أعلنت السعودية اعتراض صاروخ باليستي أطلقه الحوثيون باتجاه الرياض في التاسع عشر من أيلول/سبتمبر الجاري. كانت هذه المرة الأولى التي تُستهدف فيها العاصمة منذ أن فُتحت جبهة اليمن. في الليلة نفسها استهدفت ينبع، وهي المحطة النهائية لخطّ الأنابيب شرق ـ غرب، أي المخرج الذي بنت عليه المملكة قدرتها على احتمال إغلاق هرمز.
يحدث هذا فيما الرياض هي الطرف الأكثر إلحاحاً في واشنطن على وقف الحرب. وهذه المفارقة ليست عابرة. دولةٌ تريد أن تكون وسيطاً صارت طرفاً، وكلّ خطوةٍ اتخذتها لحماية نفسها قلّصت قدرتها على لعب الدور الذي تريده.
كيف صارت الرياض طرفاً
وقعت الانعطافة قبل شهرين. في أواخر تموز/ يوليو الماضي، أعلنت وزارة الدفاع السعودية والقيادة المركزية الأميركية تنفيذ ضربات جوية مشتركة على مواقع ومستودعات لفصائل مرتبطة بإيران في العراق، رداً على هجمات مسيّرات طالت بنية تحتية سعودية. كانت تلك أول ضربات أميركية ـ سعودية مشتركة تُعلَن علناً ضدّ حلفاء طهران. وفي اليوم التالي، التقى وزير الدفاع الأمير خالد بن سلمان الرئيس دونالد ترامب ونائبه جاي دي فانس، وكانت الرسالة بحسب ما نُقل عن اللقاء أن الرياض تريد خفض التصعيد وعودة واشنطن وطهران إلى التفاوض.
عملياً، استعملت المملكة لغة الحرب لتقول كلاماً في السلم. أرادت أن تقول لطهران أنها لن تحتمل استهداف نفطها، فلنجلس ونتفاوض. لكن الرسالة تلقفها الطرف الآخر عكسياً بعد أن عدّ أن السعودية قد انتقلت من خانة المتضرر إلى خانة المشارك. وبين تموز/يوليو وأيلول/سبتمبر، انتقل استهداف السعودية من المنشآت في الجنوب إلى أبها وخميس مشيط وجيزان ونجران، ثم إلى خطّ الأنابيب، ثم إلى العاصمة. تدرّج لم يكن عشوائياً!
أربع عقبات أمام منظومة أمن إقليمية
تروّج قراءات إسرائيلية يمثّلها إيتمار آيخنر في "يديعوت أحرونوت" وآفي أشكنازي في "معاريف"، لفكرة أن الضغط الإيراني قد يدفع دول الخليج إلى إطار أمني تقوده واشنطن وتشارك فيه إسرائيل بخبرتها في مواجهة الحوثيين، والفكرة لها دخانها. ثمة قناة تنسيق عملية بالفعل ظهرت في الاجتماع العسكري الذي عُقد في ألمانيا برعاية قائد "سنتكوم" براد كوبر وضمّ ضباطاً أميركيين وإسرائيليين وعرباً. غير أن التنسيق الأمني ليس تحالفاً، والتحالف ليس تطبيعاً. بين الفكرة وتحقّقها عملياً أربع عقبات.
الأولى أن الضمانة غير قابلة للصرف. تتحدّث أوراق أميركية، منها ورقة صادرة عن مركز الشرق الأدنى وجنوب آسيا للدراسات الاستراتيجية، عن انتشار أميركي أكثر توزيعاً في الشرق الأوسط، ودفاعات جوية وصاروخية مترابطة، واعتماد أكبر على قدرات الشركاء. لكن الشريك يُطلب منه أن يشتري ضمانةً رُفض صرفها أمام عينيه، فحين اتّصل ولي العهد محمد بن سلمان بترامب مرّتين في يومٍ واحد طالباً ضربات ضدّ الحوثيين، عُرض عليه دعم استخباري وتحديد للأهداف لا أكثر. ومن يرفض أن يدافع اليوم يصعب أن يقنع غداً ببناء هيكل دائم للدفاع. تلك هي العقبة الأولى.
العقبة الثانية حسابية بحتة. المنظومة المقترحة قائمة على الدفاع الجوي والصاروخي المترابط، ومخزون الصواريخ الاعتراضية هو سلعتها الأساسية. وقد أشارت مراجعات عدّة، منها ورقةٌ لوحدة الدراسات السياسية في "المركز العربي واشنطن دي سي" إلى أن مخزون "باتريوت" بلغ مستويات منخفضة إلى حدّ الخطر خلال موجات القصف. لا تُبنى منظومة مشتركة من سلعة ناقصة.
تكمن العقبة الثالثة في أن المكوّن الإسرائيلي غير قابل للبيع سياسياً. يأتي الدليل من الجانب الإسرائيلي نفسه، فحين يدعو معهد دراسات الأمن القومي إلى مساعدة السعودية أمنياً من دون اشتراط مكاسب سياسية فورية، فهو يقرّ ضمناً بأن العلاقة أداة لبناء الثقة والتأثير في خيارات الرياض، وأنها ليست ثمرة علاقة استراتيجية قائمة. وقد نقلت "تايمز أوف إسرائيل" في السابع عشر من أيلول/سبتمبر الجاري، عن مصدر سعودي أن قبول مساعدة ضدّ الحوثيين لا يعني الذهاب إلى التطبيع من دون معالجة القضية الفلسطينية. التنسيق ممكن في الظلّ، أما تحويله إلى بنية معلنة فيتطلّب ثمناً سياسياً لم يُدفع.
الرابعة أن المنظومة بلا تعريفٍ متّفق عليه لعدوّها. السعودية كما يشرح السفير الأميركي السابق لديها مايكل راتني في تحليلٍ لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، تريد إيران ضعيفة لكن باقية، أي "نسخةً جرى إضعافها من الجمهورية الإسلامية نفسها" بقدرة أقلّ على تصدير الثورة. إسرائيل تريد انهيار النظام. أما واشنطن فلا تعرف. وهذا بالضبط ما لخّصه يوئيل غوزانسكي، رئيس برنامج الخليج في معهد دراسات الأمن القومي، حين قال إن السؤال في عواصم الخليج "ليس فقط ما إذا كانت واشنطن قوية بما يكفي، بل ما إذا كانت تعرف ما تريد تحقيقه، وإلى متى ستستمر هذه الحملة، وكيف يُفترض أن تنتهي؟".
جردة أوراق الرياض
هل تملك السعودية فعلاً ما تضغط به نحو التهدئة؟ يتطلب الجواب جردةً صريحة، ورقةً ورقة.
خلافاً للانطباع الشائع، فإن ورقة النفط هي الأضعف اليوم. السعر يُستعمل عادةً كأداة انضباط حين تستطيع المملكة أن تفتح الصنبور أو تغلقه. أما وقد هبط إنتاجها في آب/أغسطس إلى نحو ستة ملايين برميل يومياً، وهو الأدنى منذ أكثر من ثلاثة عقود بحسب وكالة الطاقة الدولية، فإن من لا يستطيع أن يشحن لا يستطيع أن يضبط. والضغط الاقتصادي يعمل في الاتجاه المعاكس، حيث سجلت الأرقام عجزاً في الربع الأول بلغ 33.5 مليار دولار، وأجوراً حكومية تستهلك نحو 41.8 في المئة من الإنفاق، ومشاريع رؤية 2030 تُقلَّص.
قد تكون ورقة التطبيع هي الأقوى، وهي الوحيدة التي تملكها الرياض ملكاً خالصاً. تريدها واشنطن، وتريدها إسرائيل، ولا يستطيع أحدٌ سواها تسليمها. لكن عيبها أنها تُلعب مرّةً واحدة، وأن قيمتها تنتهي ساعة تُدفع. ولهذا تحديداً تماطل الرياض، والأمر ليس رفضاً مبدئياً بالضرورة. الورقة الوحيدة التي تملكها لا يجب أن تُصرف إلا مقابل ثمنٍ نهائي.
ورقة الصين ظهرت في السابع عشر من أيلول/سبتمبر، حين أفادت "رويترز" بأن السعودية طلبت من بكين التدخّل لدى طهران لكبح الحوثيين، وأن الصين نقلت فعلاً رسالةً خاصة، فيما ربطت طهران الاستقرار الإقليمي بإنهاء الحرب عليها. تلك ورقة حقيقية، لكنها مستعارة. كلّ استعمال لها يحوّل طلباً سعودياً إلى رصيد صيني، ويعزّز ادّعاء بكين بأنها لا غنى عنها في الإقليم، وهو بالضبط ما تتفاوض واشنطن ضدّه. أي أن ما تكسبه الرياض في طهران عبر هذه القناة قد تخسره في واشنطن.
أما ورقة اتفاق مكة فلم تُختبر بعد. ورغم وجود قوات باكستانية في المملكة، لم تطلب الرياض حتى الآن من إسلام آباد أو أنقرة التدخّل في اليمن، وأكدت العاصمتان أن الاتفاق يحتاج إلى ترتيبات مؤسسية إضافية. تشير تحليلات في "الغارديان" في هذا الصدد، إلى أن اعتماد باكستان الاقتصادي على السعودية بنحو ثمانية مليارات دولار قد يضيّق هامشها إذا قرّرت الرياض التفعيل. لكن الردع الذي لا يُفعَّل لا يردع أحداً، ومن لا يستدعي حليفه في لحظة استهداف عاصمته يكون قد أعلن تقريباً أن الاتفاق ما زال حبراً على ورق.
الورقة الوحيدة المُثبَتة في هذا الإطار سلبية لا إيجابية. في الرابع عشر من أيلول/ سبتمبر، أُجّل الاجتماع الذي كان مقرراً في عُمان بين دول الخليج وإيران في ظلّ اعتراضات سعودية على الترتيبات المقترحة. الرياض إذاً تستطيع أن تعطّل مساراً لا يعجبها، لكن التعطيل ليس صناعةً لمسار.
لماذا لا تستطيع الوساطة
السعودية تستطيع أن تُبطئ التصعيد إذاً دون استطاعتها على أن تُنتج تهدئة. هذه خلاصة الجردة، والسبب بنيويّ لا يتعلّق بإرادتها. الشروط التي نقلتها طهران إلى واشنطن عبر الوساطة القطرية تدور حول وقف الأعمال العدائية على كلّ الجبهات، والإفراج عن الأصول المجمّدة، ورفع الحصار البحري، وليس في هذه القائمة بندٌ واحد تملكه الرياض. الأصول في الخزانة الأميركية، والحصار البحري قرار أميركي، ووقف النار على كلّ الجبهات يحتاج إلى من يملك الجبهات. أما الورقة الوحيدة التي تملكها السعودية فعلاً، أي التطبيع، فهي تُشترى من واشنطن وتل أبيب لا من طهران. أصول الرياض وطلبات إيران مقوّمة بعملتين مختلفتين، ولا سوق صرف بينهما، وهذا جوهر العجز.
يُضاف إلى ذلك أن أزمة الثقة أكبر من أن يجسرها وسيط. وقد لخّصها علي واعظ مدير مشروع إيران في "مجموعة الأزمات الدولية"، بقوله إن الإيرانيين لم يعودوا يرون في ترامب شريكاً تفاوضياً موثوقاً، وإن ترامب يبادلهم الشكّ نفسه.
ما يُنتظر من لقاء الثلاثاء
يلتقي ترامب قادة مجلس التعاون في نيويورك في 22 أيلول/سبتمبر، على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة، لبحث ما يسمّى استراتيجية ما بعد الحرب. الاختبار الحقيقي للقاء بالنسبة للرياض يتعلق بما إذا كانت ستحصل على إجابة حول إذا ما كان الأميركيون ينظرون إلى أمن باب المندب بوصفه جزءاً من أمن السعودية، أم بوصفه مسألة حرية ملاحةٍ دولية. الأول يُنتج التزاماً بالدفاع عن المملكة، أما الثاني فيُنتج التزاماً بفتح ممرٍّ للسفن قد يُفتح من دون أن يتغيّر شيء في اليمن.
وإذا كانت الحرب مع إيران قابلة للانتهاء بتسوية، فإن المشكلة في البحر الأحمر قد لا تنتهي معها. من يمسك المضيق اليوم يملك سبباً خاصاً به للاحتفاظ به، وهذا يعني أن الرياض قد تخرج من الحرب الكبرى وهي داخلة في حرب أصغر.. وأطول!




