ترامب وشي... من معركة التفوق إلى إدارة التنافس

وائل عوادالسبت 2026/09/26
ترامب وشي (Getty)
من الذكاء الاصطناعي إلى تايوان... اختبار القوة بين أميركا والصين (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

 

 

ربما لا تكمن أهم دلالات القمة بين دونالد ترامب وشي جين بينغ في الاتفاقات التي أُعلنت، بل في ما لم يستطع الرجلان حسمه. فبعد ثلاثة أيام من الزيارات والاحتفالات والمراسم غير المسبوقة في واشنطن، خرجت القمة بلا اختراق كبير في الملفات الأكثر حساسية: الذكاء الاصطناعي، وتايوان، والتجارة، والمعادن النادرة، والحرب في إيران.

لكنها حققت شيئاً أكثر تواضعاً وأكثر أهمية: أبقت المنافسة الأميركية–الصينية تحت سقف الحوار. ترامب وصف اللقاء بأنه "عظيم"، وركز على العلاقة الشخصية مع شي. أما شي، فاختار لغة أكثر مؤسسية، مؤكداً أن البلدين مترابطان بصورة عميقة، وأن المنافسة بينهما يجب أن تكون "صحية"، داعياً إلى تجنب "فخ ثيوسيديدس" والحفاظ على الحوار بين الجيشين لمنع الأزمات وسوء التقدير.

وهنا تكمن الرسالة الأهم من القمة:

واشنطن تريد الحفاظ على التفوق، وبكين تريد منع هذا التفوق من أن يتحول إلى احتكار للقوة. وكلاهما يعرف أن كلفة المواجهة المفتوحة ستكون أكبر من قدرة أي طرف على تحملها.

قبل القمة، جعل ترامب الذكاء الاصطناعي جزءاً من معركة التفوق التكنولوجي الأميركي. الولايات المتحدة تمتلك بالفعل نقاط قوة هائلة: شركات التكنولوجيا الكبرى، ورأس المال، ومراكز البيانات، والقدرة الحوسبية، والجامعات، والقدرة على تطوير نماذج متقدمة. لكن القمة أظهرت أن واشنطن لا تنظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره ملفاً اقتصادياً فقط.

إنه أصبح قضية أمن قومي وميزان قوة. ولهذا يميل ترامب إلى رفض القيود التي يرى أنها يمكن أن تبطئ التطور الأميركي. وخلال القمة، أعلن ترامب موقفاً أكثر تساهلاً تجاه فرض قيود جديدة على الذكاء الاصطناعي، بينما قال شي إن الولايات المتحدة والصين، باعتبارهما دولتين رائدتين في هذا المجال، تتحملان مسؤولية إدارة تطوره وضمان بقاء التكنولوجيا تحت السيطرة البشرية. وهنا ظهر الخلاف الحقيقي.

واشنطن تخشى أن تؤدي القيود إلى إبطاء السباق الأميركي. وبكين ترى أن غياب آليات إدارة المخاطر قد يجعل السباق نفسه مصدراً لخطر عالمي. لكن المفارقة أن البلدين، رغم هذا الاختلاف، بدأا يناقشان آليات اتصال وإبلاغ في حال وقوع حوادث خطيرة مرتبطة بالذكاء الاصطناعي. وهذا يكشف أن المنافسة وصلت إلى مرحلة يصبح فيها التعاون المحدود ضرورة، حتى بين الخصمين.

 

شي في واشنطن: لا يريد حرباً باردة جديدة

الرسالة الصينية في القمة كانت مختلفة عن الخطاب الأميركي. شي لم يتحدث عن تراجع المنافسة، بل تحدث عن كيفية إدارتها. استخدم تعبير "فخ ثيوسيديدس" للإشارة إلى خطر تحول صعود قوة جديدة إلى مواجهة مع القوة القائمة.

وكانت رسالته واضحة: أن كلاً من الولايات المتحدة والصين يستطيع أن ينافس، لكن يجب ألا تتحول المنافسة إلى صراع يؤدي إلى خسارة الطرفين. ووصف العلاقة بأنها يجب أن تقوم على "منافسة صحية" ضمن حدود، مع الحفاظ على قنوات الاتصال العسكري وآليات منع الأزمات.

وهذا مهم للغاية. فالصين لا تتخلى عن طموحاتها التكنولوجية والاقتصادية والجيوسياسية. لكنها، في الوقت نفسه، لا تريد أن تتحول المنافسة مع الولايات المتحدة إلى قطيعة شاملة.

ربما كانت النتيجة العملية الأكثر وضوحاً هي التجارة. فقد تم تمديد الهدنة التجارية الأميركية–الصينية لمدة شهرين، بما يمنح الطرفين وقتاً إضافياً للتفاوض. لكن ذلك ليس اتفاقاً نهائياً. الملفات الأساسية بقيت على الطاولة: الرسوم الجمركية، والمشتريات الصينية، والمعادن النادرة، والقيود التكنولوجية.

وهذا يعني أن الحرب التجارية لم تنتهِ؛ لقد حصلت فقط على مهلة جديدة. وهنا تظهر مفارقة الاقتصاد العالمي. واشنطن تريد تقليل اعتمادها على الصين في القطاعات الاستراتيجية. وبكين تستخدم نفوذها في سلاسل الإمداد، خصوصاً المعادن النادرة، كأداة قوة. لكن الاقتصادين لا يزالان متداخلين بدرجة تجعل الانفصال الكامل أكثر صعوبة بكثير من الخطاب السياسي الذي يدعو إليه.

إذا كان الذكاء الاصطناعي يمثل إحدى ساحات القوة المستقبلية، فإن المعادن النادرة تمثل إحدى أدوات القوة الحالية.

الصين لا تمتلك فقط موارد مهمة من المعادن النادرة، بل تتمتع بقدرات كبيرة في معالجتها وتحويلها إلى مواد ومكونات تستخدم في الصناعات الإلكترونية والدفاعية والطاقة والسيارات. وهذا يمنح بكين ورقة تفاوضية مهمة.

وتشير التقارير إلى أن الولايات المتحدة ستظل تعتمد على الصين في هذا المجال لسنوات، حتى مع تسارع الجهود الأميركية لبناء قدرات تعدين ومعالجة محلية.

لذلك، فإن المنافسة لا تدور فقط حول من يملك أفضل نموذج للذكاء الاصطناعي. إنها تدور أيضاً حول:

من يملك الرقائق؟ من يملك المعادن؟ من يملك المصانع؟ ومن يسيطر على سلاسل الإمداد التي تجعل التكنولوجيا الحديثة ممكنة؟

أما تايوان، فكانت حاضرة في القمة حتى من دون إعلان اختراق. شي طلب من ترامب التعامل مع قضية تايوان "بحذر" ومعارضة استقلالها، وفق الرواية الصينية الرسمية. ولم يظهر من الجانب الأميركي ما يشير إلى تغيير جوهري في السياسة القائمة.

وهذا يعني أن القمة لم تحل القضية، لكنها أبقت الاتصالات السياسية مفتوحة. وهنا تكمن إحدى أخطر نقاط العلاقة.

فأي سوء تقدير في تايوان يمكن أن يحول المنافسة الاقتصادية والتكنولوجية إلى أزمة أمنية وعسكرية. ولهذا، فإن الحوار العسكري الذي دعا إليه شي ليس تفصيلاً بروتوكولياً. إنه آلية لتقليل احتمال أن تتحول حادثة إلى مواجهة.

 

إيران دخلت غرفة القمة أيضاً

ومن الملفات التي أعطت القمة بعداً إضافياً الحرب في إيران. الصين تحتفظ بعلاقات وثيقة مع طهران، بينما تسعى واشنطن إلى الضغط عليها.

وخلال القمة، أشار شي إلى دعم عودة الولايات المتحدة وإيران إلى وقف إطلاق النار والتفاوض على اتفاق سلام، لكن لم يظهر اختراق في هذا الملف.

وهنا تبرز أهمية الصين ليس فقط كقوة اقتصادية، وإنما كطرف يمتلك علاقات مع دول لا تستطيع واشنطن الوصول إليها بسهولة. لكن بكين لا تبدو مستعدة ببساطة لتتحول إلى أداة لتنفيذ السياسة الأميركية تجاه إيران.

وهذا يعيدنا إلى طبيعة النظام الدولي الجديد:

الصين ليست حليفاً للولايات المتحدة، لكنها أيضاً ليست بالضرورة في مواجهة عسكرية معها. إنها قوة مستقلة تسعى إلى حماية مصالحها.

 

من "من ينتصر؟" إلى "كيف ندير المنافسة؟"

وهنا ربما تكون القمة قد غيّرت السؤال. لم يعد السؤال الواقعي: من سيفوز بين أميركا والصين؟ لأن أياً من الطرفين لا يستطيع ببساطة إلغاء الآخر.

السؤال الأكثر واقعية هو: كيف يمكن لواشنطن وبكين أن تتنافسا من دون أن تتحولا إلى عدوين دائمين؟

هذه هي معادلة "التنافس المُدار". الولايات المتحدة تريد الحفاظ على تفوقها التكنولوجي والاقتصادي والعسكري. الصين تريد تقليص الفجوة وبناء قدرة أكبر على الاعتماد على الذات.

واشنطن تستخدم أدوات مثل القيود التكنولوجية والرسوم الجمركية والتحالفات. وبكين تستخدم السوق، والتصنيع، وسلاسل الإمداد، والمعادن النادرة، وقدراتها التجارية والصناعية. لكن الطرفين يعرفان أن التصعيد بلا حدود يحمل تكلفة عالمية.

هنا تصبح القمة الأميركية–الصينية مهمة جداً بالنسبة إلى الهند. ترتبط نيودلهي بشراكة استراتيجية متنامية مع واشنطن، لكنها في الوقت نفسه جزء من آسيا، ولها مصالح اقتصادية وتجارية كبيرة مع الصين.

والهند لا تريد أن تجد نفسها أمام اقتصاد عالمي مقسم إلى منظومتين مغلقتين: منظومة أميركية، ومنظومة صينية.

الهند تحتاج إلى التكنولوجيا الأميركية. وتحتاج إلى الأسواق العالمية. وتحتاج إلى استثمارات وسلاسل إمداد مستقرة. وفي الوقت نفسه، لا تستطيع تجاهل الصين، سواء باعتبارها قوة اقتصادية كبرى أو منافساً استراتيجياً مباشراً في آسيا.

ولهذا، فإن الاستقلال الاستراتيجي يصبح أكثر أهمية. الهند لا تحتاج إلى اختيار باب واحد. وهذا ينسجم أيضاً مع صعود الهند داخل "بريكس" ومع رؤيتها لنظام دولي متعدد الأقطاب لا يفرض على الدول اختيار معسكر واحد.

 

القمة لم تُنهِ المنافسة... بل وضعت لها سقفاً

قمة ترامب وشي لم تُنهِ الحرب التجارية. ولم تحسم مستقبل الذكاء الاصطناعي. ولم تحل قضية تايوان. ولم تضع حداً للخلاف حول المعادن النادرة. ولم تُنهِ التنافس على النفوذ العالمي.

لكنها أرسلت رسالة مهمة: الولايات المتحدة والصين تريدان المنافسة، لكنهما لا تريدان أن تتحول المنافسة إلى حرب.

ترامب يريد أن تحتفظ أميركا بالقيادة. وشي يريد أن تتعامل واشنطن مع الصين باعتبارها قوة لا يمكن تجاوزها أو احتواؤها بسهولة.

والتحدي الحقيقي أمام الطرفين ليس أن يصبح أحدهما صديقاً للآخر، بل أن يتعلما كيف يكونان خصمين من دون أن يصبحا عدوين.

وهنا ربما تكمن أهمية القمة. فالهدنة التجارية قد تستمر شهرين أو أكثر، والاتفاقات قد تتغير، والقيود التكنولوجية قد تتصاعد أو تتراجع. لكن الحقيقة الأكبر ثابتة: أميركا والصين متنافستان، ولكنهما متداخلتان.

والسؤال الذي سيحدد مستقبل النظام الدولي ليس من ينتصر في هذه المنافسة، بل من يستطيع إدارة القوة التي يمتلكها من دون أن يدفع العالم كله ثمنها.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث