شكّلت القيادة السعودية لجنة تحقيق عسكرية رفيعة المستوى للوقوف على ملابسات الانهيار السريع لجبهات الساحل الغربي وسقوط مدينة المخا والجزر الاستراتيجية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب بيد جماعة الحوثي، في وقت شهدت فيه العاصمة السعودية اجتماعات مكثفة للقيادات السياسية والعسكرية اليمنية لإعادة ترتيب الصفوف ومنع تمدد الحوثيين نحو تعز ومأرب.
وكشفت مصادر يمنية سياسية وأخر عسكري مطلعة، لـِ "المدن" أن تحركات الرياض جاءت عقب مفاجأة أحدثها سقوط الساحل الغربي، نتيجة تقارير ميدانية مضللة رفعت لغرفة العمليات المشتركة وأكدت أن الأوضاع "على ما يرام"، مما حجب تقييم الخطر الخارجي ومنع التدخل الجوي الحاسم في الوقت المناسب.
تحقيقات موسعة
وقال المصدر السياسي الذي تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته كونه غير مخول بالتصريح، إن اللجنة بدأت مباشرة عملها في الرياض، وستنتقل إلى مدينة عدن لاستجواب عدد من الضباط والقيادات الميدانية في الفصائل المشاركة بالمعركة بقيادة طارق صالح، إلى جانب مسؤولي المخابرات في تلك التشكيلات.
وستبحث اللجنة مستوى التنسيق بين الأطراف المختلفة ومدى فاعلية غرفة العمليات الموحدة أثناء إدارة المعارك، على أن تُرفع النتائج مباشرة إلى قيادة التحالف العربي بقيادة السعودية ومجلس القيادة الرئاسي لاتخاذ القرارات اللازمة.
وكانت القوات الموجودة في الساحل تشكل خليطاً من تشكيلات عسكرية متعددة تضم قوات المقاومة الوطنية وفصائل سلفية جنوبية، وتعمل بالتنسيق مع التحالف الذي تقوده السعودية.
وتتركز التحقيقات الأمنية بشكل أساسي وفقاً للمصادر، على ثغرة نوعية مكنت قوات صنعاء من التسلل إلى غرف العمليات ونقاط الإيواء المحصنة، والتي يُرجح أنها شهدت تواجداً سعودياً انسحبت قبل المعركة بساعات.
وستطلب اللجنة إحاطات تفصيلية من قيادات المحاور في المخا وحيس والخوخة والوازعية والكدحة وتعز، لتقييم الظروف الميدانية والوقوف على أسباب التراجع وقرارات القيادة التي صدرت خلال المواجهات، وكذلك دور الاستخبارات العسكرية في قوات الساحل الغربي.
وشملت جلسات الاستماع والتقييم التي عقدت بالرياض خلال اليومين الماضين وكشفها المصدر السياسي، تحميل مساعد وزير الدفاع اليمني اللواء سمير الحاج المسؤولية المباشرة عن صياغة تقارير الموقف المضللة، الأمر الذي قررت معه لجنة التحقيق إيقافه عن العمل حتى الانتهاء من التحقيق، كما تم استدعاء قائد قوات المقاومة الوطنية الفريق طارق صالح إلى جلسة استماع في الرياض لبيان أسباب انسحاب قواته المقدرة بنحو 50 إلى 60 ألف مقاتل، فيما قدم رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي توضيحات ومراسلات ميدانية، وطُولبت قيادات عسكرية وأمنية بينها مستشار قائد محور تعز سالم فرحان، وقائد المنطقة العسكرية الرابعة اللواء حمدي الشكري، وقيادات من العمالقة ودرع الوطن بإيضاحات مكتوبة.
تسلسل الثغرات الميدانية
وأظهرت التقييمات الميدانية التي نقلها المصدر السياسي لـِ "المدن" أن الانتكاسة نتجت عن غياب القيادة الموحدة وتتابع الثغرات التكتيكية بين التشكيلات المتعددة المرابطة في المنطقة؛ إذ بدأت الانسحابات من القوات التهامية أسفل جبل دباس قبل أن تستعيد تمركزها بدعم من قوات العمالقة ودرع الوطن، لتتوالى بعدها انسحابات قيادات ميدانية وقوات محسوبة على حزب الإصلاح من التباب المرتفعة في جبهة الكدحة المطلة على جبهة الساحل الغربي بالتوازي مع عدم تصدي القوات المرابطة في تعز لتعزيزات حوثية ضخمة مرت عبر خط الستين غربي المحافظة باتجاه جبهة البرح القريبة من مدخل المخا، ومع تكثيف الميليشيات قصفها الصاروخي والمدفعي على معسكر خالد ومفرق المخا وجبل النار، انسحبت القوات التابعة لطارق صالح قبل الاشتباك المباشر، مما وضع قوات العمالقة ودرع الوطن في شبه كماشة أثناء تقدمها في مناطق الجراحي والمساجد، فأجبرها ذلك على اتخاذ قرار الانسحاب الشامل نحو الجنوب ليتحول التراجع إلى انهيار واكتساح حوثي للمواقع الفارغة.
ترتيبات أمنية جديدة
وأسفرت اجتماعات بين الحكومة اليمنية والجانب السعودي في الرياض عن اتفاق على إنشاء غرفة عمليات مشتركة للإشراف على التشكيلات العسكرية وتوحيدها تحت مظلة اللجنة العسكرية العليا لفرملة الانهيار ومنع تمدد الحوثيين نحو أرياف تعز ومحافظة مأرب النفطية، بحسب مصادر عسكرية وسياسية تحدثت لـِ "المدن"، رغم أن الإعلان عن لجنة التحقيق والغرفة المشتركة يمثل تسوية سياسية مؤقتة لامتصاص حالة الانكشاف وتبادل الاتهامات، في ظل استمرار التباينات الهيكلية ورفض الفصائل الأخرى التنسيق المباشر مع قوات طارق صالح.
المستقبل طارق صالح
أكد المصدر السياسي صعوبة إعادة بناء المركز العسكري للفريق طارق صالح أو إعادة هيكلة قواته كقوة ضاربة، ورجح تحول دوره إلى المسار السياسي فقط ممثلاً للمؤتمر الشعبي العام في مجلس القيادة الرئاسي بضغوط من قيادات مؤتمرية للحفاظ على التوازن السياسي.
وأوضح المصدر عدم وجود خطة فورية حالياً لشن هجوم عكسي لاستعادة الساحل الغربي ومضيق باب المندب؛ حيث تركز التوجيهات السعودية حالياً على تثبيت الدفاعات لحماية المحافظات الجنوبية ومأرب لمنع أي انتكاسة جديدة، بالتوازي مع التجهيز لبناء قوة عسكرية جديدة كلياً تتولى مهمة التحرير مستقبلاً، بالاستعانة بست شخصيات قيادية بارزة من بينها قيادتان سلفيتان جنوبيتان لإدارة وتشكيل القوات الجديدة.




