في الثاني والعشرين من أيلول/ سبتمبر، صعد دونالد ترامب إلى منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، وقال إنَّ إيران "كانت متنمّر الشرق الأوسط لعقود، لكنها لم تعد كذلك". ثم طرح على القاعة سؤالاً لم ينتظر عليه جواباً: "هل أُبيد الجمهورية الإسلامية وأفعل ذلك بسرعة؟"، أم أتركها تعيد البناء؟
في اليوم نفسه، وفي المدينة نفسها، جلس مبعوثاه ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر في محادثات غير مباشرة مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، بحضور رئيس الوزراء القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني. خرج ترامب ليصف اللقاء بأنه "جيد جداً" و"مثمر جداً"، وليقول إنه استغرق ثلاث ساعات. وفي اليوم التالي، كان الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان يصعد المنبر نفسه، في سابقة لرئيس دولة في حالة حرب مع الولايات المتحدة.
إذن، رئيسٌ يهدّد بالإبادة علناً، ومبعوثوه يبحثون شروط فتح مضيق هرمز. مفارقةٌ لا تعني أن التسوية باتت قريبة بالضرورة، لكن لها دلالاتها. بلغت الحرب نقطةً صار فيها استمرارها مكلفاً على كلّ أطرافها. لم تعد القوة تُنتج حسماً، والفاتورة الأميركية تتضخّم قبل ستة أسابيع من الانتخابات النصفية، وإسرائيل لا تملك حرباً تخوضها وحدها، والصين تريد المضيق مفتوحاً وإن لم تكن مستعجلة على نهاية الحرب.
هل الضربة الحاسمة ممكنة؟
ثمة ما يفسّر الانتقال الراهن من المنبر إلى الغرفة المغلقة. لو كان ترامب يملك ضربة تُنتج حسماً سياسياً لوجّهها. لم يتردّد الرجل في الذهاب إلى الحرب في الثامن والعشرين من شباط/ فبراير، وكانت لديه منذ ذلك الحين كلّ الأسباب لإنهائها بالقوة سريعاً، من قبيل أسعار الوقود والانتخابات وإلحاح حلفائه، لكنّه مع ذلك انتقل من عملية "الغضب الملحمي" إلى هدنة نيسان/ أبريل، ثم إلى حصارين بحريين، ثم إلى العزل الاقتصادي. كما أن من يملك الإبادة السريعة لا يطرحها سؤالاً على 193 دولة.
بحسب تقديرات إسرائيلية، ضُرب نحو 2600 موقع ودُمّر نصف منصّات الإطلاق، لكن النظام الإيراني بقي، وبقي معه نحو 440 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصّب بنسبة 60 في المئة. "وول ستريت جورنال" نقلت هذا الشهر عن مسؤولين أميركيين أن إيران أطلقت صواريخ باليستية باتجاه حاملة طائرات وسفن حربية أميركية، وأن قدرتها على إصابة السفن المتحرّكة تحسّنت منذ الصيف. سبعة أشهر من القصف لم تُضعف مهارة الخصم، بل صقلتها. وحين عدّد ترامب لـِ "فوكس نيوز" خياراته، "تدمير إيران بالكامل، أو تركها تواجه الانهيار الاقتصادي، أو التوصّل إلى اتفاق"، كان الأول قد جُرّب ولم يُنتج ما أراده، والثاني يحتاج إلى وقت لا يملكه، فلم يبقَ عملياً إلا الثالث.
تكشف الصحافة الأميركية كلفة الوقت بالتحديد. في الثامن عشر من أيلول/ سبتمبر، نشرت "واشنطن بوست" تقدير القيادة المركزية لكلفة الحرب حتى مطلع الشهر بما يقارب 43.6 مليار دولار على الأقل، ويقدّر مكتب الميزانية في الكونغرس أنها ستواصل استنزاف نحو ثلاثة مليارات شهرياً. وقد رسمت "بلومبرغ" صورةً أدقّ حين لفتت إلى أن الحصار وحده يشغل نحو 22 سفينة بكلفة تقارب 32.5 مليون دولار يومياً، وربما استُهلك منذ حزيران/ يونيو 2025 ما يصل إلى ثلثي مخزون الصواريخ الاعتراضية، إلى جانب ألف صاروخ "توماهوك" من أصل ثلاثة آلاف. وخلاصة الوكالة أن الاستراتيجية تؤذي إيران اقتصادياً، لكنها تستنزف في الوقت نفسه المال والذخائر والسفن الأميركية، وتضغط على قدرة واشنطن على نشر قوتها في مناطق أخرى.
إيما سالزبري من معهد أبحاث السياسة الخارجية ترى أن إيران تستطيع تحمّل الحصار "لفترة طويلة" لأنها اعتادت القيود. سيصير الحصار سباقاً بين قدرتين على الاحتمال، والقدرة الأميركية مقيّدة بموعد انتخابي. أكثر من سبعة من كل عشرة أميركيين يقولون، وفق استطلاعات "فوكس نيوز" و"سي إن إن"، إنَّ رئيسهم لا يملك خطة لهذه الحرب.
زيلينسكي بدل هرمز
لعلّ أوضح ما يكشف ضيق ترامب بالفاتورة هو الطريقة التي يتحدّث بها عنها. تجاوز سعر غالون الديزل هذا الشهر في الولايات المتحدة ستة دولارات للمرة الأولى في تاريخها. ترامب قال إنَّه طالب زيلينسكي بوقف ضرب المصافي الروسية. لكن المسألة، وإن كانت صحيحة بحيث إن حظر التصدير الروسي أخرج من السوق نحو 800 ألف برميل يومياً من الديزل، تستبطن محاولة التعمية عن أن الإغلاق الفعلي لهرمز منذ ستة أشهر قد أخرج من السوق نحو خُمس نفط العالم. حين يبحث رئيس عن متّهم بغلاء الوقود قبل أسابيع من الانتخابات، ولا يسمّي الحرب التي بدأها، بل الحرب التي يريد أن ينهيها، فإنه يمارس نقلاً للمسؤولية أكثر مما يقدّم تشخيصاً، خصوصاً أن الديزل وقود الشاحنات والجرّارات، أي وقود الريف والنقل والمزارع حيث قاعدته الانتخابية.
في كل ما سبق، ثمة ما ينقض روايةً يروّج إليها البعض وتقول إنَّ واشنطن تتعمّد إبقاء الفوضى لأن النفط الغالي يخدم نفطها الصخري. صحيحٌ أن إدارة معلومات الطاقة تتوقع إنتاجاً قياسياً يقارب 13.8 مليون برميل يومياً في 2026، لكن الولايات المتحدة مستورد ومستهلك ضخم في الوقت نفسه، والوقود الغالي يصيب النقل والغذاء والتضخّم. ولو كان النفط الغالي مكسباً صافياً، لما احتاج ترامب إلى البحث عن مسؤول عنه في كييف. واشنطن تحتمل بالفعل الغلاء أفضل من منافسيها، لكنها ليست مستفيدةً صافية من اختناق الممرات.
نتنياهو بلا حرب انتخابية؟
في مقابل هذه المعطيات التي تُثقل كفة التهدئة، ثمة من يراهن على أن نتنياهو قد يعيد إشعال الجبهة الإيرانية قبل انتخابات السابع والعشرين من تشرين الأول/ أكتوبر، ليخوض الاقتراع في ظلّ حالة طوارئ. لكن الكثير من القراءات الإسرائيلية تستبعد ذلك، فخبيرة استطلاعات الرأي داليا شيندلين لا ترى أن نتنياهو يملك حرية التصعيد إلى حرب شاملة من دون دعم أميركي، وجوناثان رينهولد من جامعة بار إيلان يقول إنه يجد "صعوبة في تخيّل القيام بتنفيذ عمل كبير دون مشاركة أميركية". وكان موقع "واي نت" قد نقل في آب/ أغسطس الماضي عن مصدر أن ترامب أرغم نتنياهو على التراجع حين سعت إسرائيل إلى ذريعة لإحياء خطة ضرب إيران بعد حادثة مجدل زون في لبنان. أما عاموس هرئيل في "هآرتس" فيضيف أن هيئة الأركان نفسها ترى أنه "حان الوقت لاتخاذ خطوات سياسية تقلص نطاق الساحات التي يعمل فيها الجيش الإسرائيلي".
على أن الحرب التي تخدم صاحبها انتخابياً لا بد وأن تكون منطقياً قصيرة ورابحة، بينما أظهر استطلاع للجامعة العبرية في حزيران/ يونيو أن 92 في المئة من الإسرائيليين يعتقدون أن إيران ربحت المواجهة أو خرجت منها بمكاسب أكبر. ولهذا يبدو أن نتنياهو يبيع نبوءةً بدل الحرب.
بكين رابحة من طول الحرب، خاسرة من اشتعالها؟
يبقى الطرف الأكثر إثارة للاهتمام راهناً، وخصوصاً بعد اللقاء الأخير بين ترامب وشي، الذي أعاد الصين إلى قلب الحسابات السياسية للحرب. وقد أكد ترامب أنه ناقش مع نظيره الصيني الحرب في إيران، فيما قال السفير الأميركي لدى بكين إن ترامب أبلغ شي أن أي دعم صيني مباشر أو غير مباشر لإيران "غير مقبول تماماً"، مشيراً إلى أن واشنطن تلقت ضمانات من بكين في هذا الشأن.
هل الصين مستفيدة من الحرب على إيران؟ هنا السؤال. عملياً، وعلى صعيد الكلفة، يمرّ نحو نصف واردات الصين من الخام عبر هرمز، وقد خسرت قرابة 13 في المئة من وارداتها. لكن بكين كانت قد استعدّت. فبمخزون استراتيجي يقارب 1.4 مليار برميل، وهو الأكبر في العالم، خفّضت وارداتها في الربع الثاني إلى 8.1 مليون برميل يومياً؛ أي أقلّ بـِ 32 في المئة مما كانت عليه في الربع الأول. ووفق محلّلي الطاقة، كان لهذا القرار الأثر الأكبر في كبح الأسعار منذ بدء الحرب. وقد عنونت "أسوشييتد برس" في تقرير لها بما يلخّص المفارقة: الأسعار مرتفعة لكنها كانت لتكون أسوأ بكثير، "وعلى ترامب أن يشكر شي على ذلك".
على أن الوجه الآخر للحساب مختلف. فالحرب سحبت إلى الخليج سفناً من الأسطول السابع المتمركز في اليابان وغوام، وأُلغيت مناورة مشتركة واحدة على الأقل في آسيا، واستُهلكت في إيران صواريخ اعتراضية وبعيدة المدى صُمّمت أصلاً لمواجهة محتملة مع الصين. يرى أندريا غيزيلي، في تحليل نشره "المركز العربي واشنطن دي سي" في الثاني والعشرين من أيلول/ سبتمبر، أن بكين تستفيد بصورة غير مباشرة، إذ تعزّز الحرب موقعها التفاوضي مع واشنطن من دون أن تتحمّل التزامات كبرى، وأنها "بذلت ما في وسعها لمنع هذا الصراع من أن يتحوّل إلى مصدر إزعاج جدّي في علاقاتها مع واشنطن".
يمكن القول إذن إنَّ الصين رابحة من طول الحرب وخاسرة من اشتعالها، وإنَّ ما يؤذيها هو الحدّة التي ترفع الأسعار وتغلق المضيق، وما يفيدها هو الاستنزاف الذي يُبقي الأسطول الأميركي بعيداً عن مضيق تايوان. ومن هنا يُفهم ما قاله شي جين بينغ في قمة "بريكس" في نيودلهي في الثاني عشر من الشهر الجاري، ثم ما أكده بعد لقائه الأخير مع ترامب، حين دعم عودة الولايات المتحدة وإيران إلى الحوار وإلى مذكرة إسلام آباد، ثم استئناف المفاوضات من أجل التوصل إلى اتفاق. وكما كتب تايي سون في "معهد تودا للسلام"، فإن "البلد الذي يملك أكبر نفوذ اقتصادي محتمل على طهران هو أيضاً البلد الذي لا تستطيع واشنطن أن تتحمّل استعداءه".
لكن إذا كانت بكين تدفع نحو التهدئة، فقد يكون ما تسعى إليه أقرب إلى تهدئة الممرات لا نهاية الصراع. هي تريد هرمز مفتوحاً وأميركا منهكة، وهذه تحديداً الصيغة التي تحملها خريطة الطريق الإيرانية؛ أي فتح متدرّج للمضيق وهدنة محدودة، لا سلام يعيد الأسطول الأميركي إلى المحيط الهادئ. وثمة ورقة صامتة على الطاولة أيضاً، فمن استطاع أن يخفّض الطلب ليكبح الأسعار يستطيع أن يرفعه. ولعلّ هذا ما قصدته "هآرتس" حين عنونت في أيار/ مايو أن الصين لن تنقذ ترامب من ورطته الإيرانية، "وربما العكس".
باب المندب خارج الغرفة
غير أن ما قد يُفتح في هرمز لا يُفتح بالضرورة في البحر الأحمر. للحوثيين خطواتهم. وقد حمل قادة الخليج إلى لقائهم ترامب في نيويورك مخاوفهم حول مزيد من الحرب، أو حماية أميركية أقل، بحسب ما أوردت الـ "سي إن إن". وقد طرح رئيس الوزراء القطري إطاراً أمنياً إقليمياً يضمّ إيران، واصفاً الحرب بأنها جرس إنذار، فيما عرضت واشنطن صندوقاً بخمسة مليارات دولار لإعادة بناء البنية التحتية للطاقة وتمويل طرق بديلة. عرضان يكشفان أن الخليج يريد ترتيباً مع إيران، وأن واشنطن تفضّل أن تدفع ثمن الترميم على أن تدفع ثمن الحماية.
