انطلقت أعمال الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، اليوم الثلاثاء، في مقر المنظمة بنيويورك، وسط تصاعد حاد في الأزمات الدولية، وترقب عالمي لخطابات الزعماء الذين توافدوا لرسم ملامح المرحلة المقبلة.
واستهل الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، الذي تنتهي ولايته نهاية العام الجاري، كلمته الأخيرة أمام الجمعية العامة بتحذير شديد اللهجة من تفتت النظام الدولي، ودعا إلى وقف الاقتتال في جميع أنحاء الشرق الأوسط، وضمان تدفق المساعدات الإنسانية، واستعادة حقوق وحريات الملاحة بالكامل وفقاً للقانون الدولي، مشدداً على أن مستقبل البشرية المشترك سيتحدد بناءً على قدرتها على إدارة القوة بحكمة، من خلال إعمال القانون قبل أن يصبح الإفلات من العقاب أمراً معتاداً، وإنهاء الحروب قبل أن تلتهم أجيالاً بأكملها.
وفي ما يتعلق بقطاع غزة، أشار غوتيريش إلى أن ما أعقب هجوم السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 كان "هجوماً كاسحاً على الفلسطينيين في غزة، اتسم بحجم من القتل والدمار لم أشهد له مثيلاً طوال سنوات عملي كأمين عام"، مؤكداً أن "ما تسمى باتفاقات وقف إطلاق النار لم تكن أكثر من تقليل لإطلاق النار، بينما يواصل المدنيون دفع الثمن. لقد طفح الكيل".
وحذر من أن "أعمال العنف والتهجير وتوسيع المستوطنات في الضفة الغربية المحتلة تقوض مسار السلام وتثير شبح التطهير العرقي"، مضيفاً: "لا يمكننا أن نسمح لحل الدولتين بأن يختفي أمام أعيننا". كما طالب بامتثال جميع الأطراف للقانون الدولي وأوامر محكمة العدل الدولية بشأن غزة، مشيراً إلى أن المحكمة أصدرت تدابير مؤقتة ملزمة قانوناً في قضية الإبادة الجماعية.
إصلاح مجلس الأمن
من جهته، جدد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان دعوته إلى إصلاح مجلس الأمن الدولي، مشدداً على أن ذلك يجب أن يتم وفق مبدأ "العالم أكبر من خمس"، وذلك في كلمة ألقاها خلال مشاركته في أعمال الدورة 81 للجمعية العامة للأمم المتحدة، اليوم الثلاثاء.
وقال أردوغان: "نظام ترتهن فيه إرادة أكثر من 190 دولة من الأعضاء بالأمم المتحدة لمزاج خمس دول دائمة العضوية لا يمكن اعتباره عادلاً أو قادراً على إرساء الثقة بالكامل".
وأكد أن الأمم المتحدة التي تأسست قبل 81 عاماً لحفظ السلام والأمن باتت عاجزة عن أداء مهامها، مضيفاً: "علينا تغيير النهج الراهن الذي يُطبق فيه القانون الدولي بمعايير مختلفة على الأقوياء والضعفاء، فنظام يفلت فيه المخطئ من العقاب محكوم عليه بالتآكل. من يعولون على الأمم المتحدة في فلسطين ولبنان والسودان يشعرون بخيبة أمل وسيضطر الجميع يوماً ما إلى الاحتكام إلى الضمير الإنساني المشترك".
ووصف أردوغان الوضع في قطاع غزة بأنه تحول إلى "معسكر للموت والمقبرة الأوسع للأطفال في العالم"، معرباً عن حزنه لتعذر حضور الرئيس الفلسطيني محمود عباس في الجمعية العامة للأمم المتحدة لعامين متتاليين، وموجهاً الدعوة لكافة الدول التي لا تعترف حالياً بدولة فلسطين إلى إعادة النظر في موقفها. وأشار إلى فقدان أكثر من 74 ألف شخص في غزة خلال ثلاث سنوات جراء إرهاب الدولة الإسرائيلية، لافتاً إلى أن عدد الشهداء تجاوز 1500 شهيد منذ وقف إطلاق النار.
وأوضح أردوغان أن المقاومة الفلسطينية وافقت على الانتقال للمرحلة الثانية من خطة السلام لكن إسرائيل ترفض إنهاء الاحتلال. كما تطرق إلى الأوضاع في الضفة الغربية والقدس، مشيراً إلى أن الضفة تعاني من عنف وإرهاب المستوطنين، وأن المسلمين والمسيحيين يُمنعون من الوصول إلى أماكنهم المقدسة، مع وجود محاولة لتقويض وكالة الأونروا، مكرراً التزام تركيا بتنفيذ الاتفاق بشأن غزة الموقع في شرم الشيخ قبل عام.
وعلى صعيد التحالفات الإقليمية والأمن البحري، أعلن أردوغان: "أسسنا مع السعودية وباكستان حلفاً دفاعياً لتعزيز التضامن بيننا حتى تكون حلول مشاكل المنطقة من داخلها". وفي شأن الملاحة والأمن الغذائي، وصف الهجمات الأخيرة على السفن التجارية في البحر الأسود بأنها غير مقبولة بغض النظر عمن يشنها، مع التأكيد على الإيمان بضرورة الحفاظ على حرية الملاحة في مضيق هرمز. وحول الملف السوري، أشار إلى أن سوريا تواصل المضي بخطوات واثقة، مؤكداً مواصلة الوقوف إلى جانب الشعب السوري الشقيق.
تحذيرات أردنية
من جهته، أكد العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني أن التحديات التي تجابه المنطقة والعالم لم تتشكل فجأة، مشيراً إلى أن حرب إيران كشفت عن أبعاد وتأثيرات أزمات الطاقة والغذاء على الصعيد الدولي خارج حدود المنطقة.
وقال العاهل الأردني في كلمة ألقاها في الدورة الـ81 لأعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة: "التحديات التي نواجهها حالياً لم تظهر بين عشية وضحاها وما نهمله اليوم يشكل مستقبلنا. حرب إيران أظهرت مدى تأثر الناس خارج المنطقة بتداعيات أزمات الطاقة والغذاء. الصراعات الممتدة من لبنان إلى اليمن والسودان تعمق المعاناة الإنسانية".
وأوضح الملك عبد الله أن التداعيات الاقتصادية للأزمات الإقليمية تلقي بظلالها على العالم أجمع، قائلاً: "من يشك في أن أزمات منطقتنا تمتد تداعياتها إلى العالم فعليه أن ينظر إلى فواتير الطاقة والغذاء. المساءلة تبدأ عندما نسمي الأمور بأسمائها مثل محاولة محو الوجود الفلسطيني وفرض واقع جديد في غزة. إخراج الفلسطينيين من منازلهم بالقوة في الضفة الغربية هو تهجير قسري".
وانتقد العاهل الأردني التعاطي الدولي مع القضية الفلسطينية والانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة، وقال: "عندما يتعلق الأمر بإسرائيل تبقى القرارات الدولية حبرا على ورق"، مشدداً على أن "المجتمع الدولي اختار إدارة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي بدلاً من مواجهته. المجتمع الدولي تعامل مع كل انتهاك إسرائيلي جديد باعتباره مؤقتاً". وأضاف: "المعتدون في الضفة ليسوا مجرد حفنة من مثيري الشغب، بل جزء من سياسة لطرد الفلسطيني من أرضه. محاولة محو الوجود الفلسطيني تتم عبر مساري التدمير في غزة والضم الفعلي للأراضي في الضفة".
ماكرون يقلل من شأن السلام بغزة
قلل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون اليوم الثلاثاء من شأن جهود السلام في غزة قائلاً إنها لم تنجح في فتح أي ممر إنساني، وإن ما يحدث هو مشهد ينبغي أن يخجل منه الجميع.
وفي لحظة مؤثرة خلال خطاب ألقاه أمام قادة العالم في الجمعية العامة للأمم المتحدة، انتقد ماكرون أيضاً تصاعد عنف المستوطنين في الضفة الغربية قائلاً إنه يسلب الشعب الفلسطيني حقه المشروع في الوجود، مؤكداً تمسك فرنسا بحق الشعب الفلسطيني في السيادة والوجود.
وأشار إلى أن عشرات الدول اعترفت بدولة فلسطين، متسائلين عن مصداقية المجتمع الدولي إذا بقي عاجزاً عن التحرك إزاء ما يجري في قطاع غزة.
وقال ماكرون، إن الاعتقاد بأن أمن إسرائيل يمكن تحقيقه عبر انتهاك سيادة الدول المجاورة "خطأ جسيم"، داعياً إلى احترام سيادة الشعوب والدول كافة، من دون اعتماد معايير مزدوجة.
إدانة برازيلية
بدوره، أدان الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا مقتل النساء والأطفال في غزة، مشيراً إلى أن الفلسطينيين سيحملون صدمة الحرب لأجيال قادمة.
كما دافع الرئيس البرازيلي عن المقرّرة الخاصة للأمم المتحدة فرانشيسكا ألبانيز، وحذر من أن التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية يقوض فرص حل الدولتين، محذراً من أن المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية في الضفة الغربية المحتلة تجعل حلّ الدولتين أقل قابلية للتحقيق يوماً بعد يوم.




