يصل الرئيس الصيني شي جينبينغ إلى الولايات المتحدة، الأربعاء، في زيارة دولة تستمر ثلاثة أيام، فيما يأتي لقاؤه المرتقب مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب في واشنطن، الخميس، في لحظة تتجاوز الحرب التجارية التي طبعت علاقات البلدين. فبينما تسعى بكين وواشنطن إلى تثبيت هدنة اقتصادية قبل انتهائها في تشرين الثاني/نوفمبر، أضافت الحرب الأميركية على إيران واضطراب الملاحة في مضيق هرمز عاملاً جديداً: الصين تحتاج إلى استقرار أحد أهم طرق إمداداتها بالطاقة، فيما تريد واشنطن منها استخدام ثقلها لدى طهران للمساعدة في إنهاء الحرب.
وأعلنت الخارجية الصينية أن شي سيزور الولايات المتحدة بين 23 و25 أيلول/سبتمبر بدعوة من ترامب. وستكون القمة الثانية بينهما خلال أقل من خمسة أشهر، بعد لقائهما في بكين في أيار/مايو، والأحدث ضمن تفاهمات بدأت في بوسان في تشرين الأول/أكتوبر 2025 وأوقفت تصعيداً تجارياً بين البلدين.
وتقول "رويترز" إن فائض الصين التجاري يتجه إلى تجاوز تريليون دولار للعام الثاني على التوالي، بعدما أعاد المصدرون توجيه مزيد من بضائعهم إلى أسواق خارج الولايات المتحدة. ورغم ضعف الطلب الداخلي وأزمة العقارات، لم تنتج الضغوط الأميركية التنازلات الواسعة التي توقعتها إدارة ترامب.
ونقلت الوكالة عن الباحث في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية سكوت كينيدي قوله إن الإدارة اعتقدت أنها تستطيع استخدام "ضغط أحادي هائل" لدفع الصين إلى التنازل، لكن "ذلك لم يحدث". في المقابل، يدخل ترامب الاجتماع فيما تتحمل واشنطن كلفة حرب إيران، التي قدّر مكتب الموازنة في الكونغرس نفقاتها المباشرة حتى الآن بنحو 38 مليار دولار، مع احتمال ارتفاعها بثلاثة مليارات دولار شهرياً إذا استمرت العمليات بالمستوى الحالي.
هدنة تجارية أطول
يتمثل الاختبار الاقتصادي الأول للقمة في مصير الهدنة التجارية التي تنتهي في 10 تشرين الثاني/نوفمبر. وبحسب "فايننشال تايمز"، دفعت بكين باتجاه تمديد التفاهم لما تبقى من ولاية ترامب، بينما ناقش الجانب الأميركي تمديداً أقصر، وسط خلافات بشأن تنفيذ التعهدات السابقة.
وشمل اتفاق بوسان خفضاً لبعض الرسوم، واستئناف مشتريات صينية من المنتجات الزراعية الأميركية، وإجراءات تتعلق بالمواد المستخدمة في إنتاج الفنتانيل، وتخفيف القيود الصينية على المعادن النادرة، قبل أن يوسع لقاء بكين في أيار دائرة التفاهمات.
لكن المعادن النادرة لا تزال إحدى نقاط الخلاف. وأظهرت بيانات الجمارك الصينية، وفق "فايننشال تايمز"، انخفاض صادرات مغناطيسات المعادن النادرة إلى الولايات المتحدة إلى 512 طناً في آب/أغسطس، بتراجع 20% عن تموز/يوليو و13% سنوياً. كما يثير نظام تراخيص التصدير الصيني مخاوف غربية من أنه يكشف لبكين مواضع اعتماد سلاسل التوريد الأجنبية على المواد الصينية.
في المقابل، تريد بكين تخفيف القيود الأميركية على التكنولوجيا المتقدمة، خصوصاً الرقائق والذكاء الاصطناعي. وسبقت القمة محادثات في نيويورك بين وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت ونائب رئيس الوزراء الصيني خه ليفنغ تناولت التجارة والذكاء الاصطناعي وإيران.
وتقول "وول ستريت جورنال" إن البلدين يتفقان على ضرورة وضع ضوابط للذكاء الاصطناعي، لكنهما يختلفان في تعريف المخاطر وكيفية التعامل معها، بالتوازي مع استمرار القيود الأميركية على وصول الصين إلى أكثر الرقائق والتقنيات تطوراً.
تايوان وحدود الصفقات
يبقى ملف تايوان الاختبار الأبرز لحدود التفاهم. ووفق "رويترز"، أثار شي القضية مراراً خلال لقاء بكين، بما في ذلك مبيعات الأسلحة الأميركية، بينما وصف ترامب حزمة أسلحة معلقة للجزيرة بقيمة نحو 14 مليار دولار بأنها "ورقة تفاوض".
وأثارت هذه المقاربة مخاوف في تايبيه وطوكيو من دخول السياسة الأميركية تجاه الجزيرة ضمن تفاهم أوسع. كما تريد بكين، بحسب الوكالة، تغيير الصياغة الأميركية من أن الولايات المتحدة "لا تدعم" استقلال تايوان إلى أنها "تعارضه". ولم تعلن واشنطن قبول هذا المطلب، فيما ترى تايبيه أن التحول سيقرّب الموقف الأميركي من الرواية الصينية.
إيران تدخل المفاوضات
إذا كانت تايوان تكشف حدود التفاهم، فإن حرب إيران تظهر حاجة الطرفين إلى التعاون في ملف خارج علاقتهما الثنائية. وأفادت "بلومبرغ" بأن إيران حضرت في محادثات بيسنت وخه ليفنغ في نيويورك، فيما تقول "رويترز" إن ترامب وشي سيناقشان العلاقات الاقتصادية والمالية الصينية مع طهران، وإن واشنطن تأمل أن تستخدم بكين نفوذها للمساعدة في إنهاء الحرب.
وقبل ثمانية أيام من القمة، استقبل وزير الخارجية الصيني وانغ يي نظيره الإيراني عباس عراقجي في بكين، ودعا واشنطن وطهران إلى العودة للتفاوض وإعادة فتح مضيق هرمز "في أقرب وقت". وفي اليوم التالي، تحدث وانغ مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بشأن الشرق الأوسط والتحضيرات للاتصالات رفيعة المستوى. ولا يثبت ذلك وجود وساطة صينية، لكنه يظهر أن بكين تحدثت مباشرة مع طرفي الحرب قبيل القمة.
وقد كشف اضطراب هرمز نقطة ضعف أساسية في أمن الطاقة الصيني. وبحسب تحليل لـ"رويترز" استند إلى بيانات "كبلر"، بلغت واردات الصين البحرية من الخام 7.14 ملايين برميل يومياً في آب/أغسطس، وظلت أقل بنحو 40% من متوسط مستوياتها قبل الحرب. وعوضت المصافي جانباً من النقص بزيادة المشتريات الروسية والسحب من المخزونات بنحو 639 ألف برميل يومياً في آب.
وكان هرمز قبل الحرب ممراً لنحو خُمس تجارة النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية، لكن الضغوط امتدت إلى المسارات البديلة، مع هجمات الحوثيين في البحر الأحمر وإغلاق خط أنابيب شرق–غرب السعودي بعد هجمات على منشآت مرتبطة به، بحسب "رويترز".
وذكرت "فايننشال تايمز" أن حركة سفن الحاويات عبر هرمز انخفضت بنحو 94% عن مستويات ما قبل الحرب، مع ارتفاع تكاليف التأمين والشحن وتعطل موانئ خليجية، ما يجعل استمرار الأزمة مشكلة للتجارة الصينية أيضاً.
وفي الوقت نفسه، تمنح علاقات بكين مع طهران الصين نفوذاً مهماً، إذ تمثل السوق الرئيسية للنفط الإيراني وحافظت على قنوات تجارية ومالية معها رغم العقوبات الأميركية. وهدد بيسنت بعقوبات ثانوية على الجهات التي تواصل التعامل مع إيران، لكن "رويترز" تقول إن الإدارة لم تطبق هذه التهديدات على نطاق واسع ضد المؤسسات الصينية.
وهنا تكمن مفارقة القمة: تريد واشنطن من منافستها الاستراتيجية استخدام علاقاتها الاقتصادية مع إيران للمساعدة في إنهاء الحرب، فيما تريد الصين إعادة الاستقرار إلى هرمز من دون الانضمام إلى سياسة الضغط الأميركية على طهران.
هدنة بين خصمين
لذلك تبدو قمة واشنطن اختباراً لإمكان بناء مساحة من الاستقرار داخل منافسة مستمرة أكثر من كونها محاولة لتسوية الخلاف الأميركي-الصيني. ترامب يريد زيادة المشتريات الصينية، وتدفقاً أكثر انتظاماً للمعادن النادرة، وتشديد الإجراءات المتعلقة بالفنتانيل، ومكاسب في التكنولوجيا، إضافة إلى تعاون بشأن إيران. أما شي فيريد هدنة تجارية أطول، وتخفيف القيود التكنولوجية، وحماية وصول الشركات الصينية إلى الأسواق، ومراعاة المطالب الصينية بشأن تايوان.
ونقلت "رويترز" عن جون تشين، المسؤول السابق عن ملف الصين في مجلس الأمن القومي والباحث في معهد بروكينغز، أن شي يريد تمديد التفاهم بما يمنح الصين مزيداً من الوقت لتعزيز قدرتها الاقتصادية. فيما ترى الباحثة في معهد توني بلير للتغيير العالمي روبي عثمان أن ترامب يريد مساحة للتعامل مع إيران، بينما يريد شي التركيز على تعزيز قدرة الاقتصاد الصيني على الصمود.
وبذلك، لا يتعلق السؤال الأهم في لقاء الخميس بإنهاء المنافسة الأميركية-الصينية، بل بقدرة الطرفين على إدارة الملفات التي يحتاج فيها كل منهما إلى الآخر. فالحرب التجارية أظهرت حدود الضغط الأميركي على الصين، فيما أظهرت حرب إيران واضطراب هرمز أن المنافسة بين القوتين لا تلغي حاجتهما إلى التعاون عندما تتجاوز الأزمة علاقتهما الثنائية.




