لم تحتَج المؤسسة الدينية السورية إلى خصم جديد كي تدخل اختباراً صعباً. يكفي أن يُفتح أرشيفها لتسريبات قديمة حتى يُثار الصراع والانتقادات. ولم تكن التسريبات التي تضرب دمشق اليوم قصة مقطع مصوّر ظهر فجأة على مواقع التواصل الاجتماعي لكن ما يجري أعمق من ذلك بكثير.
وأفاد مصدر سياسي مطلع "المدن"، بأن المقطع المسرّب للاجتماع بين مفتي الجمهورية أسامة الرفاعي والوفد الإندونيسي عمره سنة تقريباً، وقبل أن تنتشر مقاطع مفتي الجمهورية، وقبل أن تتحول كلمات قديمة لوزير الأوقاف محمد أبو الخير شكري إلى مادة للسجال، كانت داخل المؤسسة الدينية نفسها أسئلة تتراكم حول شكل المرجعية الجديدة، وحدود تمثيل التيارات الإسلامية، ومن يملك موقعاً داخل المؤسسات التي يعاد تأسيسها في دمشق.
في قلب هذا المشهد يظهر اسم الشيخ عبد الرزاق المهدي، الذي يملك حضوراً واضحاً بين التجمعات السلفية في دمشق ويواصل نشاطه العلمي من خلال مجالس قراءة وتدريس كتب الحديث في جامع تنكز بدمشق.
حين يصبح الخلاف الديني معركة هوية
بعد انتشار كلام الرفاعي، ظهرت موجة من الخطاب الذي يصور المشهد وكأنه حرب جديدة بين السلفية والأشعرية. فالمدارس السنية والتيارات الفقهية والعقدية متداخلة تاريخياً، والخلاف بينها ليس جديداً.
واللافت أن الرفاعي نفسه أصدر، في 21 أيلول/سبتمبر الجاري، توضيحاً قال فيه إن الأشاعرة والماتريدية وأهل الحديث والمذاهب الفقهية الأربعة يجتمعون ضمن أهل السنة والجماعة، مؤكداً أن السلفية "جزء أصيل من نسيج سوريا العلمي والدعوي"، وأن الاختلاف العلمي لا ينبغي أن يتحول إلى قطيعة.
وقال المصدر إن ما يجري لا يرتبط فقط بالفيديو المتداول للشيخ أسامة الرفاعي، ولا بما ورد فيه عن الرئيس الشرع أو موقفه السابق من التيارات السلفية، وإنما يرتبط بالخلاف الذي نشأ حول إعادة تفعيل مجالس الحديث الشريف داخل وزارة الأوقاف، وإطلاق مسار علمي يقوم على الرواية والدراية والإسناد المتصل.
ويشير المصدر إلى أن وزارة الأوقاف أنشأت إدارة لشؤون الحديث النبوي الشريف، وبدأت بتنظيم مجالس قراءة وسماع كتب الحديث بالسند المتصل، بمشاركة علماء ومسندين من سوريا وخارجها. وتؤكد الوقائع المعلنة أن الوزارة أقامت مجلس قراءة وسماع "صحيح مسلم" بالسند المتصل في دمشق خلال أيلول/سبتمبر الجاري، بمشاركة علماء ومسندين من سوريا ولبنان واليمن والهند وبريطانيا، وبحضور الرفاعي. كما اختُتمت المجالس في الجامع الأموي في 18 أيلول/سبتمبر، بحضور الرفاعي ووزير الأوقاف محمد أبو الخير شكري وعدد من أعضاء مجلس الإفتاء الأعلى.
وبحسب المصدر، فإن هذه الخطوة لم تكن موضع ترحيب من جميع الأطراف داخل البيئة الدينية، ويذهب إلى أن الشيخ عبد الرزاق المهدي كان من أبرز المعترضين عليها، لأنه لم يُقبل ضمن مجلس الحديث التابع لوزارة الأوقاف.
لكن أهمية الرواية تكمن في أنها تقدم تفسيراً مختلفاً لتوقيت الهجوم. فبحسب المصدر، لم يكن الفيديو المتداول سوى "القشة التي قصمت ظهر البعير"، بينما يعود أصل الخلاف، في تقديره، إلى صراع أعمق حول من يملك حق تمثيل علم الحديث داخل المؤسسة الدينية الرسمية، ومن يمتلك الشرعية العلمية لتصدر هذا المجال. وهنا تصبح المسألة أبعد من خلاف شخصي بين رجل دين وآخر.
لذلك، فإن توقيت إعادة نشر مقطع الرفاعي يكتسب، وفق قراءة المصدر، معنىً إضافياً: ليس بوصفه سبباً وحيداً للهجوم، وإنما باعتباره مادة قابلة للاستثمار في خلاف كان موجوداً حول شكل المؤسسة الدينية الجديدة ومرجعياتها العلمية.
من الذي نشر المقاطع؟
وبحسب المصدر نفسه، فإن إسرائيل تملك لواءً بشرياً كاملاً ينشط على امتداد الأراضي السورية سياسياً وإعلامياً وعسكرياً، وكان له الدور الأبرز بإعادة تعويم المقاطع القديمة ضمن محاولة لتوسيع الشرخ بين التيارات السلفية والأشعرية وتحويل خلاف ديني قابل للاحتواء إلى استقطاب اجتماعي وسياسي.
ودلالتها لا تكمن فقط في الجهة التي تقف وراء إعادة نشر المقاطع، بل في الطريقة التي جرى بها اختيار المادة نفسها. فاللواء الاسرائيلي لا يحتاج إلى اختراع خلاف جديد. يكفي أن يجد خطوط التوتر القائمة، ثم يعيد ضخّ أكثر الملفات حساسية في اللحظة التي يكون فيها الوسط الديني والسياسي قابلاً للتفاعل معها وهذا هو الفارق بين صناعة الخلاف واستثماره.
المشكلة ليست في المقطعين فقط
لو كان الأمر متعلقاً بتصريح قديم واحد، لربما انتهى الجدل سريعاً. لكن تزامن إعادة تداول مقطعين لشخصيتين في قمة الهرم الديني الرسمي أعطى القضية معنىً مختلفاً.
ففي شباط/فبراير الماضي، أطلقت وزارة الأوقاف "ميثاق وحدة الخطاب الإسلامي"، بحضور الرئيس أحمد الشرع ومشاركة الرفاعي وشكري، بهدف توحيد الخطاب الديني وتعميق الصلة بين المدارس وإدارة الاختلاف ومنع التحريض والتشهير والطعن في النيات.
وهنا تظهر المفارقة: المؤسسة التي أعلنت مشروعاً لتقريب المدارس الدينية تجد نفسها، بعد أشهر، أمام مقاطع تعيد فتح أكثر الملفات حساسية، من العلاقة بين السلفية والأشعرية إلى علاقة الدين بالسلطة. فالمسألة، إذاً، ليست "ترنداً" عابراً بقدر ما هي اختبار لصورة المؤسسة نفسها، والأكثر أهمية ربما ليس معرفة من ضغط زر النشر أولاً، بل معرفة لماذا وجد المقطعان جمهوراً مستعداً لاستقبالهما بهذه السرعة.