كيف يُباع الاتفاق؟
قد لا تكون العقبة أمام التسوية غياب المصالح المشتركة وحده. العقبة الحقيقية تكمن في قدرة كل طرف على صياغة التسوية بطريقة لا تجعله يبدو خاسراً، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بترامب. في شخصية الأخير ما يساعد على فهم ذلك. كتّاب سيرته، ومنهم غويندا بلير ومارك فيشر، يروون أن والده فريد ترامب لقّنه منذ الصغر أن في العالم صنفين من البشر: "القتلة"، أي الفائزين، والخاسرين. والفوز في هذا المنطق لا يعني تحقيق مكسب محدّد بقدر ما يعني ألّا يظهر المرء بمظهر الخاسر. من هذه الزاوية أمكن قراءة جملته عن "متنمّر الشرق الأوسط الذي لم يعد كذلك". زاوية تشي بأن الجملة بعينها ليست تهديداً بقدر ما هي عنوان مكتوب سلفاً لاتفاق لم يُوقَّع بعد، مفاده أن إيران لم تحصل على ترتيب جديد لأنها صمدت، ولكن لأنها كفّت عن التنمّر تحت الضغط.
أندرياس كريغ، الأستاذ في "كينغز كوليدج لندن"، يشرح أن "الخطاب العنيف ليس نقيضاً للدبلوماسية، بل جزء من استراتيجية المساومة"، وأنه "إذا استطاع الطرفان إقناع جمهوريهما بأنهما فاوضا من موقع قوة، فإنهما يكسبان مساحة سياسية أوسع للتنازل سرّاً من دون أن يبدوا مستسلمين علناً".
طهران تمارس اللعبة نفسها بمفردات معاكسة، فقد ردّت هيئة الأركان العامة الإيرانية بأن لغة ترامب "ليست علامة قوة بل علامة يأس استراتيجي"، ولوّحت بضربات "أكثر سحقاً وأقل قابلية للتوقع". كل طرف يحتاج إلى إقناع جمهوره بأن الآخر هو من جاء إلى الطاولة. والمسألة الأدقّ في هذا الإطار هي هرمز، لأن إعادة فتح الممرّ تحتاج إلى مخرج يقدّمه ترامب بوصفه انتزاعاً لضمانات الملاحة، وتقدّمه طهران بوصفه تفاهماً متبادلاً لا إملاءً. على أن لهذه الاستراتيجية وجهاً معاكساً، فالمبالغة في إذلال الخصم قد تجعل التراجع أمام الجمهور أكثر كلفة، وتدفع كل طرف إلى التشدّد كي لا يبدو مهزوماً.
ترتيب متدرج يبدأ بالممرات؟
لهذا كلّه، قد لا يكون الطريق صفقة كبرى تنهي الخلافات دفعة واحدة، بل ترتيباً متدرّجاً يبدأ بالممرات، ثم ينتقل إلى العقوبات، ثم إلى الملف النووي، ثم إلى ما يصعب جمعه في اتفاق واحد من اليمن إلى لبنان والعراق. والجديد أن التدرّج لم يعد اقتراحاً من المحلّلين، بل صار مضمون العرض الإيراني نفسه. غير أن الخطر يكمن في أن تتحوّل الممرات إلى نظام دائم للابتزاز المتبادل. فإذا سُجّلت المذكرة الإيرانية ـ العُمانية حول المرور لدى المنظمة البحرية الدولية، كما لمّح بقائي مطلع الشهر، فإن ورقةً وُلدت في الحرب تصير واقعاً قانونياً يُستعمل في كل أزمة لاحقة. وإذا فُرض فتح المضيق من دون معالجة المطالب الإيرانية، فقد لا تكون الهدنة إلا استراحة. ولذلك فإن المؤشر الفعلي على قرب التسوية لن يكون تصريحاً عن صفقة قريبة، بل ترتيبات قابلة للتحقّق من قبيل تراجع الهجمات وعودة الملاحة تدريجياً، وآلية واضحة لإدارة هرمز، وتخفيف متبادل للقيود، ومسار نووي يمكن مراقبته.
واشنطن تريد الخروج من دون أن تبدو خاسرة، وطهران تريد الثمن من دون أن تبدو مُملى عليها، وبكين تنتظر أن يُفتح المضيق ويبقى الأسطول الأميركي مشدوداً إليه. قاب قوسين ربما.. لكن من الهدنة لا من التسوية.




