الأمم التي ترتعد فرائصها عند منعطفات تاريخية حاسمة، هي في الحقيقة أمم بائدة، أو أنها أمم برسم الإبادة، فالمنعطفات الحاسمة تحتاج إلى قرارات حاسمة، والقرارات الحاسمة تحتاج إلى بناء خيارات فاعلة، والخيارات الفاعلة تحتاج إلى بناء انحيازات أو تحالفات حقيقية، لا تكتفي بزحام المتحالفين، ولا بصخب ما بعد التحالف وما قبل الفعل.
يعيش الخليج العربي، في الظروف الراهنة، أكثر لحظات تاريخه قلقاً وانشغالاً، قلق لا يتصل بجودة الحياة كما اعتاد عليها عرب الخليج، وإنما بصميم الوجود، وبفرص الحياة لا جودتها.
ما زلت أذكر قمم مجلس التعاون الخليجي، تلك التي تعاملت معها حكومات الخليج وشعوبه باعتبارها استحقاقات طبيعية سوف تأتي كل عام، وسوف ترحل كل عام، باعتبارها إرثاً للمناسبات منذ التأم شمل دول المجلس الست لأول مرة في العام 1981. كانت المسافة التنموية تتسع في كل عام بين الدول الست وبين اليمن، ومع اتساع المسافة بين بيئة خليجية متخمة بفوائض النفط وعوائدها المتكاثرة، وبين بيئة يمنية يطحنها الفقر والانقلابات والصراعات الداخلية، يزيد الاحتقان وتتورم أسبابه.
كان الخليج يمشي ببطء كل عام باتجاه وحدة أراد أن يحاكي بها تجربة الاتحاد الأوروبي، لكنه كان يستثني اليمن الموحد، واليمن المشطور، من شراكات مرحلية كان يمكن أن تقود إلى وحدة شبه الجزيرة العربية.
وما زلت أذكر، في إحدى الندوات عن اتفاق ترسيم الحدود السعودية-اليمنية، أنني قلت إن بعض المزايا التي يمكن أن يحصل عليها اليمنيون، مثل حق العمل وحرية التنقل والتملك، من شأنها أن تزود الرئيس اليمني علي عبدالله صالح -وقتها- بحجة يقول فيها لمواطنيه الغاضبين من الاتفاق إنه وافق على ترسيم الحدود مع المملكة العربية السعودية، لكنه مدّ حدود العمل والسفر والإقامة لليمنيين حتى شملت كل دول مجلس التعاون الخليجي.
لكن قيوداً غير مرئية راحت تكبل حركة الخليج باتجاه وحدة يستوعب اليمن داخلها، ويعزز بها كتلته السكانية وخريطته الديموغرافية، إلى أن أطاحت رياح خماسين الربيع العربي بكل الخريطة، لتنطلق عفاريت الانقسام والتمزق من عقالاتها.
الآن، وقد انعقدت عقدة الحرب جنوب البحر الأحمر وجزيرة العرب، ليس من بديل أمام الأطراف العربية، الخليجية بصفة خاصة، سوى استعادة روح مجلس التعاون الخليجي زائد اليمن، وضخ آمال لدى الشباب اليمني، بمختلف انتماءاته القبلية والسياسية، بأن ثمة خريطة للغد يمكنهم أن يتحركوا ضمنها للعمل والإقامة والتملك والاستثمار.
قد يقول قائل منكم إنها ساعة إسكات المدافع بالقوة، وأن لا فرصة للسياسة والحوار قبل أن تقول المدافع قولاً يعتدل به ميزان القوة، وتستقيم معه حساباتها، لكنني أنطلق من قاعدة أن ما تستطيعه السياسة لا ينبغي الذهاب إليه بالحرب، وأن استشراف المشهد الإقليمي في منطقة الخليج وإيران يقول إن السلام ممكن ومثمر، وإن الحرب لا يمكن أن تكون مثمرة، ولا ينبغي جعلها ممكنة.
الآن، وقد توارى مجلس التعاون الخليجي خلف سحب دخان حروب إقليمية لا تنتهي، حانت لحظة الخليج كله، التي ينبغي أن يدرك رجالها أن الخيارات المتاحة ليس بينها ترف الرهان على القوة لدى فريق بعينه، فكل الفرقاء خاسرون، وأفدح الخسائر هي تلك التي تسرق أعمار الشعوب ومستقبل أجيال قادمة.
أمام الخليج فرصة لتصويب البوصلة وإنهاء التمييز بحسب الثروة، وأمام قادته فرصة لشراء المستقبل والرهان على عوائد الاستثمار فيه.
يحتاج اليمن إلى استشعار بعض الأمل، ليضع السلاح جانباً ويتفرغ للبناء والعمل داخل إطار خليجي قادر على استيعابه، لكن حواراً يمنياً-يمنياً ينبغي أن يكون حراً، وأن يعقب مبادرة خليجية لوقف كامل ونهائي لإطلاق النار.
أي بداية لأي مسعى لوقف التصعيد وإنهاء العمليات الحربية، والذهاب فوراً إلى طاولة تفاوض تستوعب كافة أطراف النزاع اليمني-اليمني، ينبغي أن تنطلق من مبدأ عدم جواز استخدام القوة والاحتكام فقط إلى الحوار، ورفض التدخل الخارجي من قبل أي طرف كان، وحق الشعب اليمني وحده في تقرير مصيره.
حانت ساعة إعادة اختراع مجلس التعاون الخليجي، ليوفر مظلة وارفة لحوار يمني - يمني، يعمل وفق برنامج زمني لا يدع فرصة للفشل.
مجلس التعاون الخليجي يستطيع وحده أن يرسم خريطة طريق جديدة للعلاقات مع إيران، تحترم مبادئ نبذ استخدام القوة في العلاقات الدولية، واستخدام كافة الطرق السياسية لتسوية النزاعات.
أهم دروس المشهد الإقليمي الراهن أن السلام خيار وحيد، وأن علاقات الجوار الأبدي هي حقيقة لا تقبل التغيير، ولا تسمح بغير التعايش السلمي.
انفخوا روح الحياة في مجلس التعاون الخليجي، فقد حان وقته، وأزفت ساعته.




