تأهيل مطار المزة.. مطالبات بحماية شواهد التعذيب والمقابر

أحمد زكرياالجمعة 2026/09/25
مطار المزة-Getty.jpg
مطار المزة بين الاستثمار وذاكرة الانتهاكات (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

تعالت أصوات المصادر الأمنية والحقوقية للتحذير من خطورة تحويل مطار المزة العسكري في العاصمة السورية دمشق إلى مطار مدني، داعيةً إلى أهمية توثيق الشواهد الموجودة في المطار، باعتباره من المواقع المرتبطة بأجهزة أمن نظام الأسد، وكونه يحتوي على أدلة ومقابر جماعية بما يخدم ملف المفقودين ومسار العدالة الانتقالية.

وأعلنت الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي بدء أعمال إعادة التأهيل في مطار المزة، تمهيداً لإعادة تصنيفه كمطار مدني مكمل لمطار دمشق الدولي. وتشمل المرحلة الحالية إزالة الركام وتأهيل بعض مكونات البنية التحتية المرتبطة بالملاحة الجوية، بالتوازي مع استكمال المتطلبات الفنية والتشغيلية والتنظيمية اللازمة لإعادة التصنيف.

وقالت الهيئة في بيان، إن الأعمال تُنفذ بالتنسيق مع المؤسسات الوطنية المعنية وبالتعاون مع الهيئة الوطنية للمفقودين، مع مراعاة المواقع التي يُشتبه بوجود مقابر جماعية أو رفات بشرية فيها.

وفتح هذا الإعلان نقاشاً حول كيفية الموازنة بين تطوير البنية التحتية وحماية المواقع التي قد تكون ذات قيمة جنائية وتاريخية في ملف المفقودين والعدالة الانتقالية.

 

موقع ارتبط بالاحتجاز والتعذيب

وتشير وثائق حقوقية إلى أن مطار المزة لم يكن مجرد منشأة عسكرية، بل احتوى على مرافق تابعة للمخابرات الجوية استخدمت للاحتجاز والتحقيق والتعذيب.

ووثقت منظمة هيومن رايتس ووتش، في تقرير سابق، وجود فرع للمخابرات الجوية في مطار المزة وثلاثة مراكز اعتقال على الأقل، إلى جانب شهادات عن أساليب تعذيب متعددة داخل المنشأة. كما أدرجت الأمم المتحدة مركز تحقيق المخابرات الجوية في مطار المزة ضمن مراكز الاحتجاز التي وثقتها في سوريا.

وتؤكد وثائق وشهادات أخرى وجود مرافق تحقيق واحتجاز داخل المطار، فيما وثقت الآلية الدولية المحايدة والمستقلة معلومات عن مرافق للمخابرات الجوية في قاعدة المزة الجوية خلال سنوات الحرب.

ويقول مراقبون وناشطون محليون إن الأولوية قبل أي أعمال واسعة للحفر أو التسوية أو البناء يجب أن تكون لتوثيق المواقع المرتبطة بالاحتجاز، بما في ذلك الزنازين والممرات وغرف التحقيق وآثار القيود أو التعذيب، فضلاً عن تحديد المناطق التي قد تحتوي على رفات أو مقابر جماعية.

 

مطالب بمسح مستقل

ويرحب رئيس الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني، في حديث لـِ "المدن"، "بالإجراءات الاحترازية التي أعلنتها الهيئة العامة للطيران المدني والهيئة الوطنية للمفقودين في مطار المزة، ولا سيما استثناء بعض المواقع من أعمال الحفر والتسوية، واعتماد بروتوكول للإيقاف الفوري للأعمال"، لكنه يرى أن "هذه الإجراءات ينبغي أن تكون بداية لمنظومة حماية شاملة ومكتوبة وقابلة للرقابة، لا بديلاً عن تحقيق فني أو قضائي مستقل".

ويشير عبد الغني إلى أن "مطار المزة ليس مجرد منشأة مطروحة للتأهيل أو الاستثمار. فلدينا معلومات وشهادات بشأن استخدامه في الاحتجاز والتعذيب والإعدام والإخفاء القسري خلال عهد النظام السابق". وأكد أن المطلوب الآن هو وقف جميع الأعمال المادية غير القابلة للعكس، بما في ذلك الحفر وإزالة الأنقاض ونقل الأتربة، في نطاق المشروع، إلى حين إنجاز مسح أولي مستقل يستند إلى تقييم للمخاطر.

ويؤكد أنه "ينبغي تأمين الوثائق العسكرية والإدارية، وخرائط الموقع، وسجلات النقل والبناء، إذ قد تكون هذه المواد بقدر أهمية الرفات في تحديد هوية الضحايا وكشف تسلسل الأوامر والمسؤوليات". ويرى أنه ينبغي أن تنص أي عقود للتطوير، بوضوح، على أولوية حماية الأدلة وصون حقوق المفقودين، وعلى اعتبار وقف الأعمال بقرار قضائي أو فني خطراً متوقعاً لا يجوز تحميل أسر الضحايا تبعاته.

أما حقوق الملكية، حسب عبد الغني، فتتطلب مراجعة مستقلة تميز بين الملكية العامة، والاستملاك المشروع، والمصادرات أو الإجراءات التعسفية، فالتنمية الحقيقية لا تُبنى فوق أدلة مطموسة، ولا فوق حقوق لم يُحسم وضع أصحابها.

 

بروتوكول مع الجهة المنفذة

من جهته، يذكّر الخبير الأمني والعسكري رشيد حوراني بأن مطار المزة هو أحد المعاقل المهمة للنظام السابق، وكان يوجد فيه فرع يتبع للمخابرات الجوية، إضافة إلى سجون، ولعب دوراً كبيراً خلال الثورة السورية، سواء في الأعمال القتالية ضد السوريين، ولا سيما في مدينتي معضمية الشام وداريا.

ويضيف حوراني لـِ "المدن" أنه "نظراً إلى عدم العثور حتى الآن على وثيقة اعتمدها النظام السابق تبيّن كيفية إنشاء المقبرة الجماعية في هذا المكان أو غيره، يمكن العمل على توثيق الأدلة القائمة حالياً واستخدامها في مسائل المفقودين والعدالة الانتقالية، لأنه من غير المعقول أن تبقى تلك الشواهد، وأن يتوقف الزمن عند تلك الفترة، رغم مرارتها".

أما فيما يتعلق بالمقابر الجماعية، فيرى حوراني أنه من الممكن أن تعمل هيئة المفقودين والعدالة الانتقالية على إبرام بروتوكول أو عقد يُلزم الشركة المنفذة بإعلام الهيئتين في حال العثور على مقبرة، لتقوما بدورهما بالأعمال المتعلقة باختصاصاتهما، بالتنسيق مع الجهات المختصة.

 

تساؤلات مشروعة لدى أهالي المفقودين

أما الخبير القانوني غياث دبور، فيعتبر أن مشروع إعادة تأهيل المطار "يثير تساؤلات مشروعة لدى أهالي الضحايا والمفقودين بشأن آلية حماية الأدلة ومواقع المقابر المحتملة والأماكن التي استخدمت لتعذيب المعتقلين". ويدعو إلى إدخال لجان فنية متخصصة في الطب الشرعي والأدلة الجنائية والبحث الجنائي، مزودة ببيانات عن المواقع المحتملة وشهادات الناجين والمحاضر الرسمية المتعلقة بعناصر النظام السابق الذين عملوا في المطار. 

ويشدد دبور في حديث لـِ "المدن"، على أهمية التعاون مع جهات دولية متخصّصة في جمع الأدلة وتوثيقها، بما يتيح إعداد ملفات قضائية يمكن استخدامها في مسارات المحاسبة.

 

التنمية وذاكرة المكان

ولا يتوقف الجدل عند الأدلة الجنائية، إذ يطرح المشروع أيضاً أسئلة حول الأراضي التي أقيم عليها المطار ومحيطه، وسط مطالب بمراجعة تاريخ الاستملاك والملكية، ولا سيما الأراضي التي يقول سكان محليون إنها صودرت أو استُملكت خلال عقود سابقة.

وتحدث مراقبون عن تصور لتطوير المطار ليكون مركزاً للطيران الخاص ورجال الأعمال، مع إنشاء مرافق فندقية وتجارية وتدريبية وخدمات مرتبطة بالطيران في محيطه. 

لكنّ هذه الرؤية تضع الحكومة السورية الجديدة أمام تحدي الجمع بين متطلبات الاستثمار والحاجة إلى حماية موقع يرتبط في الذاكرة السورية، بملف الاعتقال والانتهاكات.

وبينما تؤكد الجهات المتخصّصة أن أعمال التأهيل تراعي المواقع التي يُشتبه بوجود مقابر جماعية أو رفات بشرية فيها، يبقى السؤال الأساسي متعلقاً بمدى اتساع إجراءات التوثيق قبل بدء الأعمال غير القابلة للعكس. 

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث