عندما تصبح الخصومة مصدر قوة: "بريكس" في اختبار الهند

وائل عوادالجمعة 2026/09/18
Getty-18Th Brics Summit In New Delhi
Getty
حجم الخط
مشاركة عبر

إذا كنت من زوار العاصمة دلهي في الأيام القليلة الماضية، فإن ما يلفت نظرك اليوم هو أعلام مجموعة "بريكس" المرفوعة في شوارع نيودلهي بمناسبة القمة الثامنة عشرة. وهي أعلام تعكس مشهداً لا تحاول أي مجموعة اقتصادية كبرى أخرى تقديمه: طاولة يجلس حولها كل من إيران والسعودية والإمارات ومصر كأعضاء متساوين، على الرغم من اختلاف تحالفاتهم ومصالحهم الأمنية، وعلى الرغم من أن المنطقة شهدت خلال الأشهر الماضية مواجهة عسكرية مباشرة مرتبطة بالحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران.

وهذه المسألة ليست تفصيلاً هامشياً في القمة، بل قد تكون الحقيقة الأبرز التي تكشف طبيعة ما آلت إليه مجموعة "بريكس". تكتل يستطيع أن يجمع الخصوم تحت سقف واحد، لكنه لا يستطيع بالضرورة أن يجعلهم يتفقون على كل شيء.

 

هذا التكتل قائم على التوسع لا على التحالف. فلم تكن "بريكس" يوماً تحالفاً تعاقدياً على غرار حلف الناتو، ولا اتحاداً جمركياً مثل الاتحاد الأوروبي؛ بل كانت أقرب إلى ائتلاف تمليه المصالح، حيث توحدت الدول الأعضاء ليس بدافع القيم المشتركة، بل سعياً وراء مصالح اقتصادية واستراتيجية مشتركة، وفي مقدمتها إصلاح نظام الحوكمة الاقتصادية العالمية وتوسيع خيارات دول الجنوب العالمي بعيداً عن المؤسسات التي يهيمن عليها الغرب.

وهذا الطابع المرن هو بالتحديد ما أتاح للمجموعة التوسع سريعاً. غير أن المرونة نفسها تحمل ثمناً؛ فكلما اتسعت العضوية، أصبحت المصالح المتعارضة أكثر حضوراً داخل التكتل، وأصبح التوصل إلى مواقف سياسية مشتركة أكثر صعوبة.

وفي الواقع، إذا نظرنا إلى العمر القصير لهذه المجموعة، نجد أنها تتوسع باستمرار، وهناك أكثر من 30 دولة على قائمة الانتظار للانضمام. وهذا يعني أنها لم تعد مجرد تجمع اقتصادي عابر، بل أصبحت إطاراً دولياً مرشحاً للاستمرار والتوسع.

 

عندما انضمت إيران إلى جانب السعودية ومصر والإمارات، لم تكن مجموعة "بريكس" تضيف اقتصادات جديدة فحسب، بل كانت تستوعب داخل المؤسسة نفسها واحدة من أكثر البيئات الجيوسياسية تعقيداً في العالم: إيران ودول الخليج، لكل منها علاقاتها وتحالفاتها وحساباتها الأمنية المختلفة.

والأهم أن هذه الدول لا تأتي إلى "بريكس" من الخلفية الجيوسياسية نفسها. إيران تنظر إلى المجموعة باعتبارها فرصة لكسر العزلة الاقتصادية وتوسيع علاقاتها مع القوى غير الغربية، بينما تحتفظ السعودية والإمارات بعلاقات أمنية واقتصادية وثيقة مع الولايات المتحدة والغرب. أما مصر، فتتحرك هي الأخرى بين دوائر استراتيجية واقتصادية متعددة.

وهنا تظهر طبيعة "بريكس" الحقيقية: هي ليست نادياً للدول المتحالفة، بل منصة للدول التي تتقاطع مصالحها، حتى عندما تختلف رؤاها السياسية. لسنوات، كان التوتر بين إيران ودول الخليج العربية داخل "بريكس" ظاهرة دبلوماسية مثيرة للاهتمام أكثر منه أزمة داخلية حقيقية. لكن التطورات العسكرية الأخيرة جعلت هذا التناقض أكثر وضوحاً.

 

لقد أصبح السؤال المطروح على المجموعة أكثر صعوبة: ماذا تفعل منظمة اقتصادية عندما يجد أعضاؤها أنفسهم أمام أزمة أمنية تمس مصالحهم بشكل مباشر؟ وهذا يكشف مشكلة أساسية: كلما زادت القضايا الأمنية والسياسية التي تدخل إلى جدول أعمال "بريكس"، أصبح الحفاظ على التوافق أصعب. لكن ربما يكون من الخطأ قياس نجاح "بريكس" فقط بقدرتها على إصدار بيانات سياسية موحدة.وجود السعودية والإمارات ومصر إلى جانب إيران يكشف طبقة أخرى من هذا التناقض الهادئ. الرياض وأبوظبي ترتبطان بعلاقات أمنية واقتصادية وثيقة مع واشنطن، بينما إيران في موقع مختلف تماماً، وقد بنت جزءاً كبيراً من استراتيجيتها الإقليمية على مقاومة النفوذ الأميركي.

 

بالنسبة إلى نيودلهي، "بريكس" ليست مشروعاً لبناء معسكر ضد الغرب؛ بل أداة لتوسيع هامش استقلالها الاستراتيجي والاقتصادي. الهند تريد أن تتعامل مع الولايات المتحدة، وتحافظ في الوقت نفسه على علاقاتها مع روسيا وإيران ودول الخليج والصين، من دون أن تضطر إلى اختيار معسكر واحد. لكن وراء هذا الحساب الجيوسياسي توجد مصلحة اقتصادية مباشرة وواضحة.

الهند تحتاج إلى الطاقة الخليجية، والأسواق العربية، والاستثمارات الخليجية، وإلى إيران كبوابة تجارية نحو آسيا الوسطى وأفغانستان، وإلى ممرات نقل بديلة وأكثر كفاءة.

وهنا يبرز ميناء تشابهار، الذي يمثل بالنسبة للهند أكثر من مجرد مشروع بنية تحتية. فهو جزء من رؤية أوسع لربط الهند بآسيا الوسطى عبر إيران، وتنويع طرق التجارة وتقليل الاعتماد على مسارات تمر عبر دول قد تكون علاقاتها مع نيودلهي معقدة.

 

وبالتالي، فإن الحفاظ على مساحة للتعاون مع إيران، وفي الوقت نفسه تعميق العلاقات الاقتصادية مع السعودية والإمارات ومصر، يخدم مصلحة هندية مباشرة. الهند لا تريد أن تتحول الخلافات الجيوسياسية داخل "بريكس" إلى حواجز أمام التجارة والطاقة والاستثمار والربط الإقليمي. وهذه ربما هي أهم مصلحة اقتصادية للهند في القمة: استخدام اتساع "بريكس" لفتح أسواق جديدة، وتأمين مصادر الطاقة، وتوسيع الاستثمارات، وتعزيز ممرات النقل، وتقليل المخاطر المرتبطة بالاعتماد على مسار أو شريك واحد.

ليست العلاقة الهندية–الإيرانية مجرد صفقة تجارية عابرة؛ إنها علاقة حضارية عمرها قرون، تشابكت فيها اللغة والثقافة والتجارة والأفكار، وانتقلت عبرها التأثيرات الفارسية إلى السياسة والإدارة والفنون والأدب في الهند. لكن استحضار هذا العمق التاريخي لا ينبغي أن يكون مجرد زخرفة عاطفية.فالعمق الحضاري يمنح الهند مساحة دبلوماسية للتعامل مع إيران لا توفرها العلاقات المعاملاتية وحدها.

وقد تمكنت نيودلهي، على مدى سنوات، من الحفاظ على قنواتها مع طهران، بينما طورت في الوقت نفسه علاقات استراتيجية قوية مع واشنطن ودول الخليج.وهذه إحدى صور الاستقلال الاستراتيجي الهندي: عدم السماح للخلاف بين القوى الكبرى بأن يفرض على الهند التخلي عن مصالحها مع أحد الأطراف.

 

وبالنسبة إلى الهند، فإن العلاقة مع إيران لها قيمة اقتصادية وجيوسياسية في آن واحد: الطاقة، والتجارة، وتشابهار، والربط مع آسيا الوسطى، وتنويع طرق الوصول إلى الأسواق.

وهنا تكمن أهمية أخرى لـِ "بريكس" بالنسبة إلى نيودلهي: أن تكون المنصة التي تسمح للهند بالحفاظ على هذه العلاقات المتوازية، بدلاً من أن تتحول إلى ساحة تفرض عليها الاصطفاف مع طرف ضد آخر.

 

هناك قراءتان لهذا الوضع المتناقض داخل المجموعة: 

الأولى ترى أن التوسع أضعف تماسك المجموعة. فالتكتل الذي يجد صعوبة في الاتفاق على صياغة موقف بشأن أزمة تمس اثنين أو أكثر من أعضائه، قد يجد صعوبة أكبر في التحول إلى فاعل جيوسياسي متماسك.

لكن القراءة الثانية أكثر تفاؤلاً. فربما لا تحتاج "بريكس" أصلاً إلى أن تصبح تحالفاً سياسياً حتى تكون مؤثرة. إذا استطاعت إيران والسعودية والإمارات ومصر أن تختلف سياسياً وأمنياً، لكنها تستمر في التجارة والاستثمار والتمويل والتنسيق الاقتصادي، فإن ذلك يمثل تجربة مهمة في العلاقات الدولية: التعاون الاقتصادي لا يشترط التحالف السياسي.

وهذا بالضبط ما يناسب الرؤية الهندية. الهند لا تريد "بريكس" منقسمة، لكنها أيضاً لا تريد "بريكس" متجانسة أيديولوجياً.ما تريده هو منصة تستطيع فيها الدول المتنافسة أن تتعاون عندما تتقاطع مصالحها، من دون أن تتحول المجموعة إلى تحالف ضد طرف آخر.

 

هل ستنجح الهند في إنتاج لغة توافقية حول حرب غرب آسيا؟ إذا تمكنت "بريكس" من الوصول إلى مواقف مشتركة، حتى لو كان عامة ومحسوبو، فهذا يعني أن توسع المجموعة لن يضعف قدرتها على التحدث بصوت واحد.أما إذا عجزت عن ذلك، فسيكشف أن "بريكس" توسعت أسرع مما تطورت قدرتها على إدارة خلافات أعضائها. وفي تكتل يضم خصوماً ومتنافسين، قد يكون الوصول إلى الحد الأدنى من التوافق هو النجاح الحقيقي.

وهنا تكمن خصوصية الرؤية الهندية:الهند لا تريد أن تختار بين القوى؛ بل تريد أن تحتفظ بالقدرة على التعامل مع الجميع لا تريد. وقد تكون المفارقة الأكبر في "بريكس" أن ما يبدو نقطة ضعف فيها قد يتحول إلى مصدر قوتها: أن يجلس الخصوم معاً، لا لأنهم أصبحوا حلفاء، بل لأن مصالحهم أقوى من خلافاتهم.

وبالنسبة إلى الهند، فإن نجاح مجموعة "بريكس" لا يقاس بقدرتها على توحيد مواقف أعضائها سياسياً، بل بقدرتها على منع خلافاتهم من تدمير مصالحهم المشتركة. فإذا نجحت في ذلك، لن تكون "بريكس" تحالفاً بين الأصدقاء، بل نموذجاً جديداً للتعاون بين الخصوم.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث