لم يكن مفاجئاً أبداً ما رشح من الاجتماع الأخير للإطار التنسيقي (الموسع) بشأن الإتفاق على تحديد تاريخ 30 حزيران/يونيو 2027، موعداً نهائياً لحصر السلاح بيد الدولة. ولن يكون مفاجئاً أبداً إذا ما تم تمديد هذا التاريخ لفترة اُخرى مقبلة. فالتواريخ في العراق وفي السياسة بشكل عام ليست مقدسة.
هذا الكلام والحديث عن الموعد الجديد الذي تبناه الإطار التنسيقي الشيعي، يتماهي كثيراً بل ويتطابق مع حديث سابق لزعامات مؤثرة داخل الإطار أكدت فيه رفضها أن يكون تاريخ 30 أيلول/سبتمبر الجاري، هو الموعد النهائي والذي كان رئيس الوزراء علي الزيدي قد حدده في وقت سابق وتعهد بالتمسك به باعتباره موعداً نهائياً، متوعداً الفصائل التي لن تلتزم به بمعاملتها وفق قانون الإرهاب العراقي، قبل أن يعود مرة أخرى ويتخلى عن هذا الموعد، نزولاً عند رغبة قيادات بعينها داخل الإطار حذرت من احتمال وقوع مواجهات مسلحة بين هذه الفصائل والحكومة، إن أصرّ الزيدي على موقفه.
حصر السلاح والحرب في المنطقة
وإذا كان هناك من يعتقد أن تحديد موعد 30 أيلول، هو تطور منطقي لحصر السلاح بيد الدولة باعتباره التاريخ الذي سيمثّل انتهاء التواجد العسكري لقوات التحالف في العراق، وبالذات القوات الأميركية، وهو الشرط الذي كانت الفصائل قد اعتمدته في وقت سابق لتسليم سلاحها، فإنه من غير المنطقي أن يتم تحديد مواعيد اُخرى بتواريخ زمنية بعيدة عن هذا التاريخ لتكون هي الموعد الجديد لتسليم السلاح.
وعلى هذا الأساس، فإن ما يستحق قوله الآن هو أن تطورات هذا المشهد تؤكد حقيقة ساطعة مفادها أن موضوع نزع سلاح الفصائل، لم ولن يكون حكراً على ما تقوله الحكومة ورئيسها. بل يمكن القول إن القرار النهائي في هذه القضية هو ليس ما تقرره الحكومة ورئيسها، بل ما يقرره الإطار وقياداته المؤثرة.
وبشيء من التفصيل، يمكن القول وبدون لف ودوران، إن ما يجري في المنطقة وبالذات الحرب بين أميركا وإيران، هو المحرك الرئيسي لكل ما يجري، ولهذه القضية تحديداً. فهذه الفصائل التي تطلق على نفسها اسم فصائل المقاومة الاسلامية، ومعها امتداداتها السياسية المتوافقة معها في الرأي والموقف داخل الإطار التنسيقي، على قناعة تامة بأن إستمرار الحرب في المنطقة واحتمال تصاعدها بشكل كبير في الأيام المقبلة، هو سبب كافٍ لعدم الركون إلى التاريخ الذي كان رئيس الوزراء قد حدده بُعيد انتخابه رئيساً للوزراء منتصف أيار/مايو الماضي، وإن الإلتزام بهذا الموعد سيمثل تنازلاً وتخلياً عن الفكرة الرئيسية لموضوع سلاح الفصائل، خصوصاً تلك التي تُعلن صراحةً أنها تتبع ولاية الفقيه في إيران، وهي بهذا لا تعترف بشرعية وجودها وعملها، لا بالمكان ولا بالزمان، وبالتالي فهي ترى أنها جزء من هذه الحرب التي تجري ضد إيران، وأن الموقف العقائدي والديني يستدعي الدفاع عن إيران.
الوجود العسكري الأميركي في العراق
لقد بات واضحاً أن أي محاولة للربط بين حصر السلاح بيد الدولة وبين استمرار بقاء القوات الأميركية والتي سعى البعض في الماضي القريب إلى تكريسها وتعميمها، أصبح من الماضي رغم استمرار تمسك البعض بهذه السردية حتى اللحظة. والواضح أيضاً، أن هكذا سرديات لم تكن سوى غطاءاً أو مبرراً لاستمرار بقاء هذا السلاح وعدم التخلي عنه.
كل هذه التطورات تقودنا إلى نهايات وتواريخ يبدو أنها ستكون مفتوحة في موضوع نزع سلاح هذه الفصائل وحصره بيد الدولة. إن ما لا يقبل دحضه أو إلغاءه الآن، هو أن استمرار هذه الحرب وعدم وجود موشرات واضحة لنهايتها، يعني أن سلاح هذه الفصائل في العراق سيبقى قائماً وباقياً، بغض النظر عن أي تواريخ، حتى تلك التي اتٌفق عليها في اجتماع الإطار التنسيقي الأخير، وهذا ما أكدته بعض قيادات هذه الفصائل مؤخراً.
وإذا كان هناك ما يستحق التوقف عنده الآن، فهو التصريح الذي أطلقه القيادي في تحالف الإعمار والتنمية ونائب رئيس الوزراء الأسبق النائب بهاء الأعرجي، على هامش جلسة البرلمان العراقي قبل يومين، والذي عبّر فيه عن شكوكه بانسحاب كامل القوات الأميركية من العراق نهاية الشهر الجاري.
ما يستحق التوقف عنده هي تلك الجزئية التي تحدث عنها النائب الأعرجي، ودعوته إلى التفريق بين القوات الأميركية المتواجدة في العراق والتي تُعتبر جزءاً من التحالف الدولي، وبين قوات أميركية تتواجد في العراق ولا علاقة لها بالتحالف.
واذا كانت الإتفاقية التي أبرمها العراق مع التحالف الدولي في العالم 2024، تنصّ على إنهاء مهمة التحالف نهاية هذا الشهر، وهو الذي يجري الحديث عنه منذ فترة، وتصرّ الحكومة العراقية على تنفيذه مهما كلف الأمر، فإن هذه الاتفاقية، والقول للأعرجي، لا تعني أبداً موضوع القوات الأميركية المتواجدة في العراق من خارج التحالف، والتي تعمل من أجل حماية المصالح الأميركية في العراق من ضمنها السفارة الأميركية.
الحديث عن هذا الموضوع وفي هذا التوقيت، يعيد إلى الواجهة مرة أخرى احتمال عودة سردية الربط بين سلاح الفصائل وبين الوجود الأميركي في العراق. وهو احتمال قد يدفع الفصائل التي يجري الحوار معها حالياً لإقناعها بالتخلي عن سلاحها، إلى الغصرار على موقفها ورفض التخلي عن السلاح، وهو أمر متوقع جداً.
الزيدي في نيويورك
ومع اقتراب موعد الثلاثين من أيلول/سبتمبر، فان ضبابية المشهد التي هيمنت على هذه الازمة لأشهر، قد تبددت بعض الشيء، خصوصاً مع تصريحات الساعات الاخيرة التي أدلى بها رئيس الوزراء العراقي لصحيفة "نيويورك تايمز"، قبيل وصوله إلى نيويورك للمشاركة في أعمال الجمعية العمومية للاُمم المتحدة بدورتها الواحد والثمانين.
وإذا كان الزيدي قد أكد للصحيفة، ما كان قد تسرب من تفاصيل اجتماع تحالف الإطار التنسيقي، خصوصاً موعد الثلاثين من حزيران كموعد أخير للفصائل لتسليم سلاحها، فإنه أعلن في الوقت نفسه أن عملية حصر السلاح بيد الدولة ستبدأ اعتبارا من هذا التاريخ وستستمر تسعين يوماً، "شريطة عدم تعرض هذه الفصائل إلى أي هجوم من قبل الأميركيين"، مؤكداً أن حكومته ستعتبر الفصائل التي لن تلتزم بهذه التواقيت الجديدة، "خارجة عن القانون وسيتم التعامل معها وفق هذا المنظور".
وليس بعيداً عن هذه التصريحات، فالمرجح أن الزيدي سيلتقي مرة أخرى بالرئيس ترامب، وعندها سيتضح الأمر جلياً في الموقف الأميركي إزاء هذا التغيير في التواقيت العراقية، خصوصاً ما كان قد أعلنه الزيدي في وقت سابق.
فالزيدي الذي كان قد تعهد خلال لقاءه الأول مع ترامب في البيت الأبيض قبل نحو شهرين، بأنه عازم على نزع سلاح الفصائل في موعد أقصاه 30 أيلول، سيتعين عليه الآن أن يقدم تبريراً مقنعاً للأسباب التي دفعته لتغيير هذا التوقيت. فالأزمة ليست عراقية بامتياز، وتداخل القوى الدولية والإقليمية مع مساراتها، سيحدد بشكل كبير نهاياتها وسيرسم تفاصيل الصورة الحقيقة لما سيحدث في العراق خلال المرحلة المقبلة.




