الجولان بين الحقيقة والتاريخ.. وأوهام نتنياهو

لؤي مريودالسبت 2026/09/26
نتنياهو الجمعية العامة (Getty)
نتنياهو يتنكر للقوانين الدولية من على منبر الشرعية الأممية (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

اعتلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة أمس الخميس، ليطرح (أسطورة) جديدة مفادها أن هضبة الجولان السورية المحتلة هي أرض إسرائيلية تاريخياً، ولا مجال للمساومة عليها أو التفاوض بشأنها. تحدث بنبرة الذي يحاول إعادة كتابة التاريخ، متجاهلاً القانون الدولي، وقرارات مجلس الأمن، ومستغلاً حالة الضعف والإنهاك التي يمر بها العرب والوفاة السريرية لمؤسسات الشرعية الدولية.

لكن العجيب في هذا الاستعراض ليس تحديه الفج للقانون الدولي، فهذا معتاد، بل إن نتنياهو نفسه، هو أول من يكذّب نتنياهو الواقف على المنبر. فلو قلبنا صفحات الأرشيف الدبلوماسي القريب ومذكرات الوسطاء، سنجد أن هذا الرجل بالذات كان يفاوض سراً وعلناً للتخلي عن الجولان التي يدّعي اليوم قدسيتها.

أرشيف كل جولات التفاوض السوري الإسرائيلي يشير إلى أن المبدأ الأساس للتفاوض هو قراري مجلس الأمن 242 و338، بما يشكل إقراراً دولياً وإسرائيلياً بأن الجولان أراضٍ محتلة، وأن الإسرائيليين في كل جولات التفاوض كانوا يبحثون مسألة مرتبطة بترتيبات وضمانات أمنية واستراتيجية يجري التفاوض عليها وتمسكوا بحدود 1923 بالنسبة لشاطئ طبريا. هذا كان موقف كل الحكومات الإسرائيلية التي ذهبت للمفاوضات، بما فيها حكومتان برئاسة نتنياهو، حيث دخلت بالفعل في مفاوضات جادة حول إمكانية إعادة الجولان إلى السيادة السورية مقابل ترتيبات وضمانات أمنية.

ولفهم حجم التناقض بين ما قاله نتنياهو أمس في الأمم المتحدة وبين واقع جولات التفاوض سنستعرض محطات التفاوض السورية الإسرائيلية، منذ انطلاقها في مدريد، وصولاً إلى أقرب نقاط التلاقي، مع تسليط الضوء بشكل خاص على بصمات نتنياهو في هذا المسار، وبين ما جرى فعلاً في الغرف المغلقة.

 

مؤتمر مدريد 1991: كسر العرب المحرمات التفاوض المباشر وذهبوا

بعد انتهاء حرب الخليج الثانية، دفعت الإدارة الأميركية برئاسة جورج بوش الأب ووزير خارجيته جيمس بيكر نحو عقد مؤتمر دولي للسلام في العاصمة الإسبانية مدريد. جلس الوفد السوري لأول مرة في مفاوضات مباشرة مع الوفد الإسرائيلي الذي كان يترأسه إسحاق شامير، زعيم حزب الليكود اليميني المتشدد.

أهمية مؤتمر مدريد تكمن في الإطار المرجعي الذي استندت إليه المفاوضات، وهو قراري مجلس الأمن 242 و338، ومبدأ الأرض مقابل السلام. بمجرد قبول إسرائيل الجلوس إلى طاولة المفاوضات وفق هذه المرجعية، كانت تقر بشكل ضمني وقانوني بأن الجولان هو أراضٍ محتلة تخضع لمبدأ الانسحاب مقابل ترتيبات السلام.

 

عهد إسحاق رابين (1993 - 1995): الوديعة

إثر انتخاب إسحاق رابين رئيسا للوزراء في العام 1992 شهد المسار التفاوضي التحول الأكثر دراماتيكية على المسار السوري، أدرك رابين الذي كان يُلقب في إسرائيل بـ "سيد الأمن"، أن السلام الاستراتيجي الشامل لا يمكن أن يتحقق من دون دمشق.

في آب/أغسطس عام 1993، أودع رابين لدى وزير الخارجية الأميركي آنذاك، وارن كريستوفر، التزاماً سرياً عُرف لاحقاً باسم "وديعة رابين". نصت هذه الوديعة على استعداد إسرائيل للانسحاب الكامل من هضبة الجولان إلى خطوط الرابع من حزيران/يونيو 1967، شريطة أن تلبي سوريا الاحتياجات الأمنية الإسرائيلية (مثل محطات الإنذار المبكر والمناطق منزوعة السلاح) وتوافق على تطبيع كامل للعلاقات.

كانت وديعة رابين بمثابة إقرار من القيادة الأمنية والسياسية الإسرائيلية بأنها ترى في الجولان ورقة تفاوضية كبرى وليست "أرضاً مقدسة" لا يمكن التنازل عنها. وقد استمرت المفاوضات بناءً على هذه الوديعة بعد اغتيال رابين، خلال عهد شمعون بيريز في مفاوضات "واي ريفر" في ميريلاند، والتي حققت تقدماً ملموساً قبل أن تتوقف بسبب الانتخابات الإسرائيلية.

مفارقة نتنياهو الأولى: قناة رونالد لاودر السرية (1998).. نتنياهو فاوض على الانسحاب عن الجولان

في العام 1996، فاز نتنياهو بالانتخابات رافعاً شعار "لا للانسحاب من الجولان"، لكن وما إن استقر في كرسيه، حتى أدرك أن متطلبات الحكم تختلف عن شعارات الحملات الانتخابية.

في العام 1998، فتح نتنياهو قناة تفاوض سرية مع الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد. ولضمان أقصى درجات السرية، اختار صديقه الشخصي، رجل الأعمال الأميركي رونالد لاودر ليكون مبعوثه الخاص إلى دمشق، أجرى لاودر رحلات مكوكية بين القدس ودمشق، أسفرت عن صياغة وثيقة من 10 نقاط بناءً على توجيهات نتنياهو المباشرة.

أبدت الوثيقة استعداد نتنياهو للانسحاب من الجولان إلى خطوط تستند بشكل أساسي إلى حدود العام 1967، مقابل ترتيبات أمنية ومحطة إنذار مبكر على قمة جبل الشيخ بمشاركة سورية أميركية. ورغم محاولات نتنياهو اللاحقة لإنكار استعداده للانسحاب "الكامل"، إلا أن الدبلوماسيين الأميركيين الذين راقبوا تلك المفاوضات، مثل مارتن إنديك ودنيس روس أكدوا في مذكراتهم وشهاداتهم أن نتنياهو كان يناقش انسحاباً جوهرياً وعميقاً يعيد السيادة السورية على الجولان. فشلت القناة لأن الرئيس الأسد أصر على التزام صريح لا لبس فيه بخط 4 حزيران/يونيو، لكن الحقيقة التاريخية سُجلت: نتنياهو فاوض على الانسحاب عن الجولان.

 

شيبردزتاون وقمة جنيف (2000): على مسافة أمتار من السلام

بعد سقوط نتنياهو في انتخابات 1999 ومجيء إيهود باراك، تسارعت عجلة المفاوضات بشكل غير مسبوق. ركز باراك جهوده على المسار السوري، وعُقدت جولة مفاوضات مكثفة في مدينة "شيبردزتاون" الأميركية في يناير/كانون الثاني 2000 بين باراك ووزير الخارجية السوري آنذاك فاروق الشرع، برعاية الرئيس الأميركي بيل كلينتون.

وصلت المفاوضات في هذه المرحلة إلى أقرب نقطة تلاقي في تاريخ الصراع. تم الاتفاق فعلياً على تفكيك المستوطنات الإسرائيلية في الجولان، وعودة السيادة السورية، وإقامة علاقات سلمية، وترتيبات أمنية مفصلة.

انحصر الخلاف النهائي في مساحة لا تتجاوز عشرات الأمتار على الشاطئ الشمالي الشرقي لبحيرة طبريا. أصرت سوريا على حقها في استعادة خط 4 حزيران/يونيو 1967، والذي يمنحها وصولاً مباشراً إلى مياه البحيرة. في المقابل، تراجعت إسرائيل عن وديعة رابين وطالبت بالانسحاب إلى خط الحدود الدولية لعام 1923، والذي يبقي شريطاً ضيقاً من اليابسة (بعرض يتراوح بين 10 إلى 50 متراً) تحت السيادة الإسرائيلية، مما يحرم سوريا من الوصول للمياه.

عُقدت قمة جنيف في آذار/مارس 2000 بين الرئيسين الأسد وكلينتون كمحاولة أخيرة لتجاوز هذه الأمتار القليلة، لكنها انهارت تماماً لتمسك كل طرف بموقفه الجغرافي. ما يهمنا هنا هو أن انهيار المفاوضات لم يكن لأن إسرائيل اعتبرت الجولان "أرضاً إسرائيلية"، بل كان خلافاً تقنياً وجغرافياً دقيقاً على ترسيم الحدود والموارد المائية.

 

عهد أولمرت والوساطة التركية (2008)

عادت حرارة المفاوضات في عهد رئيس الوزراء إيهود أولمرت، ولكن هذه المرة عبر مفاوضات غير مباشرة استضافتها إسطنبول بوساطة رئيس الوزراء التركي آنذاك رجب طيب أردوغان. أرسل أولمرت رسائل واضحة للرئيس السوري بشار الأسد باستعداده لإعادة هضبة الجولان بالكامل مقابل فك ارتباط دمشق الاستراتيجي بالمحور الإيراني وحزب الله وحركة حماس.

قطعت هذه المفاوضات شوطاً مهماً، وكادت أن تتحول إلى مفاوضات مباشرة، لولا اندلاع الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة (عملية الرصاص المصبوب) في أواخر كانون الأول/ديسمبر 2008، والتي أدت إلى انسحاب سوريا من المفاوضات وتعليق الوساطة التركية.

السقوط الأكبر لادعاءات نتنياهو: مفاوضات فريدريك هوف (2010 /2011)

إذا كان نتنياهو يحاول اليوم إقناع العالم بأن الجولان ستبقى إسرائيلية إلى الأبد، فإن سجلات عامي 2010 و2011 تقول عكس ذلك. خلال ولايته الثانية، انخرط نتنياهو في مفاوضات سرية متقدمة جداً مع الرئيس السوري بشار الأسد، برعاية إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما، وبوساطة المبعوث الأميركي الخاص فريدريك هوف.

وثق هوف لاحقاً في كتابه بلوغ المرتفعات وأيضاً في مقالات وتصريحات متعددة تفاصيل مذهلة تدحض كل كلمة قالها نتنياهو في الأمم المتحدة أمس. حيث أكد هوف أن نتنياهو وافق رسمياً على مناقشة وثيقة مبادئ تتضمن انسحاباً إسرائيلياً كاملاً من هضبة الجولان إلى خطوط 4 حزيران/يونيو 1967 (مع احتفاظ إسرائيل بالسيطرة على بحيرة طبريا)، مقابل التزام سوري قاطع بقطع العلاقات العسكرية مع إيران، وتفكيك التحالف مع حزب الله، وطرد المنظمات الفلسطينية الراديكالية من دمشق.

هوف أكد أيضاً أن المفاوضات كانت جدية للغاية، وأن نتنياهو كان يخطط لكيفية تسويق هذا الانسحاب المؤلم للرأي العام الإسرائيلي. وما أوقف هذا المسار الدراماتيكي لم يكن رفض نتنياهو للانسحاب، بل اندلاع الثورة في سوريا في آذار/مارس 2011، مما جعل إدارة أوباما توقف الوساطة بعد تيقنها من استحالة إتمام اتفاق استراتيجي مع القيادة السورية في ظل تلك الظروف.

 

لماذا يتنكر نتنياهو لأساس كل المفاوضات السابقة؟

عندما نقارن هذا السجل التاريخي الحافل بخطاب نتنياهو الأخير في الأمم المتحدة، نجد أنفسنا أمام حالة من الاستعراض السياسي المكشوف فادعاءه بأن الجولان أرض إسرائيلية لا يمت للحقائق التاريخية أو القانونية بصلة، بل هو نتاج لعدة عوامل حالية:

أولاً: استغلال الواقع السوري الجديد الذي يريد استعادة عافيته بعد التحرير، لمحاولة فرض أمر واقع جديد لا يستند إلى أي شرعية دولية.

ثانياً: محاولة الاستناد إلى الاعتراف غير القانوني الذي قدمه الرئيس الأميركي دونالد ترامب في العام 2019 بالسيادة الإسرائيلية على الجولان، وهو اعتراف يخالف قرارات مجلس الأمن ولم تتبعه فيه أي دولة أخرى.

ثالثاً: الاستهلاك المحلي؛ فنتنياهو يقود اليوم الحكومة الأكثر يمينية وتطرفاً في تاريخ إسرائيل (بمشاركة إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش)، وخطاباته في المنابر الدولية مصممة خصيصاً لإرضاء قاعدته الانتخابية المتطرفة، وللظهور بمظهر المحافظ على "أرض إسرائيل الكبرى".

في النهاية، الجولان جغرافياً وديموغرافياً وتاريخياً وقانونياً هي أرض عربية سورية. والحقوق الوطنية لا تمحى بخطابات استعراضية، وحبر المسودات التي وافق عليها نتنياهو نفسه، سواء عبر رونالد لاودر في التسعينيات أو فريدريك هوف قبل عقد ونيف، ستبقى الشاهد الأكبر على أن أحلام نتنياهو بابتلاع الجولان ليست سوى أوهام تصطدم بجدار الحقيقة والتاريخ وإرادة السوريين والعرب وكل احرار العالم. لقد فاوض نتنياهو على إعادة الجولان بالأمس القريب، وما خطابه اليوم إلا محاولة يائسة للتنصل من تاريخه الذي وثقته أروقة الدبلوماسية العالمية.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث