تقييم استخباراتي أميركي: السعودية تُبقي الخيار النووي مفتوحا

المدن - عرب وعالمالجمعة 2026/09/25
محمد بن سلمان وترامب(Getty)
اتفاق ترامب مع الرياض تحت المجهر.. مخاوف من مسار نحو السلاح النووي (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

 

كشفت وثائق سرية قُدمت إلى الكونغرس الأميركي أن أجهزة الاستخبارات الأميركية تقيّم أن السعودية لم تستبعد خيار تطوير برنامج للأسلحة النووية، في وقت يثير فيه اتفاق إدارة الرئيس دونالد ترامب لمساعدة الرياض على إنشاء برنامج نووي مدني مخاوف متزايدة لدى عدد من المشرعين الأميركيين.

ونقلت صحيفة "واشنطن بوست"، اليوم الجمعة، عن مسؤولين أميركيين قولهم إن الوثائق السرية المقدمة إلى الكونغرس تتضمن تقييماً للاستخبارات الأميركية يفيد بأن السعودية لم تستبعد إمكانية تطوير برنامج للأسلحة النووية، وهو تقييم أضاف مزيداً من القلق إلى الجدل الدائر في واشنطن بشأن اتفاق التعاون النووي بين البلدين.

ويتيح الاتفاق للشركات الأميركية إطلاق مشاريع للطاقة النووية في السعودية بعشرات مليارات الدولارات، في إطار مسعى إدارة ترامب لتعزيز العلاقات الأميركية-السعودية ومنع الرياض من التوجه إلى منافسي واشنطن، ولا سيما الصين وروسيا، لتطوير برنامجها النووي المدني.

وكانت الإدارة الأميركية قد أعلنت، لدى الكشف عن الاتفاق في تموز/يوليو، أنه سيعزز الأمن الأميركي والإقليمي من خلال الالتزام بمعايير مرتفعة للسلامة والأمن النوويين وعدم الانتشار، إلى جانب تعزيز القدرة التنافسية للولايات المتحدة في مجال التكنولوجيا النووية المدنية.

 

مخاوف من تخصيب اليورانيوم

وبحسب "واشنطن بوست"، تتصاعد اعتراضات مشرعين ديمقراطيين على الاتفاق، وسط مخاوف من أنه قد يفتح الطريق أمام السعودية لتخصيب اليورانيوم إلى مستويات تقترب من 20 في المئة، بما يزيد المخاوف من إمكان تحويل مواد نووية مستقبلاً إلى أغراض عسكرية. ويخضع الاتفاق حالياً لفترة مراجعة في الكونغرس مدتها 90 يوماً، يمكن خلالها للمشرعين تمرير تشريع يهدف إلى منعه إذا تمكن معارضوه من حشد الدعم الكافي.

وفي رسالة وجهها عدد من أعضاء مجلس الشيوخ الديمقراطيين، بقيادة السيناتورين إد ماركي وجيف ميركلي، إلى وزير الخارجية ماركو روبيو، اليوم الجمعة، اعتبر المشرعون أن إدارة ترامب تبتعد في الاتفاق عن السوابق الأميركية في مجال منع الانتشار، وتقبل بقيود أقل صرامة يمكن أن تسمح للرياض باكتساب القدرة على تخصيب اليورانيوم، وربما تطوير أسلحة نووية.

وقال ميركلي لـ"واشنطن بوست" إن الولايات المتحدة لا ينبغي أن تكتفي بتعهدات السعودية في قضية بهذا الحجم، معتبراً أن مطالبة الرياض بإمكان إنتاج الوقود النووي داخل المملكة بدلاً من استيراده تثير تساؤلات بشأن اقتصار البرنامج على الاستخدامات المدنية.

وأضاف أن التخلي عن أي نية لتطوير سلاح نووي، من وجهة نظره، يفترض قبول السعودية بالتخلي عن التخصيب المحلي وإعادة المعالجة، إلى جانب عمليات تفتيش واسعة للوكالة الدولية للطاقة الذرية.

 

الرياض: البرنامج سلمي

ولم ترد الحكومة السعودية مباشرة على أسئلة الصحيفة بشأن التقييم الاستخباراتي، لكنها أحالت إلى تصريحات سابقة لوزير الطاقة السعودي عبد العزيز بن سلمان، أكد فيها أن البرنامج النووي سيكون "سلمياً"، وسيُطور وفق "أعلى مستويات المسؤولية والشفافية".

في المقابل، دافعت وزارة الخارجية الأميركية عن الاتفاق، مؤكدة لـ"واشنطن بوست" أن الولايات المتحدة "لا تدعم ولن تدعم برنامجاً سعودياً للأسلحة النووية".

وقالت الوزارة إن الاتفاق يعكس نهجاً "استباقياً وواقعياً" لتوسيع وتعزيز التعاون في مجال الطاقة النووية، مع الحفاظ على أقوى معايير منع الانتشار التي يمكن التوصل إليها دبلوماسياً.

وأشارت الصحيفة إلى أن وزارة الخارجية قدمت أيضاً تقييمها ضمن الوثائق السرية التي أرسلت إلى الكونغرس الشهر الماضي، وبدا موقفها أكثر ثقة بالضمانات التي يتضمنها الاتفاق والتطمينات التي قدمتها الحكومة السعودية، مقارنة بالتقييم الاستخباراتي. ورفضت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية "سي آي إيه" التعليق للصحيفة.

 

سقف التخصيب يصل إلى 20%

وينص الاتفاق، بحسب التقرير، على تقييد تخصيب اليورانيوم في السعودية في المرحلة الأولى إلى أقل من 5%، لكنه يتيح، بعد إجراء دراسة إضافية والتوصل إلى اتفاق خطي، رفع الحد إلى 20%، وهو مستوى يمكن الانتقال منه بصورة أسرع إلى مستويات التخصيب اللازمة لإنتاج سلاح نووي. وكانت صحيفة "وول ستريت جورنال" قد كشفت سابقاً عن هذه الحدود المتعلقة بالتخصيب.

وأثار ذلك تساؤلات لدى مشرعين ديمقراطيين بشأن سماح إدارة ترامب باتفاق يمكن أن يفتح المجال أمام تخصيب يصل إلى 20%، بعدما وجه ترامب انتقادات شديدة للاتفاق النووي الذي أبرمته إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما مع إيران عام 2015، والذي حدد سقف تخصيب اليورانيوم الإيراني عند 3.67% لمدة 15 عاماً.

وتتركز مخاوف أخرى على نظام التفتيش، إذ لا يُلزم الاتفاق السعودية بالانضمام إلى ما يُعرف بـ"البروتوكول الإضافي"، الذي يمنح الوكالة الدولية للطاقة الذرية صلاحيات أوسع للوصول إلى مختلف مراحل دورة الوقود النووي والمنشآت البحثية.

ويحذر خبراء في منع الانتشار من أن غياب هذه الصلاحيات قد يحد من قدرة الوكالة على التحقق من عدم وجود أنشطة نووية عسكرية سرية في منشآت غير معلنة.

وفي رسالة إلى الكونغرس هذا الأسبوع، اعتبرت مجموعة تضم 20 خبيراً في منع الانتشار النووي، من بينهم المدير العام السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية هانس بليكس، أن ذلك لا ينبغي أن يكون مقبولاً في حالة دولة تسعى إلى امتلاك قدرات إنتاج مواد انشطارية وسبق أن تحدثت عن احتمال امتلاك أسلحة نووية.

 

محمد بن سلمان وإيران

وتستند المخاوف الأميركية كذلك إلى تصريحات سابقة لولي العهد السعودي محمد بن سلمان بشأن العلاقة بين البرنامج النووي الإيراني والخيارات السعودية.

وكان محمد بن سلمان قد قال في عام 2018 إن السعودية ستسعى إلى امتلاك سلاح نووي إذا امتلكت إيران قنبلة نووية، مؤكداً حينها أن الرياض ستفعل الشيء نفسه "في أسرع وقت ممكن".

وتكتسب هذه التصريحات أهمية إضافية، بحسب التقرير، في ظل التطورات المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني. فقد قصفت إدارة ترامب المنشآت النووية الإيرانية العام الماضي ضمن عملية "مطرقة منتصف الليل"، إلا أن مخزون إيران من اليورانيوم المخصب يُعتقد أنه بقي سليماً، وإن كان جزء منه تحت أنقاض المنشآت المستهدفة.

وقالت "واشنطن بوست" إن القيادة الإيرانية اتخذت موقفاً أكثر تشدداً منذ اندلاع الحرب في وقت سابق من العام الجاري واغتيال المرشد الأعلى للبلاد، ما زاد المخاوف من إمكان تسريع طهران جهودها للحصول على سلاح نووي.

وحذر السيناتور إد ماركي من أن استمرار الحرب في إيران، وتمسك طهران بقدراتها النووية، يعني أن أي خطوة أميركية تسمح بتوسيع القدرات النووية السعودية قد تسهم في تسريع سباق تسلح نووي في المنطقة.

 

مصالح اقتصادية وسياسية

في المقابل، يرى مؤيدو الاتفاق أن التعاون النووي سيمنح الشركات الأميركية موقعاً متقدماً للفوز بعقود سعودية ضخمة، وسيحد من فرص الشركات الصينية والروسية، بالتوازي مع توثيق العلاقات الاستراتيجية بين واشنطن والرياض.

لكن أعضاء ديمقراطيين أثاروا تساؤلات بشأن المصالح الاقتصادية المرتبطة بالاتفاق. وأشار أعضاء مجلس الشيوخ في رسالتهم إلى روبيو إلى استثمار صندوق الثروة السيادي السعودي ملياري دولار في شركة مرتبطة بجاريد كوشنر، صهر ترامب والمبعوث غير الرسمي له، بعد انتهاء الولاية الرئاسية الأولى لترامب.

كما أشاروا إلى أن شركة "ويستنغهاوس إلكتريك" قد تستفيد بعشرات مليارات الدولارات في حال تنفيذ الاتفاق، لافتين إلى صلات بين مالكها الأكبر وشركة "نيومارك" العقارية التي يديرها ويملك جزءاً منها نجلا وزير التجارة هوارد لوتنيك. وبحسب الصحيفة، لم يرد ممثلون عن كوشنر و"ويستنغهاوس" ولوتنيك و"نيومارك" على طلبات التعليق.

 

معركة في الكونغرس

ويسعى عدد من الديمقراطيين، بينهم النائب غريغوري ميكس، إلى منع تنفيذ الاتفاق عبر طرح تشريع لرفضه خلال فترة المراجعة التي تستمر ثلاثة أشهر. إلا أن إيقاف الاتفاق قد يواجه عقبة سياسية، إذ يستطيع ترامب استخدام حق النقض ضد التشريع، ما يعني أن معارضي الاتفاق سيحتاجون إلى أغلبية الثلثين لتجاوز الفيتو الرئاسي.

وتشير "واشنطن بوست" إلى عقبة أخرى قد تعترض تنفيذ الاتفاق، تتمثل في إصرار ترامب على ربط التعاون النووي بتطبيع العلاقات بين السعودية وإسرائيل.

وقال مسؤول كبير في الإدارة الأميركية للصحيفة إن التطبيع لا يزال شرطاً ثابتاً، في حين يرى محللون أن الرياض من غير المرجح أن تقدم على هذه الخطوة في ظل استمرار الحكومة الإسرائيلية في رفض إقامة دولة فلسطينية.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث