة "مجازاً"، مع عقد اجتماعات متتالية للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير ومركزية فتح، بالتزامن مع دعوة الرئيس محمود عباس إلى حوار فلسطيني جامع في مصر "العلمين 2"، وفتح باب الترشح للانتخابات التشريعية وتقدم 7 قوائم خلال يومين، منها اثنتان لليسار، "الديموقراطية ومصطفى البرغوثي"، في ظل تعثر أو جمود تشكيل قائمة موحدة لليسار تضم الشعبية ومستقلين، ولا حتى لحماس والجهاد وتيار دحلان، مع مواقف صريحة وضمنية للفصائل تبقي الباب موارباً أمام تأجيل الانتخابات، واعتبار مبادرة الجبهة الشعبية مبرراً ومدخلاً مناسباً لذلك.
جاء بيان اجتماع اللجنة التنفيذية، الذي ترأسه السيد النائب حسين الشيخ، لافتاً جداً عبر التمسك بإجراء الانتخابات التشريعية في موعدها، لكن مع اشتراطات صارمة تشمل إجرائها في كامل ولاية الدولة الفلسطينية "الضفة الغربية والقدس وغزة"، كما جاء حرفياً في البيان، مع الإشارة إلى ضرورة تمكين كل المواطنين من الاقتراع بحرية في تلك المناطق وبوقت واحد.
خلال الاجتماع، وحسب مصادر مطلعة، طرح الشيخ اقتراح الجبهة الشعبية الخاص بتأجيل الانتخابات للنقاش، مع وصفها بالرفيق التاريخي والفصيل الثاني في المنظمة، لإضفاء أهمية على الاقتراح، وفق التعبير الحرفي للطريقة التي طرحه فيها.
للتذكير، كان اقتراح الشعبية قد تضمن تأجيل الانتخابات مع الشروع بحوار وطني لترتيب البيت الفلسطيني وبلورة استراتيجية وطنية وحدة، ومن ثم الذهاب إلى انتخابات بعد فترة انتقالية تقارب العامين.
في اليوم التالي لاجتماع التنفيذية، عقدت اللجنة المركزية لفتح "حزب السلطة" اجتماعاً آخر برئاسة الشيخ أيضاً، حيث تبنى الاجتماع نفس المقاربة تجاه الانتخابات لجهة التمسك بإجرائها وفق الاشتراطات سالفة الذكر، بينما كان الملف الأهم على الطاولة دعوة الرئيس محمود عباس للحوار الوطني. وجرى فعلاً تشكيل وفد فتحاوي رفيع للمشاركة فيه برئاسة أمين سر المركزية جبريل الرجوب -مع ماجد فرج وروحي فتوح وزكريا الزبيدي- باعتباره وجهاً مقبولاً لدى حماس وبقية الفصائل، وكان لافتاً كذلك إبقاء اللجنة في حالة اجتماع دائم لمواكبة التطورات المتلاحقة.
انفتاح حمساوي
من جانبها، أبدت حماس على لسان رئيس مكتبها السياسي العام خليل الحية "مساء السبت" انفتاحاً على الحوار الجامع، كما فكرة تأجيل الانتخابات من خلاله، مع تعثر أو تباطؤ الإعلان عن قائمة انتخابية مشتركة مع الجهاد ودحلان وناصر القدوة، وهو حسب مصادر مطلعة كان يفترض أن يتم بالقاهرة منذ 10 أيام على الأقل.
بالتزامن مع التطورات السالفة، جرى رسمياً فتح باب الترشح للانتخابات التشريعية، وتقدمت 7 قوائم خلال يومين -السبت والأحد- منها اثنتان لليسار، "الديموقراطية ومصطفى البرغوثي"، بعد فشل فكرة الاتحاد في قائمة واحدة مع الشعبية وشخصيات يسارية مستقلة نتيجة خلافات شخصية وتنظيمية، كما لتريث الشعبية انسجاماً مع نفسها واقتراحها القاضي بتأجيل الانتخابات وتفضيل الوطني الجامع.
بالتزامن، كان لافتاً كذلك قرار-قانون الرئيس محمود عباس الأحد القاضي بتمديد فترة الترشح لأسبوع إضافي، كي تنتهي 18 تشرين الأول/ أكتوبر القادم بدلاً من 12 منه، للزعم أن الحوار المتوقع لن يؤثر أو يعرقل السيرورة الانتخابية الموضوعة.
بالعموم، وحسب مصادر مطلعة، فقد أبدت الفصائل كلها انفتاحاً على دعوة عباس للحوار المفترض أن ينطلق برعاية مصرية خلال أيام قليلة "العلمين 2"، حيث لم يؤدِّ العلمين 1 "2023" إلى نتائج جدية، بينما تمتلك فتح تصوراً عاماً للحوار يشمل ملفات التشريعي والرئاسة والمجلس الوطني ومنظمة التحرير واستراتيجية وطنية موحدة لمواجهة التحديات الراهنة في غزة والضفة على حد سواء.
تجب الإشارة إلى أن فكرة الحوار جاءت متأخرة، وكان يجب أن تسبق الدعوة للانتخابات، مع ذلك ثمة قبول واسع لإيجاد مخرج لائق مناسب للتأجيل الذي تؤيده أغلبية بين الفصائل لأسباب حزبية وفئوية مختلفة طبعاً.
بالعموم، تخشى فتح تشظي قاعدتها وتعدد قوائمها -ثلاثة على الأقل، واحدة رسمية وأخرى مدعومة من مروان البرغوثي وثالثة لدحلان والقدوة- بينما يخشى اليسار انكشاف ضعفه وتلاشي حضوره الجماهيري -تتراوح شعبيته حول 5-7 بالمائة ستوزع على ثلاثة قوائم- أما حماس، ومع تحفظ بعض قواعدها على التحالف مع دحلان والقدوة واستحضار لقاءات هذا الأخير مع إيهود أولمرت وتفاهمات حل الصراع، فتخشى حماس سيناريو الانتخابات باعتباره خطوة نحو تهميشها بالساحة السياسية والحزبية، خاصة في حالة تنازلها عن السلاح والسلطة لصالح اللجنة الوطنية بغزة.
عرقلة إسرائيلية
بالمشهد الانتخابي العام، تجمع الفصائل على رفض إجراء الانتخابات دون القدس وقطاع غزة، مع رفض الاحتلال إجراءها بالمدينة المقدسة -ثمة طرق لإنجازها رغماً عنه- كما رفض إدخال اللوازم الانتخابية للقطاع، وعملياً لا نرى استعدادات جدية بالمنطقتين رغم تبقي شهرين فقط على الموعد المقرر نهاية تشرين الثاني/ نوفمبر القادم.
إلى ذلك، يجب الانتباه إلى دعوات إسرائيلية متصاعدة لمنع إجراء الانتخابات الفلسطينية، مع موقف صريح لرئيس مجلس الأمن القومي السابق المقرب من بنيامين نتنياهو، الجنرال مئير بن شبات، يطالب بعدم السماح بإجرائها والتحذير من دلالاتها وتداعياتها الفلسطينية والدولية، المتضمنة إنهاء الانقسام وتوحيد المؤسسات بغزة والضفة، وبالتالي تصاعد الضغوط الدولية لشق الأفق السياسي نحو الدولة الفلسطينية وتقرير المصير.
وعليه، وبناءً على ما سبق، سيمثل الحوار الوطني على الأغلب غطاءً مناسباً لتأجيل الانتخابات، مع مخاوف أن تقتصر نتائجه الفعلية على ذلك دون ترتيب جدي للبيت الفلسطيني ضمن فترة انتقالية تنتهي بالحسم الديموقراطي، ما يعني تكريس المشهد الراهن واستبعاد الانتخابات التي تخشاها، للأسف، معظم القوى الفصائلية المترهلة والمسؤولة عن الواقع الكارثي والمأساوي في غزة والضفة الغربية، رغم التأييد العالمي والتقبل الواسع للرواية والقضية العادلة للشعب الفلسطيني.




