برغم الهجمة الشرسة التي يتعرّض لها النظام الدولي على يد الذين يشعرون بفائض القوة، تبقى هيئة الأمم المتحدة ركيزة لا يمكن القفز فوقها، وهي ضرورة للجم التهور والتفرّد، وملتقى لعصف الأفكار وتبادل الرؤى، بصرف النظر عن الاختلافات الواسعة التي يعيشها المجتمع الدولي، وبينها حروب ومآسٍ مقلقة ومدمّرة، وتباين كبير حول قضايا جوهرية، كموضوع مستقبل الأسرة والانفكاك الأخلاقي.
تبدو الدورة الحادية والثمانون للجمعية العامة للأمم المتحدة لهذا العام، والتي انطلقت في 22 أيلول/ سبتمبر، استثنائية ومهمة، إذ احتضنت حراكاً دبلوماسياً واسعاً لم يحصل منذ مدة طويلة، وكان النشاط السياسي الأميركي على وجه التحديد بارزاً وفاعلاً، كما أن الحضور الدولي كان رفيع المستوى، وشمل وجود 71 رئيس دولة و45 رئيس حكومة و50 وزير خارجية، وهو عدد وازن، لا سيما أن بين هؤلاء مَن له دور أساسي في الحراك العسكري والسياسي والاقتصادي الذي يدور في العالم.
الدبلوماسية الأميركية استقطبت الأضواء بعد خطاب الرئيس دونالد ترامب الافتتاحي للجمعية، ومن خلال اللقاءات التي جرت على هامش الجلسات العامة، وأهمها: اجتماعات ترامب مع الرئيس الصيني شي جين بينغ، والفرنسي إيمانويل ماكرون، ورئيس وزراء بريطانيا، واللقاء الذي جمعه مع رؤساء وفود الدول العربية والإسلامية. وجدول أعمال هذه الاجتماعات كان دسماً بالموضوعات الخلافية الكبيرة، خصوصاً منها ما يتعلّق بالحرب التي تدور بين إيران والولايات المتحدة، وما يتفرّع عنها من توترات جيوسياسية وأمنية وتجارية.
لكن المهم في هذا الانغماس الدبلوماسي الأميركي الكبير، أنه يشير إلى تراجع واشنطن عن الطروحات التي كانت تستهدف تقويض المنظمة الدولية، وفيه إشارة عملية إلى أهمية بقاء الأمم المتحدة كمظلّة تحتضن النظام الدولي القائم، برغم كل الشوائب الموجودة.
ويمكن التأكيد على استثنائية الحدث لهذا العام، بسبب ما رافق أعمال الجمعية العامة من تسويات ومباحثات، ربما لم تكن لتحصل لولا المصادفة التي ترتبط بالاستحقاق السنوي الجامع، ومن ذلك، على سبيل المثال لا الحصر، حضور الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إلى الولايات المتحدة الأميركية، وكذلك وجود الرئيسة الفنزولية المؤقتة ديلسي رودريغيز ورئيسة وزراء الدانمارك ميته فريدريكسن، وبين دول هؤلاء وواشنطن حروب عسكرية وتهديدات سياسية وبرامج فرض نفوذ وسيطرة.
وقد نجح الرئيس ترامب في تحويل الخلاف مع الدانمارك حول جزيرة غرينلاند إلى اتفاق يقضي بإنشاء قواعد عسكرية بالتراضي، كما احتضن الرئيسة الفنزولية قائلاً إن بلاده مع كاراكاس تسيطران على 60 في المئة من نفط العالم، بينما لم تتبلور صورة الوضع بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران رغم حضور بزشكيان، لكن ترامب قال: إيران أمام وضعيتين، إما تدميرها وإبادتها، أو السماح لها بالازدهار، في إشارة واضحة إلى أن مباحثات تجري لتوليف صفقة معها.
يمكن تسجيل بعض النتائج للحراك الدبلوماسي الكبير، وقبل أن تتبلور صورة المخرجات بكاملها، ومن أبرزها:
1- الاعتراف الأميركي بعدم القدرة على اعتماد أحادية قطبية تدير العالم، وقد فرضت أحجام القوى الكبرى نفسها لصالح نظام تعددية قطبية تشمل مرجعيات، أو دولاً، ومنها ليست من نادي الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن الدولي. ولعلّ ما جرى في الاجتماع الذي عقده الوزيران سيرغي لافروف ومارك روبيو، تأكيد أن سياسة فرض الإملاءات ليست خياراً مقبولاً، ولا بد من التفاهم، كما لا بد من احترام إرادة الأطراف الأخرى في سياق البحث عن السلام والاستقرار.
2- تراجع الخطاب الأميركي عن استخدام مفردات تتنافى مع القواعد المعتمدة، وبعضها يتعارض مع جوهر ميثاق الأمم المتحدة. ومنها، على سبيل المثال، إعلان الرغبة بضمّ بعض المناطق للسيادة الأميركية، أو فرض نظام خاص لبعض الممرات المائية الدولية لا تنطبق مع مرتكزات قانون أعالي البحار. ولا تبرر الإعلانات الأميركية في هذا السياق نظرية "الغنائم تؤول للمنتصر" التي كانت سائدة في القرون الوسطى.
3- إعادة الحيوية لمؤسسات المنظمة الدولية، بعد الإحباط الكبير الذي أصابها من جراء تجاهلها في سياق التعامل مع ملفات التوتر، وحصر دورها بالملفات الإغاثية المتعبة.
وقد يكون للقمة الأميركية – الصينية الحصة الأكبر من التأثير، لكن الغموض ما زال يحيط بنتائجها. والمعلومات التي تم تداولها يمكن أن تشير إلى شيء من تقاسم النفوذ، كما يمكن أن تكون مفيدة لتسوية بعض الملفات الساخنة، ومن هذه الملفات أمن الممرات المائية الدولية، وإبقاء الوضعية القانونية في هذه الممرات على ما كانت عليه، خصوصاً في مضيقي هرمز وباب المندب، لأن المصالح الصينية ستتأثر سلبياً على نطاق واسع، إذا ما تم تغيير قواعد التعامل فيها.
وللدول الأخرى مصالح حيوية مشروعة في هذه الممرات، لا يمكن إغفالها، كي لا تعمّ الفوضى ويضطرب الاقتصاد العالمي.




