ليتوحّد الكوكب في مواجهة نتنياهو

حارث سليمانالجمعة 2026/09/25
نتنياهو (Getty)
Getty
حجم الخط
مشاركة عبر

 

لم تعُد الحرب التي يقودها بنيامين نتنياهو حرباً إسرائيلية ـ إيرانية، ولا حتى حرباً أميركية ـ إيرانية بالمعنى التقليدي. لقد تحولت، بفعل اتساع أهدافها وتعدد ساحاتها، إلى أزمة ذات آثار عالمية، تمسّ أمن الطاقة والملاحة الدولية وسلاسل الإمداد والاقتصاد العالمي، وتضع دولاً وشعوباً بأكملها أمام كلفة حرب لم تكن هي التي قررت إشعالها.

ولذلك، فإن السؤال لم يعد فقط: ماذا تريد إسرائيل من إيران؟ ولا ماذا تريد إيران من الولايات المتحدة؟ ولا ماذا يريد شعب فلسطين من حكومة إسرائيل؟ بل أصبح السؤال الأكثر إلحاحاً: إلى أين يأخذ بنيامين نتنياهو إسرائيل والمنطقة والعالم؟

 

إيران النووية بين الاحتمال واليقين

لقد نجح نتنياهو، على مدى سنوات، في رفع الاهتمام الدولي بالملف النووي الإيراني إلى رأس جدول الأولويات: أولاً إسرائيلياً، ثم أميركياً، ثم دولياً. وقد جرى تقديم إيران بصورة الدولة التي تقف على عتبة امتلاك السلاح النووي، وتحولت المخاوف من برنامجها النووي إلى مبرر مركزي لسياسة المواجهة.

ولا شك أن البرنامج النووي الإيراني أثار أسئلة جدية حول مستويات التخصيب والرقابة الدولية والقدرات التي يمكن أن تُقرِّب إيران مستقبلاً من القدرة العسكرية النووية. لكن الانتقال من وجود مؤشرات ومخاوف إلى الجزم بأن إيران كانت تمتلك سلاحاً نووياً، أو أن امتلاكه كان أمراً محسوماً، يحتاج إلى أدلة أكثر حسماً.

وهنا تكمن إحدى أخطر مشكلات السياسة التي قادت إلى الحرب: تحويل الاحتمال إلى يقين، ثم تحويل اليقين السياسي إلى مبرر للحرب.

فإذا كان الهدف هو منع إيران من امتلاك السلاح النووي، فإن ضرب المنشآت النووية كان يمكن أن يُقدَّم في إطار هذه الاستراتيجية. لكن الحرب لم تتوقف عند المنشآت النووية، بل اتسعت أهدافها إلى بنية النظام الإيراني نفسه.

 

من منع النووي إلى إسقاط النظام

انتقلت المواجهة من احتواء البرنامج النووي إلى استهداف القيادة الإيرانية، وصولاً إلى قتل المرشد علي خامنئي. وبدلاً من انهيار النظام، انتقلت القيادة إلى نجله مجتبى خامنئي. وتبرز هنا مفارقة سياسية بالغة الدلالة: إسقاط رأس النظام لا يعني بالضرورة إسقاط النظام. بل إن حماقة نتنياهو سهّلت توريثاً كان صعباً لمجتبى، وقد أدى ذلك إلى إعادة إنتاج القيادة الإيرانية بصورة أكثر تشدداً، وإلى تعزيز الشعور بأن البلاد تخوض حرباً وجودية. وبدلاً من إنهاء الأزمة الإيرانية، اتسعت دائرة الحرب.

 

سياسة الاحتواء ساهمت في تقوية حماس!

هذه السياسة هي واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل. فلسنوات، سمحت الحكومات الإسرائيلية، في عهد نتنياهو، بدخول أموال قطرية إلى قطاع غزة الذي كانت تحكمه "حماس". وفي عام 2018، دخلت دفعة قطرية بقيمة 15 مليون دولار إلى غزة، بموافقة إسرائيل، لدفع رواتب موظفين ومساعدة سكان القطاع، ضمن ترتيبات هدفت إلى تخفيف التوتر ومنع الانفجار الإنساني والعسكري. وكانت إسرائيل تقول في ذلك الوقت إن الأموال مخصّصة للمدنيين، وليس للأنشطة العسكرية لـ"حماس".

فقد أدى تمكين إدارة "حماس" في غزة اقتصادياً وسياسياً إلى إضعاف السلطة الفلسطينية، وترسيخ الانقسام الفلسطيني، وإبعاد احتمال قيام دولة فلسطينية موحدة!

وقد ظهرت خلال السنوات الماضية تصريحات وتقارير إسرائيلية تتحدث عن أن إبقاء الانقسام بين غزة والضفة كان جزءاً من حسابات سياسية لدى أوساط واسعة من اليمين الإسرائيلي. كما أن تقارير حديثة أعادت فتح النقاش حول سياسة السماح بالتدفقات المالية إلى غزة وعلاقتها بتعزيز قدرة "حماس" على البقاء. وهناك توثيق لسياسة إسرائيلية سمحت وشجعت تحويل الأموال القطرية إلى غزة.

وقد أدت مبالغة نتنياهو في استثمار قوة حماس وتجيير وجودها لصالح استراتيجية اليمين المتطرف الصهيوني إلى أن يتجاهل نتنياهو ذاته تحذيراً استخبارياً رسمياً من الشيخ محمد بن زايد، رئيس دولة الإمارات، عن نية حماس الشروع بإطلاق "عملية طوفان الأقصى".

ويبقى السؤال السياسي مشروعاً: إذا كانت إيران قد دعمت "حماس" وساهمت في تطوير قدراتها، وإذا كانت "حماس" قد بنت خلال سنوات قوة عسكرية كبيرة، فهل كان نتنياهو، بسياسة السماح ببقاء حكم حماس وتعزيز استقراره المالي، قد ساهم بصورة غير مباشرة في البيئة التي مكّنتها من النمو؟

وتبلغ المفارقة ذروتها: إذا كانت عملية "طوفان الأقصى" قد استفادت من الدعم الإيراني لحماس، فإن ذلك لا يلغي مسؤولية السياسات الإسرائيلية التي سمحت لحماس بأن تتحول، على مدى سنوات، إلى قوة عسكرية وسياسية ضخمة داخل غزة.

لذلك، لا يجوز اختزال قصة غزة في رواية واحدة: إيران وحدها، أو حماس وحدها، أو إسرائيل وحدها.

إنها نتيجة تراكم سياسات إيرانية داعمة، وسياسات إسرائيلية احتوائية، وانقسام فلسطيني، وفشل متواصل في إنتاج حل سياسي للقضية الفلسطينية.

والنتيجة كانت مؤلمة: "حماس" أصبحت قوة عسكرية ضخمة، والسلطة الفلسطينية بقيت منقسمة، والمشروع الوطني الفلسطيني تراجع، فيما أصبحت إقامة الدولة الفلسطينية أكثر تعقيداً.

 

لبنان: عندما يدفع المدنيون الثمن

وتحول لبنان، بدوره، إلى ساحة رئيسية في هذه الحرب. صحيح أن المواجهة بين إسرائيل و"حزب الله" كانت جزءاً من صراع إقليمي أوسع، وصحيح أيضاً أن "حزب الله" يتحمل مسؤولية قراراته العسكرية، لكن ذلك لا يمنح إسرائيل شيكاً مفتوحاً لفعل ما تشاء في الأراضي اللبنانية.

فالجيش الإسرائيلي وسّع عملياته داخل جنوب لبنان، وأصدر أوامر إخلاء واسعة للقرى من سكانها، ومنع مئات الآلاف من السكان من العودة إلى مناطقهم، ودمّر عشرات القرى وآلاف المنازل والبنية التحتية المدنية.

وقد وثّقت منظمة العفو الدولية استخدام أوامر إخلاء جماعية ومنع العودة إلى مناطق واسعة من الجنوب، واعتبرت أن بعض أنماط التهجير القسري للسكان يمكن أن ترقى إلى جريمة حرب تتمثل في الطرد غير المشروع للسكان.

كما أعرب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش عن قلقه العميق من العمليات الإسرائيلية في جنوب لبنان، ومن سقوط المدنيين والتهجير والدمار، ودعا جميع الأطراف إلى الالتزام بالقانون الدولي الإنساني، مشدداً على وجوب حماية المدنيين والأعيان المدنية.

إضافة إلى ذلك، هناك وقائع وممارسات وصفتها جهات حقوقية ودولية بأنها قد تشكل انتهاكات خطيرة للقانون الدولي الإنساني وجرائم حرب، وهي تستوجب التحقيق والمساءلة.

والسؤال اللبناني هنا واضح: لماذا يدفع المدني اللبناني ثمن صراع إقليمي يتجاوز قدرة الدولة اللبنانية على التحكم به؟

لماذا تُجرف المنازل في القرى الجنوبية بعد توقف الأعمال القتالية فيها؟

ولماذا يُمنع السكان من العودة إلى قراهم؟ ولماذا تتحول قرى بأكملها إلى مناطق عسكرية أو مناطق عازلة؟

هذه ليست أسئلة دفاعاً عن "حزب الله"، بل دفاعاً عن لبنان وعن القانون الدولي وعن حق المدنيين في الحياة والعودة إلى منازلهم.

 

ثلاث سنوات من الحرب وعلى جبهات متعددة

الأمر الأكثر إثارة للقلق أن إسرائيل دخلت، خلال السنوات الثلاث الماضية، في سلسلة من المواجهات المتداخلة: غزة، لبنان، سوريا، العراق، إيران، اليمن، إضافة إلى ساحات وامتدادات أخرى للصراع.

وهذه ليست حرباً تقليدية محدودة الجبهة. إنها حرب متعددة الساحات، تتداخل فيها إسرائيل وإيران والولايات المتحدة و"حزب الله" و"حماس" و"الحوثيون" وفصائل مسلحة أخرى، وتتشابك معها المصالح الروسية والصينية والأوروبية والعربية.

والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل يمكن لدولة أن تخوض كل هذه الحروب في الوقت نفسه من دون أن تتحول الحرب نفسها إلى استراتيجية دائمة؟

لقد أصبحت إسرائيل في حالة مواجهة ممتدة مع أكثر من طرف وفي أكثر من جبهة، فيما تحولت المنطقة إلى منظومة صراعات متداخلة.

الأمر غير مسبوق في تاريخ إسرائيل من حيث اتساع رقعة المواجهات وتعدد ساحاتها وتداخلها في فترة زمنية واحدة. والأخطر أن كل جبهة يمكن أن تفتح جبهة أخرى، ضربة في إيران تؤثر في الخليج.

والخليج يؤثر في سوق النفط. وإغلاق هرمز يؤثر في آسيا وأوروبا. واليمن يؤثر في البحر الأحمر. والبحر الأحمر يؤثر في مصر لأنه يشل حركة العبور في قناة السويس. ولبنان يؤثر في شرق المتوسط. وغزة تؤثر في النظام الإقليمي بأكمله. ويتحول القرار العسكري من قرار إسرائيلي إلى عامل يؤثر في العالم كله.

 

أميركا: من حليف داعم إلى الطرف المباشر

المفارقة الثانية الكبرى: أن نتنياهو نجح في دفع الولايات المتحدة إلى قلب المواجهة مع إيران. والولايات المتحدة، عندما تدخل حرباً مباشرة مع إيران، لا تدخل وحدها. لديها قواعد وقوات ومصالح وشبكة تحالفات في الخليج والمنطقة.

لذلك، أصبحت السعودية وقطر والكويت والإمارات والبحرين وسلطنة عُمان وغيرها جزءاً من الحساب العسكري الإيراني، حتى لو لم تكن هي التي اختارت الحرب.

لقد تحولت دول الخليج إلى أهداف محتملة لردود الفعل الإيرانية، بينما يستطيع نتنياهو أن يبقى بعيداً عن معظم هذه الكلفة المباشرة. وهنا يصبح السؤال قاسياً: هل يدفع العالم ثمن خيارات نتنياهو أكثر مما تدفعه إسرائيل نفسها؟

 

عندما تصبح الحرب أزمة عالمية

تمتلك إيران، بدورها، ورقة شديدة الخطورة: إقفال مضيق هرمز. وحين تتعرض الملاحة فيه للخطر، لا تعود المسألة إيرانية ـ إسرائيلية، بل تصبح قضية عالمية. فالنفط الذي يمر عبر الخليج ليس ملكاً لدولة واحدة، والمصانع الآسيوية تعتمد على الطاقة الآتية من المنطقة، وأوروبا تتأثر بأسعار الطاقة، وسلاسل الإمداد العالمية تتأثر بأي اضطراب كبير في حركة السفن.

الحرب التي بدأت بذريعة منع الخطر النووي الإيراني أصبحت سبباً في إنتاج خطر اقتصادي عالمي جديد.

المفارقة الثالثة أن السياسة التي كان يُفترض أن تؤدي إلى إضعاف إيران قد تكون ساهمت في توسيع مجال الصراع الإيراني؛ فبدلاً من إيران وحدها، أصبحت هناك جبهات متعددة. وبدلاً من احتواء الحرب، توسعت. وبدلاً من عزل إيران، أصبحت الولايات المتحدة نفسها طرفاً مباشراً. وبدلاً من حماية الخليج، أصبحت منشآته وممراته البحرية معرضة للخطر.

وبدلاً من استقرار المنطقة، أصبح لبنان وغزة واليمن والعراق وسوريا جزءاً من شبكة صراع واحدة. وبدلاً من أن ينتهي الصراع الفلسطيني، ازداد الانقسام الفلسطيني عمقاً، وبقيت الدولة الفلسطينية أبعد من أي وقت مضى.

وهنا يجب أن يطرح العالم السؤال الحقيقي: هل يستطيع نتنياهو أن يربح كل هذه الحروب؟

والأهم: هل يستطيع العالم أن يتحمل كلفة استمرارها؟

 

معنى وحدة كوكب الأرض

"ليتوحّد الكوكب في مواجهة نتنياهو" لا يعني الدعوة إلى تهديد إسرائيل، ولا إلى الدفاع عن النظام الإيراني. المقصود هو مواجهة منطق الحرب المفتوحة الذي أصبح يهدد العالم بأسره.

ليتوحّد العالم من أجل حماية المدنيين، ووقف جرائم الحرب في غزة ولبنان، التي جعلت الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يشعر بالخزي والعار، وأن تخرج من قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة وفود ثمانين دولة لحظة اعتلاء نتنياهو منبرها لإلقاء خطابه.

ليتوحّد الكوكب من أجل القانون الدولي. ليتوحّد من أجل حرية الملاحة. ليتوحّد من أجل أمن الطاقة. ليتوحّد من أجل لبنان الذي لا يريد أن يكون ساحة لحرب الآخرين. ليتوحّد من أجل الفلسطينيين الذين يستحقون دولة وحياة سياسية موحدة بدلاً من استمرار الانقسام. ليتوحّد من أجل دول الخليج التي لا تريد أن تتحول إلى أهداف في حرب لم تخترها. وليتوحّد من أجل الولايات المتحدة وأوروبا ودول شرق آسيا، التي بدأت تدفع اقتصادياً وأمنياً ثمن حرب لم تكن هي من رسم كل مساراتها.

ليس المطلوب أن ينتصر نتنياهو. وليس المطلوب أن تنتصر إيران. وليس المطلوب أن تنتصر حماس أو حزب الله أو أي قوة مسلحة. المطلوب أن ينتصر العالم على منطق الحرب الدائمة. أن تنتصر الدبلوماسية على القصف. أن ينتصر القانون على القوة. وأن تنتصر الدولة على الميليشيا. وأن ينتصر الحل السياسي على منطق الإبادة الجماعية.

 

لقد آن للكوكب أن يقول: كفى.

الأمن الإسرائيلي لا يمكن أن يتحقق بتحويل المنطقة كلها إلى حزام من الحروب. وأمن إيران لا يمكن أن يتحقق بتحويل الخليج إلى حقل رماية للصواريخ والمسيّرات، ومضيق هرمز إلى رهينة.

وأمن لبنان لا يمكن أن يتحقق ببقاء السلاح خارج الدولة. والأمن الفلسطيني لا يمكن أن يتحقق باستمرار الانقسام. وأمن العالم لا يمكن أن يتحقق إذا بقيت قرارات الحرب رهينة حمقى يملكون القدرة على إشعال الجبهات، فيما يدفع المدنيون والشعوب والدول الأخرى الثمن.

ليتوحّد الكوكب إذن، لا ضد شعب، ولا ضد دين، ولا ضد دولة، بل ضد تحويل العالم إلى ساحة حرب مفتوحة؛ إنها معركة بين منطق الحرب ومنطق السياسة، وبين منطق القوة ومنطق القانون، وبين عالم يريد أن يبقى سيداً لمصيره وعالم يمكن أن يتحول إلى رهينة لقرارات قادة الحروب.

ليتوحّد الكوكب في مواجهة نتنياهو لإسقاط منطق الحرب الذي جعل العالم كله يدفع ثمن قرارات رجل واحد.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث