السعودية واليمن والكأس المر

خلدون الشريفالسبت 2026/09/19
Getty-Yemen's Houthi Fighting Against Saudi-Backed Forces In 2026
Getty
حجم الخط
مشاركة عبر

خلال الأيام الماضية، أفردت الصحافة الغربية مساحات واسعة لما يشبه حملة مركّزة وظالمة على المملكة العربية السعودية، بعدما وصل الحوثيون إلى المخا وباب المندب، وبدأت صور التراجع الميداني لحلفاء الرياض تتصدر الشاشات والعناوين.

وكثرت الاجتهادات، بل الشماتة أحياناً. فمن قائل إن ما يجري يُراد منه الضغط على المملكة لدفعها إلى اتفاقات أبراهام، إلى من ذهب أبعد متحدثاً عن تفاهم أميركي مسبق مع الحوثيين، وصولاً إلى من استنتج أن السعودية باتت رهينة لإيران، أو أن نموذجها السياسي والاقتصادي نفسه أصبح في خطر.

لكن الدول لا تُقرأ بالشماتة، والحروب لا تُفهم بنظريات المؤامرة. وما تتعرض له المملكة من استهداف لمنشآتها وأراضيها لا يمكن تبريره بنقد سياساتها أو خياراتها السابقة. أما ما حدث في اليمن، فله تفسير أبسط، وربما أكثر قسوة: موازين القوى على الأرض لم تكن منذ سنوات في مصلحة حلفاء المملكة بالقدر الذي أوحت به الأموال التي أنفقت، والأسلحة التي سُلّمت، والأعداد التي سُجلت في دفاتر الجيوش والتشكيلات المسلحة.

وما حدث في المخا لم يصنع هذا الاختلال، بل.. كشفه.

 

فجوة عسكرية

كانت السعودية، وفق "فايننشال تايمز"، تدفع قبل الهجوم الأخير رواتب لما يصل إلى 400 ألف مقاتل يمني. رقم هائل لو كان عدد الرجال هو الذي يحسم الحروب. لكن هذه القوات لم تكن جيشاً واحداً، بل تشكيلات متعددة، بولاءات وأجندات وقيادات مختلفة، تعاني ضعف التنسيق والاتصالات والمعلومات الاستخبارية والثقة المتبادلة.

وعندما جاءت لحظة الاختبار، ظهرت الفجوة بين القوة المسجلة على الورق والقوة الموجودة فعلاً على الأرض. وروى مقاتلون للصحيفة كيف اكتشفوا أن وحدات خلفهم كانت قد انسحبت، وأن بعض القادة سبقوا جنودهم إلى الفرار. بعض المقاتلين استسلم، وبعضهم باع سلاحه، وبعضهم دفن بندقيته وتنكر بملابس النازحين حتى لا يُعاد إلى الجبهة.

ولم يكن ذلك كله مسؤولية سعودية وحدها. فاليمن نفسه انقسم، وتصارعت قواه ومشاريعه، كما أضاف الخلاف السعودي–الإماراتي حول الجنوب مزيداً من الضعف إلى المعسكر المناهض للحوثيين. وبعد تراجع الدور الإماراتي مطلع هذا العام، ظهر فراغ لم يُملأ بالسرعة والفاعلية المطلوبتين. وقد وثقت تقارير حديثة الانقسامات التي عانت منها القوات المناهضة للحوثيين قبيل سقوط المخا.

وفي الجهة المقابلة، كان الحوثيون يسيرون في الاتجاه المعاكس.

فمن حركة محلية خرجت من جبال صعدة، تحولوا خلال عقدين من الحروب إلى تنظيم عسكري أكثر مركزية وانضباطاً، راكم خبرة قتالية طويلة، وخصّص جزءاً كبيراً من موارد المناطق التي يسيطر عليها للمجهود الحربي، وطوّر قدراته الصاروخية والمسيّرة ووسائل القيادة والسيطرة والتصنيع المحلي. وتوثق "رويترز" هذا التحول من حركة محدودة إلى قوة تمتلك ترسانة أكثر تطوراً، مع استمرار الدعم والتدريب والتكنولوجيا الإيرانية.

ولا يمكن بالطبع فهم هذا التحول من دون إيران. لكن اختزال الحوثيين في كونهم مجرد أداة إيرانية يخطئ في قراءة المشكلة بالقدر نفسه الذي يخطئ فيه تجاهل الدور الإيراني. فبعد عقدين من القتال، باتت الجماعة تمتلك خبرة وتنظيماً وموارد وقدرات محلية خاصة بها. ولذلك فإن إخراجها من المناطق التي تسيطر عليها اليوم ليس شبيهاً بمواجهة التنظيم الذي كان موجوداً قبل عشر سنوات.

 

المشكلة السعودية

ثم جاءت المخا. قيمة المخا ليست في الميناء وحده، بل في الجغرافيا. فالتقدم الحوثي على الساحل والسيطرة على مواقع وجزر استراتيجية قرب باب المندب وسّعا بصورة كبيرة قدرة الحوثيين على تهديد الملاحة في واحد من أهم الممرات البحرية في العالم. ولا يعني ذلك أن باب المندب أُغلق؛ فالسفن ما زالت تعبره. لكن المعادلة الأمنية للمضيق تغيرت بصورة يصعب تجاهلها.

وهنا تبدأ المشكلة السعودية الحقيقية. فمع اضطراب الملاحة في هرمز، ازدادت أهمية الطريق الغربي للمملكة عبر خط شرق–غرب وينبع والبحر الأحمر. لكن البنية النفطية السعودية نفسها تعرضت لهجمات، فيما أصبح باب المندب أكثر تعرضاً للضغط الحوثي. ولا يعني ذلك، كما ذهب بعض المعلقين، أن إيران والحوثيين أصبحوا يتحكمون بالنفط السعودي. فالمملكة ما زالت تملك قدرات اقتصادية وعسكرية ولوجستية هائلة. لكنه يعني أن ميزة تعدد طرق التصدير التي منحت السعودية تاريخياً هامش أمان استراتيجياً أصبحت معرضة للضغط من الشرق والغرب في الوقت نفسه. وحركة السفن في هرمز بقيت هذا الأسبوع أدنى بكثير من متوسطها الأخير، في وقت استمرت فيه الحركة في باب المندب وإن بمستويات أقل قليلاً من المعتاد.

والأكثر أهمية أن سقوط المخا لم يحدث في فراغ استخباري أو في غياب الدعم الخارجي لحلفاء الرياض. فوجود مئات المستشارين الاميركيين موثق، ومع ذلك سقطت المدينة.

ويأتيك السؤال الساذج: لماذا لم تقصف السعودية أهدافاً أكثر؟ لكن الجواب المنطقي هو: ماذا كان سيحقق المزيد من القصف؟

تملك المملكة تفوقاً جوياً وتسليحياً ومالياً لا يقارن بما يملكه الحوثيون. لكن الطائرات تستطيع تدمير هدف، ولا تستطيع وحدها الإمساك بالأرض. والصاروخ يستطيع وقف تقدم وحدة عسكرية، لكنه لا يستطيع بناء جيش يمني متماسك مكان الوحدات التي انسحبت.

أما الدخول في حرب برية واسعة، فهو يعيد المملكة إلى حرب حاولت طوال السنوات الماضية الخروج منها، بكلفة مالية وبشرية وسياسية يصعب معرفة سقفها.

وفوق ذلك كله، بات الحوثيون قادرين على نقل جزء من الحرب إلى داخل المملكة، واستهداف البنية النفطية والملاحة. وقد أصبح الضغط على الدفاعات الجوية حقيقياً إلى درجة أن الرياض طلبت دعماً في مجال الدفاع الصاروخي من عدد من شركائها، فيما لم تتعهد أي دولة حتى الآن بالدخول عسكرياً في الحرب.

 

الكأس المر

وهكذا تجد الرياض نفسها أمام معادلة غير مريحة: التصعيد لا يضمن استعادة الأرض، وضبط التصعيد لا يضمن وقف التقدم الحوثي.

فالقوة ليست في القدرة على بدء حرب فحسب، بل في معرفة الغاية منها وكيفية إنهائها. تستطيع السعودية أن تخوض عشر سنوات أخرى في اليمن، وأن تنفق عشرات المليارات الإضافية، وأن تشتري المزيد من الطائرات والصواريخ الاعتراضية. لكنها خاضت جانباً كبيراً من هذه التجربة بالفعل. والسؤال الذي يجب أن يسبق أي حرب جديدة هو: هل ستنتج هذه المرة نتيجة مختلفة؟ هنا يأتي "الكأس المر".

واللافت أن الرياض نفسها تبدو أكثر ميلاً إلى إعطاء الدبلوماسية فرصة. فمصر وعُمان تتحركان لخفض التصعيد، فيما تحدثت معلومات صحافية عن اتصالات عبر مسقط لاستكشاف إمكان وقف النار وفتح باب الحوار بين السعودية والحوثيين. وما هو مؤكد أن القاهرة والرياض شددتا في لقائهما الأخير على أمن الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، وعلى ضرورة الوصول إلى حل سياسي شامل ومستدام في اليمن.

وإذا تطورت الاتصالات إلى مفاوضات فعلية، فلا ينبغي قراءتها باعتبارها علامة ضعف. فالسؤال ليس من يستطيع إطلاق الصاروخ الأخير، بل أي تسوية تستطيع حماية المملكة وحدودها ومنشآتها ومشروعها الاقتصادي، وتمنع اليمن من أن يبقى منصة لحرب تتجدد كلما انهارت هدنة.

وقد تكون مصلحة السعودية في التعامل مع الوقائع كما هي، لا كما كان يُراد لها أن تكون: الحوثيون أصبحوا قوة يمنية لا يمكن شطبها عسكرياً بكلفة مقبولة، وإيران لاعب إقليمي لا يمكن بناء أمن الخليج على افتراض إمكان تجاهله أو إخراجه من الجغرافيا.

لكن المصالحة لا تعني التسليم بشروط الحوثيين أو إيران، كما أن الردع لا يعني بالضرورة الحرب. والأجدى ربما هو مساران متوازيان: تسوية يمنية–سعودية حقيقية تنهي حالة الحرب وتضع ترتيبات واضحة للحدود والأمن وعدم الاعتداء؛ وتفاهم إقليمي أوسع مع إيران يضع هرمز وباب المندب وأمن المنشآت النفطية وحرية الملاحة وعدم استهداف دول الخليج ضمن قواعد متبادلة وواضحة.

 

اتفاقات أبراهام

ومن هنا أيضاً ينبغي النظر بهدوء إلى الدعوات المتزايدة لانضمام السعودية إلى اتفاقات أبراهام، وكأن ذلك يشكل بذاته مخرجاً استراتيجياً من المأزق الحالي.

قد تكون للتطبيع مع إسرائيل حساباته ومصالحه وكلفته السياسية قواعد وشروط وضعتها المملكة، لكنه -اي التطبيع - لا يعيد المخا إلى حلفائها، ولا يعيد بناء القوات اليمنية التي انهارت، ولا يغير ميزان القوى داخل اليمن، ولا يقدم بذاته ضمانة لأمن باب المندب. بل إن إدخال إسرائيل مباشرة في معادلة الصراع اليمني–الإيراني قد يؤدي إلى عكس المرتجى، بتحويل أزمة يمكن العمل على احتوائها إقليمياً إلى جزء من مواجهة أوسع يصعب ضبطها.

لذلك ربما يكون من المفيد التفكير في أمن السعودية من خلال دوائرها الطبيعية والمتداخلة.

الدائرة الأولى هي الخليج نفسه. فالعودة إلى أعلى درجات التنسيق بين دول مجلس التعاون لم تعد ترفاً دبلوماسياً. أمن هرمز وباب المندب والمنشآت النفطية وخطوط التصدير قضية خليجية مشتركة، ولا يمكن لكل دولة أن تعالج وحدها تهديداً يتجاوز حدودها ومياهها الإقليمية.

والدائرة الثانية هي اتفاق مكة مع تركيا وباكستان، لا بوصفه حلفاً لحرب جديدة، بل مظلة ردع وتعاون أمني وسياسي. فالوثيقة نفسها تنص على الدفاع الجماعي، لكنها تربطه أيضاً بالسلام والاستقرار. وفي الاجتماع الأول للجنة السياسية والدفاعية للاتفاق في 31 آب، أكدت الدول الثلاث "خفض التصعيد وضبط النفس" والحل السلمي للأزمات، وتحدثت صراحة عن المسؤولية الإقليمية وعن الأمن التعاوني والسلام العادل والدائم. كما قررت إنشاء أمانة عامة للاتفاق في السعودية.

وهذا مهم. فقيمة اتفاق مكة قد لا تكون فقط في عدد الطائرات أو الصواريخ التي يستطيع أعضاؤه إرسالها ساعة الحرب، بل في الوزن السياسي الذي تستطيع السعودية وتركيا وباكستان استخدامه لمنع الحرب أصلاً. وباكستان، بعلاقاتها مع الرياض وطهران، تستطيع أن تتحدث مع الطرفين، فيما أكد الموقف الباكستاني الرسمي منذ البداية أن الاتفاق دفاعي وغير موجه ضد دولة بعينها.

أما الدائرة الثالثة، والأصعب، فهي إيران نفسها. فلا جغرافيا الخليج تسمح للسعودية بإلغاء إيران، كما لا تسمح لإيران ببناء أمن مستدام على تهديد جيرانها. والمطلوب ليس ثقة غير موجودة، ولا تحالفاً غير واقعي، بل تفاهم مصالح وقواعد اشتباك: أمن المنشآت النفطية، حرية الملاحة في هرمز وباب المندب، عدم استخدام الوكلاء لضرب دول الخليج، وعدم تحويل الطاقة إلى سلاح متبادل.

 

الصلح مع الحوثيين

وهكذا يمكن أن يصبح وقف الحرب في اليمن جزءاً من هندسة أمنية أوسع: صلح حقيقي مع الحوثيين يضع قواعد واضحة للحدود والأمن وعدم الاعتداء؛ إعادة بناء التضامن الخليجي؛ تعزيز اتفاق مكة كقوة ردع ووساطة في آن؛ وفتح حوار إقليمي جدي مع إيران.

وهذا ليس خياراً بين الولايات المتحدة وإيران، ولا بين الغرب والشرق، ولا دعوة إلى استبدال تحالف بتحالف. تستطيع السعودية الاحتفاظ بشراكتها الاستراتيجية مع واشنطن وعلاقاتها الدولية الواسعة، وفي الوقت نفسه أن تبني هامشاً أكبر من الاستقلال الاستراتيجي في جوارها المباشر.

فالأزمة الأخيرة حملت درساً يصعب تجاهله: القوة الأميركية لا تستطيع وحدها أن تؤمّن هرمز وباب المندب، والقوة الجوية لا تستطيع وحدها إعادة ترتيب اليمن، والصاروخ الاعتراضي، مهما بلغ تطوره، لا يستطيع أن يكون أساساً دائماً لأمن دولة.

أما أمن السعودية، فمصدر قوته الأول يبقى في محيطها: خليج أكثر تماسكاً، يمن مستقر لا يشكل مصدر تهديد، اتفاق مكة قادر على الردع والوساطة، وعلاقة مع إيران تنتقل تدريجاً من إدارة الأزمات بعد انفجارها إلى محاولة منع انفجارها أصلاً.

هذه ليست مكافأة لإيران أو للحوثيين، ولا تجاهلاً لمسؤوليتهما عن التصعيد والهجمات. إنها محاولة لقراءة المصلحة السعودية والخليجية والعربية قبل أي شيء آخر. فاستنزاف المملكة ليس مصلحة عربية، وتحويل اليمن مجدداً إلى ساحة حرب مفتوحة ليس انتصاراً لأحد، وتحويل هرمز وباب المندب إلى جبهتين دائمتين سيجعل المنطقة كلها تدفع الثمن.

ربما تكون التسوية اليوم أكثر مرارة مما كانت عليه قبل سنوات. وربما يضطر كل طرف إلى ابتلاع جزء من مطالبه وطموحاته. لكن السياسة تبدأ أحياناً من الاعتراف بأن تغيير الوقائع أصبح أكثر كلفة من التعايش معها. والكأس المر، في السياسة كما في الحروب، قد يكون أحياناً أقل مرارة من الكأس الذي يأتي بعده.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث