فضيحة دولية لإسرائيل.. "نازا" ليس مجرد "أضرار جانبية"

حلمي موسىالخميس 2026/09/17
Getty-The Mural In Israel Targeting The Directors Of The Naza Documentary
اليمين في إسرئيل يستهدف مخرجي الفيلم (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

ما أن عُرض فيلم "نازا" في مهرجان البندقية ونال التصفيق والتقدير والجائزة حتى انفجر الغضب في إسرائيل لأكثر من سبب وذريعة. فالفيلم في نظر قادة إسرائيل ليس أقل من "عملية إرهابية دولية" تعبّر عن مقدار "الكراهية للسامية" وهي أقرب إلى "فرية دم" جديدة إسرائيل بريئة منها أكثر من براءة الذئب من دم يوسف. وزاد الطين بلة أن الفيلم استُخدم داخلياً في المعركة الانتخابية ضد كل من يمكن أن يعترض على أداء رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، المتهم دولياً بارتكاب جرائم حرب ترقى لمستوى الإبادة الجماعية. ولا ريب أن الفيلم في الواقع الدولي الراهن ألهب العداء لإسرائيل ووحشيتها في الأوساط الشعبية والإعلامية في كل مكان. 

فالفيلم هو المتمم للقاعدة الإعلامية التي ترى أن "من يفعل الخير ينال التقدير على فعله"، وأن من يفعل الشر سينال الجزاء. وإسرائيل في حربها الإجرامية في غزة ولبنان على وجه الخصوص، كانت تحاول تغطية الحقيقة بغربال منع الإعلام الأجنبي من الحضور، وتجريم الإعلاميين الفلسطينيين واتهامهم بالإرهاب لنشرهم الوقائع. وعمدت إسرائيل طوال الوقت لادعاء نظافة الكف من الإجرام الحربي، وادعاء أن كل الضحايا المدنيين ليسوا كذلك بل هم جزء من المنظومة الحربية المعادية. ورقم 20 ألف طفل بين ما يزيد عن 70 ألفاً من الضحايا وأكثرهم من النساء والشيوخ، اعتُبر "أضراراً جانبية" لفعل حربي مبرر.

 

فضح آليات القتل

وجاء الفيلم الذي يحمل اسم "نازا" ليفضح الجريمة من الداخل. و"نازا" ليس اسم تحبب للعبة أطفال وإنما هو الاختصار الذي يستخدمه الجيش الإسرائيلي لتعبير "أضرار  جانبية". فتعبير "نيزك أغابي" باللغة العبرية والذي يعني "ضرر جانبي" أو "ضرر عرضي"، جرى اختصاره بـ"نازا"، حيث يشير تقنياً إلى عدد المدنيين الأبرياء الذين تتوقع المخابرات مقتلهم في غارة جوية محددة. والفيلم الذي حقق بعد فوزه بجائزة مهرجان البندقية، رقماً قياسياً في التصفيق تخطى الـ24 دقيقة بعد أن كان فيلم "صوت هند رجب" قد حقق رقماً قياسياً سابقاً وصل إلى 22 دقيقة، هو من إخراج الإسرائيليين يوفال إبراهام وراشيل شور. 

Getty-83 Venice International Film Festival 2026
الفيلم "نازا" فاز بجائزة مهرجان البندقية (Getty)

ويُعتبر الاستقبال بالتصفيق الأضخم والأطول في مهرجان البندقية، حيث يعرض بشكل مفصل الأنظمة التقنية الكامنة خلف القتل الجماعي للفلسطينيين في غزة وبينها أنظمة ذكاء اصطناعي. يُذكر أن المخرجين أبراهام وشور شاركا في الماضي مع فلسطينيين في إخراج فيلم "لا وطن آخر" الذي وثّق مساعي إسرائيل لتهجير الفلسطينيين من بيوتهم في جنوب الضفة الغربية، والذي فاز بجائزة الأوسكار لأفضل فيلم وثائقي عام 2025. والفيلم من إنتاج جهات عديدة، من بينها صحيفة الغارديان، والمنتج جيمس ويلسون من شركة "JW Films"، بينما يشغل جوناثان جليزر منصب المنتج التنفيذي.

كما أن الفيلم أضيف إلى قائمة الأفلام المشاركة في المهرجان بعد حوالي شهر من نشر البرنامج الكامل للمهرجان رسمياً في تموز/يوليو الفائت. وحسب المخرجين، تم العمل على الفيلم بجهد مكثف طوال الأعوام الثلاثة الماضية  حيث كان موضوع الفيلم المركزي ليس فقط ما حدث في حرب الإبادة الجماعية في غزة، وإنما كيف اتُّخذت قرارات القتل والاستهداف داخل المنظومة الإسرائيلية بشكل واعي ومخطط، وكيف تحوّل تعبير "نازا" إلى طريقة حساب عدد المدنيين المتوقع مقتلهم في كل غارة عسكرية. وتوضح بعض الشهادات في الفيلم، أن الأمر لا يتعلق بخطأ عسكري عابر، وإنما  توفر آلية عمل تجعل قتل المدنيين هدفاً معلناً ومحسوباً.

وبحسب ما نُشر، فإن الفيلم الوثائقي استند أساساً إلى محتوى سبق نشره في وسائل إعلام يسارية إسرائيلية، مثل مجلتي "972+" و"سيحا مكوميت"، بالإضافة إلى تقارير في صحيفة "الغارديان" البريطانية، نُشرت بين عامي 2023 و2025. ونظراً لحساسية الأمر تم تصوير الفيلم الوثائقي بسرية تامة وفي ساعات متأخرة من الليل فوق أسطح مبانٍ في  تل أبيب، عبر مقابلات مع ما لا يقل عن 24 ضابطاً وجندياً، بينهم أشخاص مرتبطون بوحدة الاستخبارات 8200، ممن خدموا في حرب غزة. 

 

في قلب الانتخابات

وتشهد الانتخابات العامة الإسرائيلية معركة شديدة حول 7 أكتوبر ونتائجها ودور أطراف الحكومة والمعارضة فيها. ولأن هذه المعركة تتمحور حول شخص رئيس الحكومة ودوره فيها، يتعاظم التركيز على نظرية المؤامرة والتي بلغت ذروتها في تلميح زوجة نتنياهو إلى أن قادة حاليين وسابقين في الجيش سمحوا بوقوع الطوفان لإسقاط زوجها. وأشارت مثلاً إلى أن الجنرال يائير غولان كان مستعداً بلباسه العسكري للمشاركة في التصدي للفلسطينيين لأنه كان يعلم بما سوف يحدث. وجاء فيلم "نازا" ليؤكد لأصحاب هذه النظرية "صدق" اتهاماتهم من خلال الإشارة إلى أن "يساريين" في الجيش والاستخبارات، يقفون وراء الفيلم لتدمير صورة إسرائيل. وتشارك أغلب قوى اليمين وعلى رأسها الليكود، في إشاعة نظرية المؤامرة: الخونة اليساريون تعاونوا مع حماس ونسّقوا معها هجوم 7 أكتوبر، وهم يُكملونه بطرق أخرى.

وليس صدفة أن أول رد لنتنياهو على عاصفة الفيلم قوله للإسرائيليين لماذا تستغربون ذلك بعد أن أعلن يائير غولان أن قتل الأطفال بات "هواية" في الجيش الإسرائيلي، فيما أن رئيس رابطة المخرجين السينمائيين السابق إيليران إيليا مرشح على قائمة غادي آيزنكوت (يشار). ودعا وزير الثقافة والرياضة ميكي زوهار، إلى إجراء تحقيق حول ما إذا كان هناك تعاون بين صنّاع الفيلم وحماس. وأشار الليكود في بيان، إلى أن معارضي نتنياهو هم "ائتلاف آيزنكوت مزيج من اليسار واليسار المتطرف وجماعة الإخوان المسلمين التابعة لمنصور عباس". وطالب وزير إسرائيلي باعتقال مخرجي الفيلم وإسقاط الجنسية الإسرائيلية عنهم، فيما أعلن الجيش أنه قدم شكوى ضدهم لاتخاذ إجراءات بحقهم بتهمة الافتراء على الجيش والإضرار بالدولة. وأعلن رئيس الأركان الجنرال إيال زامير، أن الفيلم يشيع "اتهامات باطلة ومضللة"، وأن الفيلم "يتبنى روايات كارهي إسرائيل، ويهدف إلى حرماننا من حقنا في الدفاع عن أنفسنا، ويعرّض الجنود في الميدان للخطر". وطبيعي أنه أمام مثل هذه الحملات، خصوصاً من الجيش، سارع قادة المعارضة إلى التسابق على حمل الراية ضد الفيلم. 

 

الكذب المفضوح

سمع العالم بأسره وزراء إسرائيليين يعلنون جهاراً نهاراً نيتهم قتل الفلسطينيين في غزة، بالنار حيناً، وبالتجويع والتعطيش حيناً آخر. وإسرائيل أعلنت رسميا نيتها تهجير الفلسطينيين من غزة بكل السبل الممكنة واستغربت موقف مصر مثلاً. ومع ذلك حمل القادة الإسرائيليون مدنيون وعسكريون على الفيلم وصانعيه، معتبرين أنهم يفترون على الحقيقة. وشكّل الجيش فريقاً متعدد المؤسسات والتخصصات، بقيادة رئيس قسم التخطيط، لوضع آليات عمل وأدوات للتعامل مع الادعاءات الكاذبة ضد الجيش الإسرائيلي وجنوده. ومع ذلك قرر الجيش دراسة جوانب أمن المعلومات والتورط المحتمل في تسريب مواد سرية استُخدمت في إنتاج الفيلم.

وقال المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي: "لم يخطط الجيش الإسرائيلي، ولم يوافق، ولم ينفذ أي هجوم على غزة كان من المتوقع أن يُقتل فيه 500 مدني أو ما يقارب هذا العدد". 

لكن البحث يوصل إلى نتائج مختلفة تماما، بينها على سبيل المثال لا الحصر، عملية استهداف المستشفى المعمداني في غزة في 17 تشرين الأول/أكتوبر 2023، والتي أوقعت ما يقارب الألف شهيد وجريح في غارة واحدة بعد أن طلب الجيش إخلاء المستشفى. ومجزرة مخيم جباليا في 31 أكتوبر 2023، والتي أسقطت ما لا يقل عن 400 شهيد وجريح. ومجزرة مدرسة الفاخورة في جباليا في 18 تشرين الثاني/نوفمبر 2023، والتي راح ضحيتها ما لا يقل عن 200 شهيد وجريح. ومجزرة الطحين قرب دوار النابلسي في غزة والتي أوقعت ما يقارب الألف شهيد وجريح. ومجزرة مواصي خانيونس في 13 تموز/يوليو 2024، والتي استهدفت اغتيال قائد القسام الشهيد محمد الضيف وأودت بحوالي 400 بين شهيد وجريح. والجرائم تتوالي حتى الآن في غزة والضفة ولبنان وكل مكان تعمل فيه القوات الإسرائيلية.

ثمة في إسرائيل من يعتقد أن إعداد مثل هذا الفيلم يكشف عن عمق التحول الذي طرأ على من يعتبرون أنفسهم يساراً في إسرائيل، حيث يشعرون أن إسرائيل لم تعد لهم وإنما باتت عبئاً عليهم. وكتب موشيه كوهين-إيليا، في موقع "واللا": "إذا كان اليسار الإسرائيلي في الماضي صهيونياً واشتراكياً، من رحم بن غوريون، فإن يوفال أبراهام هو التعبير المُهذّب عن اليسار الجديد: ما بعد القومي، بل وحتى المُعادي للصهيونية جزئياً. إنه يسار يضع معاناة العدو في صميم اهتمامه أكثر بكثير من معاناة شعبه؛ يسار يسعى إلى تفكيك جزء من تفوق إسرائيل العسكري والتكنولوجي والسياسي باسم تصحيح ظلم الشعب الفلسطيني المُضطهد".

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث