يدخل الفلسطينيون في أراضي 1948 انتخابات الكنيست المقررة في 27 تشرين الأول/ أكتوبر 2026 وسط استمرار الجريمة والعنف داخل المجتمع العربي، وتضييق مساحة التعبير والعمل السياسي منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر، وصولًا إلى استهداف تمثيلهم في الانتخابات نفسها. فقد قررت لجنة الانتخابات المركزية يوم 23 أيلول/ سبتمبر 2026 شطب ترشح رئيس حزب التجمع الوطني الديمقراطي سامي أبو شحادة بأغلبية 31 صوتًا مقابل أربعة، وشارك رئيس اللجنة القاضي نوعام سولبرغ في التصويت مؤيدًا للشطب بصورة تعد سابقة من نوعها في مثل هذه الطلبات، كما شطبت النائب عن الجبهة اليهودية العربية للتغيير عوفر كسيف، وتلاها قرار شطب القائمة العربية الموحدة ثم شطب القائمة المشتركة أيضًا. ولم يقتصر التأييد لشطب أبو شحادة على أحزاب الائتلاف، إذ أيده غادي آيزنكوت ونفتالي بينيت ويائير غولان، وهو ما يعكس اتساع الموقف المؤيد للشطب إلى أجزاء كبيرة من المعارضة الإسرائيلية أيضًا.
وتكتسب انتخابات 2026 أهمية خاصة لأنها الأولى بعد السابع من تشرين الأول/ أكتوبر والحرب التي أعقبته، وتجري داخل نظام يتجه بصورة متزايدة نحو اليمين، فيما انتقل الخلاف حول المشاركة العربية من سؤال حجم التمثيل ودوره إلى الطعن في حق قوائم ومرشحين عرب في خوض الانتخابات أصلًا. ومن هنا تصبح هذه الانتخابات اختبارًا لمكانة الفلسطينيين في أراضي 1948 داخل النظام السياسي الإسرائيلي، ولقدرتهم على الحفاظ على إطار سياسي مستقل يمثل قضايا مجتمعهم، في وقت باتت فيه حدود هذا التمثيل نفسها موضع صراع سياسي وقانوني سيحسم جانبًا مهمًا منه أمام المحكمة العليا.
قائمتان ورؤيتان للعمل السياسي
تخوض الأحزاب العربية انتخابات 2026 عبر قائمتين رئيسيتين، إلى جانب تيار ثالث يعارض أصلًا المشاركة في انتخابات الكنيست. حيث تضم القائمة الأولى، وهي القائمة المشتركة، الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة برئاسة يوسف جبارين، والحركة العربية للتغيير برئاسة أحمد الطيبي، والتجمع الوطني الديمقراطي برئاسة سامي أبو شحادة، ويتصدر الثلاثة القائمة بهذا الترتيب. أما القائمة الثانية فهي القائمة العربية الموحدة برئاسة منصور عباس، التي تخوض الانتخابات منفردة بعد بقائها خارج إعادة تشكيل المشتركة. وإلى جانب هاتين القائمتين تمثل الحركة الإسلامية الشمالية تيارًا يرفض المشاركة في انتخابات الكنيست.
ولا يقتصر الانقسام على شكل القوائم، إذ يعكس خلافًا حول طريقة العمل السياسي وموقع الأحزاب العربية من الحكومة. ترى أحزاب المشتركة أن تحصيل حقوق المجتمع العربي يجري من خلال العمل البرلماني والتأثير السياسي من خارج الحكومة، في حين تتمسك الموحدة بخيار المشاركة في الحكومة واستخدام موقعها داخل الائتلاف لتحصيل مطالب مدنية واقتصادية. وقد اختبر منصور عباس هذا النهج عندما شاركت الموحدة في الائتلاف الذي شكل حكومة بينيت - لبيد عام 2021، وما زال يقدم هذه التجربة بوصفها محاولة لتحويل التمثيل العربي إلى مشاركة في صنع القرار.
وتظهر انتخابات 2026 حدود التجربة التي لم تنجح بصورة أوضح، إذ تعلن قوى إسرائيلية رفضها الاعتماد على الموحدة في تشكيل الحكومة، بينما قدم الليكود و"عوتسما يهوديت" بقيادة إيتمار بن غفير طلبات لشطبها من الانتخابات وهذا ما تم فعلًا يوم 23 أيلول/ سبتمبر 2026.
وتفسر نتائج انتخابات 2022 جانبًا من عودة الأحزاب الثلاثة الأخرى إلى قائمة واحدة. إذ حصلت الموحدة على 194,047 صوتًا وخمسة مقاعد، وحصل تحالف الجبهة والعربية للتغيير على 178,735 صوتًا وخمسة مقاعد، فيما حصل التجمع على 138,617 صوتًا، بنسبة 2.91 %، وبقي خارج الكنيست لعدم تجاوزه نسبة الحسم البالغة 3.25 %. وهكذا لم تدخل أصوات التجمع في توزيع المقاعد، رغم تجاوزها 138 ألف صوت.
ومع استمرار الخلاف السياسي، وقعت المشتركة والموحدة في 11 أيلول/ سبتمبر 2026 اتفاق فائض أصوات لتقليل أثر الانقسام عند توزيع المقاعد. ويعمل الاتفاق بعد تجاوز القائمتين نسبة الحسم، إذ تتعامل طريقة "بادر عوفر" معهما ككتلة واحدة عند توزيع المقاعد التي تبقى بعد التوزيع الأولي، وهذا ما يزيد احتمال حصول إحداهما على مقعد إضافي. فإذا امتلكت كل قائمة عددًا من الأصوات يزيد على ما منحها مقاعد كاملة، يمكن جمع هذا الفائض في مرحلة حساب المقاعد المتبقية، ثم تحدد الطريقة الحسابية أي القائمتين تحصل على المقعد الإضافي. ولا يعني الاتفاق توحيد القائمتين أو برنامجيهما، وإنما يمثل تعاونًا انتخابيًا محدودًا يهدف إلى زيادة فرص الاستفادة من الأصوات التي لا تكفي منفردة لمنح مقعد كامل.
المادة 7أ ومسار الشطب
لا يقتصر التحدي أمام الأحزاب العربية على نسبة المشاركة وتوزيع الأصوات ورفع نسبة التصويت في المجتمع الفلسطيني في إسرائيل، إذ عادت محاولات الشطب لتصبح جزءًا من انتخابات 2026. فقد قدم الليكود و"عوتسما يهوديت" طلبات لشطب القائمة العربية الموحدة، فيما قدم "عوتسما يهوديت" طلبًا منفصلًا لشطب رئيس التجمع سامي أبو شحادة. ورد مركز "عدالة" في 18 أيلول/ سبتمبر نيابة عن الموحدة والمشتركة والتجمع وأبو شحادة وعوفر كسيف، معتبرًا أن طلبات عدة لا تقدم الأدلة التي يتطلبها القانون واجتهادات المحكمة العليا لمنع قائمة أو مرشح من خوض الانتخابات.
وتستند هذه الطلبات إلى المادة 7أ من "قانون أساس: الكنيست"، التي تمنع قائمة أو مرشحًا من المشاركة إذا تضمنت أهداف القائمة أو أفعالها، أو أفعال المرشح نفي وجود إسرائيل "كدولة يهودية وديمقراطية"، أو التحريض على العنصرية أو دعم العمل المسلح لدولة عدو أو منظمة إرهابية ضد إسرائيل.
لكن وجود تصريح مثير للجدل لا يؤدي تلقائيًا إلى الشطب، إذ وضعت المحكمة العليا على مدى سنوات عتبة إثبات مرتفعة عند تطبيق المادة 7أ، بسبب المساس المباشر بحق الانتخاب والترشح. ولهذا يدور الخلاف في معظم طلبات الشطب حول ما إذا كانت الأدلة المقدمة تكشف موقفًا ثابتًا ومركزيًا لدى القائمة أو المرشح، أم أنها أقوال أو أفعال لا تبلغ المستوى المطلوب قانونيًا لمنع المشاركة السياسية.
وتبرز هنا مفارقة سياسية في أن الأحزاب التي تطالب بشطب القوائم العربية بحجة الإرهاب هي ذاتها التي صرحت علنًا بالدعوة إلى محو غزة، وتهجير الفلسطينيين من غزة والضفة، وإعادة الاستيطان في غزة ولبنان، وفرض عقوبة الإعدام على الأسرى الفلسطينيين.
وهنا يظهر الفرق بين لجنة الانتخابات المركزية والمحكمة العليا. إذ تتكوّن لجنة الانتخابات من ممثلي الكتل البرلمانية بحسب حجمها في الكنيست، بواقع ممثل لكل أربعة نواب، مع ضمان تمثيل الكتل الأصغر، ويرأسها قاضٍ من المحكمة العليا، ويساعده أربعة نواب يمثلون الكتل الأربع الكبرى. ويعني هذا التركيب أن الأحزاب نفسها تشارك في التصويت على طلبات شطب منافسيها، ما يمنح الاعتبارات السياسية وزنًا واضحًا داخل اللجنة. أما المحكمة العليا فتفحص قرارات الشطب وفق المعايير القانونية التي طورتها لتفسير المادة 7أ، ولهذا سبق أن ألغت قرارات شطب اتخذتها اللجنة في أكثر من انتخابات.
