من نيكسون إلى ترامب.. هل تنتج قمة الغد تفاهماً أم مجرد صورة؟

شفيق طاهرالخميس 2026/09/24
Image-1778584045
ترامب يلتقي الرئيس الصيني في واشنطن غداً Getty
حجم الخط
مشاركة عبر

في مطار بكين، يوم 21 شباط/فبراير 1972، مدّ الرئيس الأميركي آنذاك ريتشارد نيكسون يده إلى تشو إن لاي رئيس الوزراء الصيني آنذاك. حركة استغرقت ثوانٍ، لكنها اختصرت انقلاباً في السياسة الدولية، الرئيس الأميركي الذي صنع اسمه بمناهضة الشيوعية يصافح رئيس وزراء أكبر دولة شيوعية من حيث السكان. وراء الصورة المرتبة بعناية، كانت تجري عملية أشد جرأة، إعادة توزيع الخوف بين واشنطن وبكين وموسكو. هنا تبدأ حكاية "الأسبوع الذي غيّر العالم"، بعيداً عن ألبوم الزيارات التذكارية.

 

موسكو الحاضر الغائب

لم تكن زيارة نيكسون، الممتدة حتى 28 شباط، سرية، شاهدها العالم على الشاشات. السر كان في الطريق إليها، وفي جانب مما جرى خلف أبوابها. قبلها بأشهر، غادر هنري كيسنجر باكستان خلسة إلى بكين، متذرعاً بوعكة صحية. وفي واشنطن، كان دبلوماسيون يعدون أوراقاً عن الصين دون أن يعرفوا تماماً أين ستنتهي. يروي المترجم الأميركي تشارلز فريمان أن التحضير جرى وسط عزل شديد، خشية أن يجهض التسريب مغامرة لم تكن نتائجها مضمونة.

المفارقة أن سمعة نيكسون المتشددة ساعدته. فالرجل الذي يصعب اتهامه بالتعاطف مع الشيوعية امتلك هامشاً أوسع لمصافحة ماو تسي تونغ. لكنه لم يذهب مبشراً بتحول ديمقراطي صيني، ولا سائحاً مفتوناً بالحضارة القديمة. كان يريد تغيير شروط اللعبة، توسيع خيارات أميركا أمام الاتحاد السوفياتي، واستثمار التقارب مع داعمي فيتنام الشمالية لتحسين موقعه في حرب أنهكت بلاده. كان السؤال العملي، كيف يصبح الخصم مفيداً، من دون أن يصبح صديقاً؟

ومن الجهة الصينية، كانت الحسابات بالقدر نفسه. فالخلاف مع موسكو تجاوز السجال العقائدي إلى اشتباكات حدودية عام 1969. وباتت القوة الشيوعية المجاورة مصدر تهديد لبكين. التقط نيكسون وكيسنجر هذه الفجوة، ما جمع الطرفين كان تقاطعاً بين مخاوفهما، لا مصالحة بين نظاميهما. وفي هذا تكمن براعة الزيارة وحدودها معاً، إذ أمكن بناء تفاهم استراتيجي قبل بناء الثقة، لكن الأساس ظل مرتبطاً بتوازنات قابلة للتغير.

أما المشهد الأكثر كشفاً للمهمة المستترة، فلم يظهر في صور الموائد والمصافحات. ففي 23 شباط، قدم كيسنجر لمسؤولين صينيين، بينهم المارشال يي جيان ينغ، إحاطة استخباراتية عن القوات السوفياتية المتمركزة في مواجهة الصين، شملت الطائرات والصواريخ والقوات البرية. وتكشف وثائق نشرها أرشيف الأمن القومي بجامعة جورج واشنطن أن سرية الإحاطة امتدت إلى داخل الإدارة الأميركية نفسها. لقد كانت واشنطن تقدم لخصم الأمس معلومات حساسة عن خصم مشترك، رسالة ثقة عملية تتجاوز مجاملات الضيافة.

 

الخلاف الذي أبقى الباب مفتوحاً

لكن تحت هذه المقايضة الاستراتيجية بقيت تايوان العقدة الأصعب. ففي المحادثات الخاصة، طمأن نيكسون الجانب الصيني إلى عدم دعم استقلالها. أما بيان شنغهاي، فجاء بصياغة محسوبة، أخذت واشنطن علماً بموقف الصينيين على جانبي المضيق القائل بوجود صين واحدة وأن تايوان جزء منها، ولم تتحدَّ ذلك الموقف، مع التشديد على التسوية السلمية. هذا التفصيل اللغوي مهم، فهو لا يساوي اعترافاً أميركياً بسيادة بكين على الجزيرة، ولا يعني أن الخلاف حسم. لقد أتاح الانتقال إلى مرحلة جديدة مع إبقاء النزاع مفتوحاً.

وربما كانت أذكى أفكار ذلك الأسبوع قبول كتابة الخلافات في البيان نفسه. يروي المترجم الأميركي فريمان أن تشو إن لاي اقترح إظهار مواضع التباعد قبل تحديد مجالات التعاون. هكذا استطاع الطرفان مخاطبة حلفائهما وجمهوريهما من دون ادعاء اتفاق شامل. وهنا تتجاوز الحكاية الاحتفاء بزعيمين، أحياناً تنجح الدبلوماسية عندما تتوقف عن تجميل الواقع، وتبحث عن مساحة عمل داخله. المصافحة كانت اعترافا بأن استمرار القطيعة يحمل كلفة، وأن الحديث إلى العدو يمكن أن يخدم المصلحة الوطنية.

 

من نيكسون إلى ترامب

ومع ذلك، لا ينبغي تحميل أسبوع واحد معجزات العقود التالية. العلاقات الدبلوماسية الكاملة انتظرت حتى 1979، وحرب فيتنام لم تنتهِ بمجرد مغادرة نيكسون الصين. الإنجاز الحقيقي كان فتح مسار، وإثبات أن العداوة ليست قدراً ثابتاً. أما تحويل ذلك المسار إلى استقرار دائم، فكان مهمة أجيال من القادة، بكل ما حملته من نجاحات وانتكاسات.

والخميس 24 أيلول/سبتمبر 2026، سيلتقي دونالد ترامب وشي جينبينغ في واشنطن، وعلى الطاولة الهدنة التجارية وتايوان والمعادن النادرة والذكاء الاصطناعي. تبدلت مصادر القوة، وبقي الامتحان، هل يستطيع الزعيمان إنتاج تفاهم يتجاوز صورة اللقاء؟ 

ذهب نيكسون إلى الصين لفتح باب مغلق، أما قمة واشنطن فتختبر قدرتها على إبقاء الأبواب مفتوحة حين تدفع المنافسة نحو إغلاقها. ليس مطلوباً من القمة أن تغيّر العالم في يوم، بل أن تمنع الخلافات من إشعاله.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث