رغم حل الأحزاب السورية التقليدية في العهد الجديد، لا تزال بعض الأحزاب الشيوعية السورية تنشط ولو بالحد الأدنى. ورصدت "المدن" استمرار "الحزب الشيوعي الموحد" في إصدار جريدته "النور"، بالتوازي مع استمرار نظيره الحزب الشيوعي السوري - المكتب السياسي في إصدار أعداد جريدة "المسار" الناطقة باسمه.
وكان آخر نشاط معلن للأحزاب اليسارية وسط دمشق، الاجتماع الذي عقد مؤخراً، والذي ضم ممثلين عن: حزب العمل الشيوعي، الحزب الشيوعي السوري - المكتب السياسي، الحزب الشيوعي السوري الموحد، الحزب اليساري الكردي في سوريا، حزب الإرادة الشعبية.
وفي هذا الصدد، أعلن رئيس حزب الإرادة الشعبية المقرب من موسكو، قدري جميل، على فيسبوك، أن المجتمعين ناقشوا الأوضاع الراهنة في البلاد، وضرورات التنسيق والعمل المشترك بين كل القوى الوطنية الديمقراطية السورية، وأكدوا على ضرورة استمرار الحوار واللقاءات بين القوى المجتمعة.
لا جبهة يسارية جديدة
ولا يؤشر الاجتماع على ولادة جبهة سياسية شيوعية، بقدر ما يعني الإعلان عن وجودٍ ما لليسار السوري، الذي تعرض على مدار العقود السابقة لحالة من التفكك والخلل البنيوي الداخلي، جعلته ينقسم على نفسه.
ويقرأ الباحث في مركز "جسور للدراسات" وائل علوان الحراك اليساري الحالي في سوريا كأمر طبيعي تحفزه الاستحقاقات التي جرت في المرحلة الانتقالية، وعلى رأسها تشكيل البرلمان السوري.
ويضيف خلال حديث لـِ "المدن" أن هذه الأحزاب تسعى اليوم إلى إعادة الهيكلة لتتلاءم مع سوريا الجديدة، خاصة وأنها بالأصل مترهلة وتعرضت لشروخات عميقة في فترة حكم البعث، فضلاً عن مشكلاتها التنظيمية والبنيوية.
ويتوقع علوان أن تلجأ الأحزاب اليسارية إلى هيكلة نفسها من جهة، وإلى هيكلة التحالفات فيما بينها من جهة أخرى. ويلفت إلى أن هذه النشاطات لن تنجح طالما أنها ستقتصر على مجرد إحياء المنظومة القديمة، علماً أن اليسار موجود على ضعفه في سوريا، لكن الأحزاب الشيوعية عانت من تفكك كبير جداً في العقود الماضية، ومحاولاتها اليوم ترقيعية لا تصلح للحالة السورية الجديدة.
ويرجح علوان أن مختلف الأحزاب السورية، سواء الشيوعية أو الاشتراكية أو القومية العربية، لن تستطيع توحيد صفوفها، بل على العكس ستشهد مزيداً من التشظي.
سوريا تغيرت
من جانبه، يرى المحلل السياسي درويش خليفة خلال حديث لـِ "المدن" أنه في ظل غياب الحياة السياسية، وعدم البدء حتى الآن بتشكيل لجنة لإعداد قانون ينظم عمل الأحزاب السياسية، فمن الطبيعي أن تلجأ القوى المناهضة للسلطة الحالية، وفي مقدمتها القوى اليسارية بمختلف تسمياتها وتفرعاتها، إلى عقد الاجتماعات وصياغة رؤى وخطوط عريضة لسوريا المستقبل، كلٌّ من موقعه السياسي والفكري.
ويلاحظ خليفة أن المجتمع السوري اليوم لديه نفور واضح من معظم التيارات السياسية التقليدية، سواء اليسارية بمختلف اتجاهاتها، أو جماعات الإسلام السياسي، بما فيها جماعة الإخوان المسلمين وغيرها من القوى ذات المرجعيات الدينية، لذلكَ فإن أي قوى سياسية تريد طرح رؤية لسوريا المستقبل، أياً كان توجهها، مطالبة بأن تأخذ في الاعتبار التحولات العميقة التي شهدتها سوريا، وكذلك المتغيرات الإقليمية والدولية المحيطة بها.
ويؤكد خليفة على أن القوى اليسارية تحتاج إلى مراجعة شاملة لتجربتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، خصوصاً في ظل ابتعاد جزء كبير منها في مرحلة الثورة عن الواقع المجتمعي السوري، وعدم قدرتها على تمثيل أو الاقتراب من قطاعات واسعة من السوريين.
ويتابع بأن أي مشروع سياسي جديد يحتاج إلى ضخ دماء جديدة واستقطاب أجيال شابة قادرة على تقديم أفكار مختلفة، أما إعادة إنتاج الأفكار والعقليات التي حكمت العمل السياسي خلال العقود الماضية، سواء تحت عناوين الشيوعية أو الاشتراكية أو غيرها، فلن تكون كافية للتعامل مع سوريا الجديدة.
وكما ينظر خليفة إلى نشاط القوى اليسارية باعتباره فرصة لمراجعة المرحلة السابقة لا مجرد إعادة إنتاج للخطاب نفسه، يطالب السلطة الحالية بالبدء بإعداد قانون حديث للأحزاب، يتناسب مع الواقع الوطني السوري، ويؤسس لحياة سياسية حقيقية، بعيداً عن احتكار المجال العام من أي أيديولوجيا دينية أو قومية أو مذهبية أو طائفية.