ويختلف مسار شطب القائمة عن شطب المرشح الفرد؛ فإذا قررت لجنة الانتخابات منع قائمة من المشاركة، يمكن الطعن في القرار أمام المحكمة العليا. أما طلب شطب مرشح بعينه فيجب أن يوقع عليه ثلث أعضاء لجنة الانتخابات على الأقل، وإذا وافقت اللجنة عليه فلا يصبح نافذًا قبل مصادقة المحكمة العليا، كما ينص القانون على أنه إذا صدقت المحكمة قرار الشطب يُحذف اسم المرشح من القائمة.
وتعود محاولات شطب القيادات العربية إلى سنوات سابقة، ففي انتخابات 1999 قُدمت طلبات لشطب ترشيح عزمي بشارة وحزب التجمع، لكنها رُفضت، ثم قررت لجنة الانتخابات في 2003 شطب ترشيح عزمي بشارة وحزب التجمع مرة أخرى إضافة إلى أحمد الطيبي. غير أن المحكمة العليا ألغت القرارات، وسمحت لهم بخوض الانتخابات في واحدة من أبرز سوابق الشطب السياسي والقضائي.
سامي أبو شحادة واختبار ما بعد 7 أكتوبر
استند مسار شطب سامي أبو شحادة في انتخابات 2026 بدرجة كبيرة إلى مقال نشره في موقع "عرب 48" في 8 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 بعنوان "طوفان الأقصى: ملاحظات أولية". وصف أبو شحادة ما جرى في اليوم السابق بأنه "حدث تاريخي مهم" من الناحية العسكرية والسياسية والاستراتيجية، وتناول عنصر المفاجأة والإخفاق الإسرائيلي، كما كتب أن قدرة غزة على منع الاختراق الإسرائيلي تحمل دلالات عسكرية تتجاوزها.
ويرى مقدمو طلب الشطب أن هذه العبارات تعبر عن دعم للكفاح المسلح الذي تخوضه منظمة تصنفها إسرائيل إرهابية، وهو أحد أسباب الشطب الواردة في المادة 7أ. ورد أبو شحادة بأن نشاطه يقوم على النضال السياسي والديمقراطي ويرفض العنف والانتقام، وأنه يدعو إلى حل سياسي قائم على الحرية والمساواة والعدل. كما استند إلى مسيرته في العمل السياسي والحقوقي، معتبرًا أن مقدمي الطلب لم يجدوا في نشاطه ما يثبت دعمه للعنف.
واكتسب الملف وزنًا إضافيًا بعد موقف المستشارة القضائية للحكومة في 22 أيلول/ سبتمبر 2026، إذ رأت أن المقال يثير شبهة دعم للكفاح المسلح تستوجب الفحص الجدي، لكنها أشارت في الوقت نفسه إلى أن الأدلة ضد أبو شحادة تختلف عن سوابق الشطب التي استندت إلى نشاط منهجي ومتكرر امتد سنوات وشمل عشرات الأقوال والأفعال.
وهنا ينتقل الملف إلى السؤال القانوني الأهم، وهو ما إذا كان المقال والمواد الأخرى المقدمة يكفيان لإثبات دعم الكفاح المسلح وفق العتبة المرتفعة التي وضعتها المحكمة العليا. وبعد قرار لجنة الانتخابات، أصبحت الكلمة النهائية للمحكمة، التي ستحدد ما إذا كانت الأدلة تبرر منع أبو شحادة من خوض الانتخابات، وهو ما يجعل القضية اختبارًا جديدًا لكيفية تطبيق المادة 7أ على الخطاب السياسي العربي بعد السابع من أكتوبر.
في ضوء ذلك، تتحول قضية شطب سامي أبو شحادة من مسألة انتخابية إلى مؤشر على موقع المحكمة العليا داخل التحولات الجارية في النظام الإسرائيلي. فإذا ألغت المحكمة قرار الشطب، فستؤكد استمرار قدرتها على كبح قرارات الأغلبية السياسية حين تتعارض مع المعايير القانونية التي رسختها سابقًا. أما إذا صادقت عليه استنادًا إلى قاعدة أدلة أضيق من السوابق، فسيعطي ذلك صورة أوضح عن تماهي المحكمة مع الاتجاه اليميني المتصاعد داخل مؤسسات الدولة. وعندها تصبح القضية اختبارًا لمكانة المحكمة أكثر مما هي اختبار لمصير أبو شحادة نفسه.




