رغم إعلان السلطة الفلسطينية عن حزمة انتخابية شاملة تتضمن التشريعية والرئاسية والمجلس الوطني، وحديث قياداتها عن الإصرار على إجراء الانتخابات وفق الحزمة المعلنة في الضفة الغربية والقدس وغزة تحديدًا، أو الذهاب إلى توافق وطني واسع وفق خطة "ب" جاهزة بحال تعذر إجراء الاستحقاقين التشريعي والرئاسي بالداخل، إلا أن انتخابات المجلس الوطني انطلقت بالخارج بمعزل عن هذا كله عبر مجمعات انتخابية انتقائية، بغياب التوافق الوطني ولجنة مستقلة للإشراف على الانتخابات، في ظل قيادة مسؤولين حركيين لها.
دعاية إصلاحية
وبدا المشهد فعلًا أشبه بالعراضة والفولكلور الحزبي، ولا ينفصل عن الانتخابات أو العراضات الأخرى التي سبقتها، بما فيها النقابية والطلابية والمؤتمر الثامن لحركة فتح، وحتى الانتخابات المحلية الهزيلة - الخالية من الدسم السياسي - مع دعاية إصلاحية مكثفة، بينما كانت العراضات بمثابة طريق التفافي على الإصلاحات المطلوبة وفق خارطة طريق توافقية وطنية حاضرة أصلًا في التفاهمات التي سبقت الحزمة الانتخابية الملغاة بالعام 2021، كما كومة الوثائق والاتفاقيات الناتجة عن جولات الحوارات الفصائلية المتعددة والمتنقلة عبر العواصم العربية والدولية خلال العقدين الماضيين.
إذن انطلقت ما توصف بانتخابات المجلس الوطني عبر مجمعات انتخابية منتقاة بالكويت وقطر والبحرين، مع استعدادات مماثلة في سوريا ولبنان ودول أوروبية وأميركا الشمالية، ويشرف على هذه المجمعات المغلقة أعضاء حركيون من مركزية فتح ومجلسها الثوري، ومن دون وجود لجنة تكنوقراط مستقلة وإعداد سياسي ولوجستي كما ينبغي على مستويات التجمعات والهيئات الفلسطينية بالخارج، وبالطبع من دون توافق وطني أو خارطة طريق جامعة.بدايةً، تعتبر هذه الانتخابات بمجمعاتها وإجراءاتها خارج الترتيب والحزمة الانتخابية التي أعلنتها قيادة السلطة نفسها، وتضمنت إجراء الانتخابات التشريعية نهاية تشرين الثاني/نوفمبر القادم، ثم الرئاسية مطلع العام 2027، وبعد ذلك انتخابات المجلس الوطني المرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالترتيب السابق قانونيًا وسياسيًا ولوجستيًا كذلك.
ماذا عن الأولوية؟
وفق النظام الرئاسي المعمول به في السلطة، كان يفترض أن تكون الأولوية للانتخابات الرئاسية ثم التشريعية وأخيرًا المجلس الوطني، باعتبار نواب التشريعي وفق القانون أعضاء بالوطني، ولا بد أن يكونوا حكمًا جزءًا من التوافق لتعيينات الوطني حال تعذر إجراء الانتخابات بالخارج كونهم أعضاء منتخبين فيه.
إضافة إلى ما سبق، فلم يجرِ التوافق على فكرة المجمعات الانتخابية التي لم تطرح أساسًا خلال النقاشات والحوارات السابقة، وكان الحديث طوال الوقت عن عملية انتخابية مفتوحة وشاملة وبالطبع شفافة ونزيهة، أو الذهاب إلى التعيين بالتوافق بحال تعذر إجرائها.
وبالعودة إلى المجمعات - العراضات الانتخابية بالخارج - فقد جاءت مفاجئة ومن دون إعلان وإعداد مسبق، وبدون إشراف لجنة مستقلة أو ممثلية للجنة الانتخابات العامة بالخارج، حيث لم يتم تشكيل لجنة انتخابية مستقلة من شخصيات كفؤة ونزيهة بالخارج مرتبطة بشكل ما مع اللجنة العامة للانتخابات بالداخل، كون العملية واحدة ومترابطة ويفترض أن تجري بعيدًا عن الانتماء الحزبي، بينما جاء إشراف لجنة حركية تابعة لفتح على المجمعات الانتخابية بما ينال بالضرورة من نزاهة واستقلالية العملية على علاتها.إلى ذلك، جاءت المجمعات الانتخابية منتقاة ومغلقة ومعتمة، ولا يعرف أحد كيف تم اختيار المشاركين فيها ومن أعطاهم الحق بالترشح والاقتراع.
وفي ما يخص جوهر العملية الانتخابية، فكان يجب إجراء الانتخابات التشريعية أولًا ثم الرئاسية ثم المجلس الوطني، بينما تحدث نائب الرئيس حسين الشيخ أواخر آب/ أغسطس الماضي عن إصرار على إجراء الحزمة الانتخابية الكاملة بشكل عام بالداخل "القدس وغزة تحديدًا" والخارج، مع مزاعم بامتلاك خطة "ب" لكن على قاعدة الإصرار أولًا على إجرائها وفق الخطة "أ" المعلنة.
لغة مختلفة
خلال اليومين الماضيين، تحدث مسؤولون آخرون بفتح والسلطة بلغة مختلفة، حيث استخدم عضو اللجنة المركزية لفتح رئيس جهاز المخابرات العامة اللواء ماجد فرج عبارة "سواء أجريت الانتخابات أو لا"، بينما جزم أمين سر المركزية جبريل الرجوب قطعًا بعدم إجراء الانتخابات وفق المواعيد والترتيبات المعلنة. في هذا السياق، كان حسين الشيخ قد ادعى امتلاك خطة "ب" حال تعذر إجراء الانتخابات بالوطن والشتات، تضمنت تعيين أعضاء المجلس الوطني بالتوافق وإعادة تشكيل منظمة التحرير باعتبارها المرجعية المؤسساتية والقيادية العليا للشعب الفلسطيني وصاحبة قرار تأسيس السلطة المفترض أن تكون تابعة لها.
بناءً على ما سبق، جاء إجراء الانتخابات بالخارج عبر مجمعات مغلقة وبغياب الشفافية والنزاهة والعدالة بمثابة وضع العربة أمام الحصان، وهذا ما أثار استياءً واسعًا شعبيًا وفصائليًا وشعورًا بالتهميش لدى فئات واسعة من الجاليات والتجمعات الفلسطينية بالخارج، ورفضًا من حركات حماس والجهاد الإسلامي وتيار محمد دحلان والجبهة الشعبية - نصف الجمهور الفلسطيني على الأقل حسب المزاج الشعبي كما تظهره استطلاعات الرأي - وتحفظًا ملحوظًا حتى من شخصيات وازنة داخل حركة فتح نفسها.
بالعموم، بدا المشهد الانتخابي بالخارج شكليًا ودعائيًا وتعبيرًا عن الأزمة لا جزءًا من الحل، تمامًا كما العراضات السابقة بما في ذلك المؤتمر الثامن لفتح ومهرجانات الطلاب والشبيبة التي تهدف أساسًا إلى إعادة إنتاج القيادة والطبقة السياسية الفاشلة نفسها، وتمثل من جهة أخرى طريقًا التفافيًا على الإصلاح الحقيقي والجدي والمطلوب، والذي يمر حتمًا بتوافق وطني واسع وعملية انتخابية شفافة ونزيهة وممكنة بالداخل والخارج كي يختار الشعب الفلسطيني القيادة الجديرة بالدفاع عن مصالحه وتحقيق آماله الوطنية المشروعة في السيادة والاستقلال وتقرير المصير.




