دعا الرئيس الفلسطيني محمود عباس، الخميس، المجتمع الدولي إلى التحرك لحماية الفلسطينيين ومنع تهجيرهم ومساءلة إسرائيل، محذراً من أن الخطر لم يعد يقتصر على تقويض حل الدولتين، وإنما بات يهدد وجود الشعب الفلسطيني على أرضه، فيما طالب بتسريع تنفيذ المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن غزة، وإعادة توحيد القطاع والضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، تحت ولاية دولة فلسطين.
وقال عباس، في كلمة مسجلة أمام الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، إن الفلسطينيين يواجهون "واحدة من أخطر المراحل" في تاريخهم، متسائلاً: "ماذا ينتظر المجتمع الدولي ليقوم بحماية الشعب الفلسطيني، وبقائه على أرضه، وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي، وتنفيذ حل الدولتين المستند إلى الشرعية الدولية؟".
وحذر قادة العالم من تكرار نكبة عام 1948، قائلاً إن ما يجري في قطاع غزة والضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، "ليست أحداثاً منفصلة"، وإنما ما وصفه بـ"خطة استعمارية" تهدف إلى جعل حياة الفلسطينيين أكثر صعوبة ودفعهم إلى الرحيل القسري.
وأضاف أن الفلسطينيين "لن يغادروا وطنهم ولن يقبلوا بالتهجير"، مؤكداً أن "لا أمن دائم يمكن أن يقوم على احتلال شعب آخر وحرمانه من حقوقه المشروعة"، وأن المشروع الوطني الفلسطيني يقوم على حماية الفلسطينيين من التهجير والحفاظ على وحدة أراضيهم وتجديد مؤسساتهم ديمقراطياً وتجسيد دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة وعاصمتها القدس الشرقية، مع عودة اللاجئين وفق القرار الأممي 194.
وقال عباس إن الفلسطينيين لا يريدون "عملية جديدة لإدارة الصراع بينما تتغير الأرض كل يوم"، وإنما مساراً ينهي الاحتلال ويضمن للفلسطينيين الحرية وتقرير المصير وللإسرائيليين ودول المنطقة الأمن والسلام، مؤكداً تمسك القيادة الفلسطينية بحل يقوم على دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل.
غزة والمرحلة الثانية من خطة ترامب
وفي ملف غزة، قال عباس إن الفلسطينيين في القطاع يتعرضون للقتل والدمار والتجويع ومحاولات التهجير، متهماً إسرائيل بشن "حرب إبادة جماعية" خلّفت، بحسب تعبيره، مأساة إنسانية غير مسبوقة ودمّرت أحياء ومدناً ومخيمات ومدارس وجامعات ومستشفيات ودور عبادة.
وأكد أن السلطة الفلسطينية رحبت بخطة ترامب ذات النقاط العشرين، وبقرار مجلس الأمن رقم 2803 وخارطة الطريق الخاصة بتنفيذ المرحلة الثانية، بهدف وقف الحرب وانسحاب القوات الإسرائيلية من غزة وإعادة إعمار القطاع، لكنه قال إنه "لم نرَ شيئاً من هذا يتحقق على أرض الواقع"، مع استمرار العمليات الإسرائيلية في القطاع.
ودعا عباس إلى الإسراع في تنفيذ المرحلة الثانية من الخطة، محذراً من تحول الفترة الانتقالية إلى وضع دائم أو مفتوح من دون أفق سياسي وزمني واضح. وقال إن الفترة الانتقالية المقررة تنتهي بنهاية عام 2027، وإن المطلوب أن تقود إلى إعادة توحيد غزة والضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، تحت ولاية دولة فلسطين ومؤسساتها الشرعية، وفق مبدأ "دولة واحدة، وحكومة واحدة، وقانون واحد، وسلاح شرعي واحد".
وجاءت تصريحات عباس غداة اجتماع رفيع المستوى لـ"مجلس السلام" الذي تقوده إدارة ترامب، قدّر أن إعادة إعمار غزة تحتاج إلى نحو 71.4 مليار دولار خلال العقد المقبل، ووضع خطة أولية مدتها ستة أشهر لبدء الإعمار، مع ربط تنفيذها بتوافر التمويل وإمكانية الوصول.
تحذير من الاستيطان ومخطط E1
وفي الضفة الغربية، قال عباس إن التوسع الاستيطاني يتسارع، بما يشمل القدس الشرقية، إلى جانب تقطيع أوصال الضفة وعزل القدس وتصاعد هجمات المستوطنين وهدم المنازل والاستيلاء على الأراضي.
وحذر بصورة خاصة من تنفيذ مخطط E1 الاستيطاني، قائلاً إنه سيؤدي إلى فصل شمال الضفة الغربية عن جنوبها وعزل القدس الشرقية عن محيطها الفلسطيني وتقويض إمكانية قيام دولة فلسطينية متواصلة جغرافياً.
وطالب مجلس الأمن بالتدخل وتنفيذ القرار 2334 الذي يطالب بوقف الأنشطة الاستيطانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، معتبراً أن "إنقاذ حل الدولتين يبدأ بالحفاظ على الأرض التي تقوم عليها الدولة الفلسطينية وحماية الشعب الذي يعيش فيها".
كما حذر عباس من استمرار الاعتداءات على المقدسات الإسلامية والمسيحية، وخصوصاً المسجد الأقصى وكنيسة القيامة في القدس والمسجد الإبراهيمي في الخليل، مطالباً بوقفها "قبل أن تتحول إلى صراع ديني واسع في الإقليم وخارجه".
ودعا كذلك الدول والمنظمات الدولية إلى مواصلة دعم وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا"، قائلاً إنها لا تزال ضرورية ما دامت قضية اللاجئين الفلسطينيين من دون حل.
6 مليارات دولار محتجزة
واتهم عباس إسرائيل بالجمع بين الاستيلاء على الأراضي وإضعاف المؤسسات الفلسطينية وتجفيف مواردها المالية، وقال إن الحكومة الإسرائيلية تحتجز أكثر من ستة مليارات دولار من الأموال الفلسطينية.
وطالب بالإفراج الفوري عن جميع الأموال المحتجزة وضمان تحويلها بصورة منتظمة وكاملة، إلى جانب رفع القيود المالية والاقتصادية المفروضة على السلطة الفلسطينية وفق بروتوكول باريس الاقتصادي.
الانتخابات والإصلاحات الفلسطينية
وفي الشأن الداخلي، قال عباس إن السلطة الفلسطينية أنجزت برنامجاً للإصلاح الوطني التزمت به أمام المجتمع الدولي، شمل تعزيز حوكمة المؤسسات والمالية العامة والشفافية والمساءلة ومكافحة الفساد وسيادة القانون.
وأضاف أن السلطة أنشأت نظاماً موحداً للحماية والرعاية الاجتماعية، وواصلت إصلاح نظام التعليم وتطوير المناهج بالتعاون مع منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة "يونسكو"، إلى جانب المضي في التجديد الديمقراطي وتمكين النساء والشباب.
وأكد أن الانتخابات التشريعية الفلسطينية ستجرى في 28 تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، على أن يتبعها استكمال تجديد مؤسسات المجلس الوطني الفلسطيني ثم إجراء الانتخابات الرئاسية.
وقال عباس إن الفلسطينيين يريدون "دولة فلسطينية ديمقراطية تحترم سيادة القانون وحقوق الإنسان"، واصفاً الدولة التي تسعى القيادة الفلسطينية إليها بأنها "دولة غير مسلحة تعيش بأمن وسلام إلى جانب دولة إسرائيل".
عباس يهاجم قرار واشنطن
وألقى عباس كلمته عبر تسجيل مصور بعدما منعته إدارة ترامب ومسؤولين فلسطينيين آخرين من الحصول على تأشيرات لدخول الولايات المتحدة والمشاركة حضورياً في اجتماعات الجمعية العامة.
وقال عباس إن الوفد الفلسطيني مُنع، للعام الثاني على التوالي، من الحصول على التأشيرات اللازمة للوصول إلى نيويورك، واصفاً الإجراءات الأميركية بأنها "عقابية وغير قانونية".
وأضاف أن الفلسطينيين لا يجوز أن يعاقبوا بسبب مطالبتهم بإنهاء الاحتلال أو لجوئهم إلى الأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية، معتبراً أن الاحتكام إلى القانون الدولي ومؤسساته "خيار سلمي وحضاري وليس عملاً معادياً للسلام".
وطالب إدارة ترامب بالتراجع عن القيود والعقوبات و"العودة إلى لغة الحوار والاحترام المتبادل"، والعمل مع الجانب الفلسطيني والمجتمع الدولي لتنفيذ حل الدولتين.
وكانت واشنطن قد بررت القيود المفروضة على عباس ونحو 80 مسؤولاً مرتبطين بمنظمة التحرير والسلطة الفلسطينية بتحركات الجانب الفلسطيني في المحافل والمحاكم الدولية، وهي مبررات رفضتها القيادة الفلسطينية. وفي 17 أيلول/سبتمبر، صوتت الجمعية العامة للأمم المتحدة بأغلبية 152 دولة مقابل معارضة ثلاث وامتناع أربع، للسماح لعباس وكبار المسؤولين الفلسطينيين بالمشاركة افتراضياً في اجتماعات المنظمة إذا حالت القيود الأميركية دون وصولهم إلى نيويورك.
واختتم عباس خطابه بالتأكيد أن الفلسطينيين لن يقبلوا بأن تقرر الحكومات الإسرائيلية مستقبلهم، وأن رؤيتهم تقوم على بقاء الشعب الفلسطيني على أرضه وتقرير مستقبله بنفسه وقيام دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل، مضيفاً أن "الاحتلال العسكري والاستيطان والضم وإرهاب المستوطنين لا يمكن أن تكون حلاً أو تصنع أمناً دائماً".




