تتسارع وتيرة الحركة الدبلوماسية بين أنقرة ودمشق بشكل غير مسبوق، محولة ملفات المنطقة من أطر التنسيق الأمني الضيق ومجرد حوارات ضبط الحدود، إلى مسارات الشراكة المؤسسية والاستراتيجية الشاملة.
وبدت الزيارة الرسمية التي قام بها وزير الخارجية التركية هاكان فيدان، إلى دمشق في 13 أيلول/سبتمبر الجاري، محطة مفصلية من هذه المرحلة الجديدة؛ إذ جاءت بعد أيام قليلة فقط من زيارة وزير الخارجية السورية أسعد الشيباني إلى أنقرة، لتمهد الطريق عملياً وتضع اللمسات الأخيرة على جدول أعمال الزيارة المرتقبة للرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى دمشق.
"توقيت دقيق"
ويرى الباحث في العلاقات الدولية المقيم في إسطنبول، طه عودة أوغلو، في حديث لـ"المدن"، أن زيارة فيدان تأتي في توقيت دقيق يعكس تعاظم الملفات المطروحة على طاولة القيادتين، موضحاً أن "الزيارة جاءت لترتيب وتثبيت المعادلات والملفات الشائكة بين البلدين، خصوصاً بعد أن العلاقة انتقلت من مرحلة الحديث عن الأطر الأمنية المباشرة إلى مرحلة تأسيس مجلس التعاون الأعلى، وشمول التعاون مجالات استراتيجية متعددة كالسياسة، والاقتصاد، والنقل، والدفاع".
ويؤكد عودة أوغلو أن الغاية التركية الأساسية تتجلى في رؤية "سوريا مستقرة كلياً"، مشيراً إلى أن أنقرة تربط أمنها القومي بأمن سوريا وسيادتها، وتسعى لردع المخاطر الخارجية ولا سيما الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة.
من جهته، يقدم الباحث في مركز "جسور للدراسات" وائل علوان، تفكيكاً لموقف الأوساط السورية من هذا الانخراط التركي المتزايد، مميزاً بين البُعدين الشارعي والنخبوي. ويوضح لـ "المدن"، أن "عموم الناس ينظرون بإيجابية واضحة إلى الدور التركي باعتبار أن التجربة التركية النموذجية في العمران والاقتصاد تُعد بوصلة ملهمة للتجربة السورية الجديدة".
وفي مقابل ذلك، يلفت إلى أن النخب السياسية السورية "ورغم تثمينها للوزن الإقليمي والدولي لأنقرة ودورها الداعم لاستقرار سوريا، إلا أنها تدير علاقاتها بحذر لضمان عدم فقدان التوازن بين القوى الإقليمية والدولية". ويضيف أن "حكم الجغرافيا يجعل الحضور التركي وازناً بشكل طبيعي، غير أن الدول تسعى دائماً لتقديم مصالحها، وهو ما يستدعي من دمشق الاستفادة من هذا الدعم لتمكين مؤسساتها الوطنية دون التفريط بمرونة قرارها السياسي".
تفكيك "قسد" ورهانات الشمال
يُمثل ملف شمال شرق سوريا وحل قسد الاختبار الأكثر تعقيداً وجدية لهذه الشراكة؛ حيث تسعى أنقرة إلى ضمان إنهاء أية منظومات مسلحة مرابطة بالقرب من حدودها الجنوبية، بينما تعمل دمشق على استعادة السيطرة الإدارية والعسكرية الكاملة وفق رؤية سياسية تدريجية وتفاوضية لدمج المكونات ضمن الجيش السوري والمؤسسات الرسمية.
ويشير عودة أوغلو إلى أن أنقرة أبدت ارتياحاً لطريقة إدارة دمشق لهذا الملف، قائلاً: "يبدو واضحاً أن أنقرة تترك هذا الملف في ملعب القيادة السورية، التي اتبعت سياسة حكيمة للتعامل مع اندماج قسد، وما يهم تركيا بالدرجة الأولى هو أن تكون كافة الأسلحة والقوات تحت سيادة الدولة".
من جانبه، يتطرق علوان إلى المسببات الإقليمية والدولية التي سرّعت من إنهاء منظومات ما دون الدولة، مؤكداً أن دمشق تعاملت مع تفكيك "قسد" بنَفَس طويل وحكمة حققت منافع مشتركة إقليمية وسورية.
غير أنه يُحذر من أن "المهمة لم تنتهِ كلياً، والأجزاء المتبقية من عملية الدمج لا تزال تنطوي على مخاطر عالية؛ إذ توجد مجموعات قد تخرج عن قرار قسد وعن سلطة الدولة نتيجة استثمارات ورعاية خارجية من أطراف متضررة من استقرار سوريا".
ويرى أن تركيا اليوم باتت "أقرب إلى تقديم الدعم والتسهيلات للحكومة السورية بدلاً من ممارسة الضغط عليها"، مع عدم استبعاد لجوء دمشق إلى الخيار العسكري الحاسم ضد أي جيوب مسلحة ترفض الاندماج الكامل في الدولة.
اختبار الجنوب والاعتداءات الإسرائيلية
لا يتجزأ الحراك التركي في الشمال عن التعقيدات الميدانية المشتعلة في الجنوب السوري (السويداء والقنيطرة)، إذ تُلقي الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة والتصعيد الميداني بظلالها على خيارات دمشق، وسط تساؤلات حول إمكانية لعب أنقرة دور الوسيط الضامن أو الداعم لضبط التوازنات الأمنية في الجنوب وحماية التماسك الجغرافي.
ويوضح طه عودة أوغلو أن الرؤية التركية تحذر من خطورة الهشاشة الأمنية في الجنوب، مشيراً إلى أن "أنقرة ترى أن أي فراغ أمني أو انقسام جغرافي في جنوب سوريا (السويداء والقنيطرة) سيحفز أطرافاً خارجية وخاصة الاحتلال الإسرائيلي على التوسع والعبث بوحدة البلاد".
ومن هذا المنطلق، تؤكد أنقرة تقديم دعم سياسي واستخباري قوي لدمشق لبسط نفوذها وأمنها على كامل ربوع سوريا ومنع أي مخططات للتقسيم أو الاقتطاع.
وفي ما يتعلق بمفهوم الوساطة التركية أو الإقليمية في أزمات الجنوب، يجزم علوان أن الاستعانة بالحلفاء لا تتناقض إطلاقاً مع مبدأ السيادة السورية، بل تعززه. ويقول إن "الاستفادة من الدور التركي، أو غيره من الأدوار الإقليمية والدولية كالتحركات الإماراتية والأوروبية، لحل معضلة الاعتداءات الإسرائيلية وضبط الجنوب السوري، تعد نقطة قوة تُحسب لدمشق ولضمان أمنها القومي".
تؤكد زيارة هاكان فيدان إلى دمشق أن العلاقات السورية - التركية دخلت مرحلة بناء التوازنات الاستراتيجية طويلة الأمد، لتجاوز أزمات العقود الماضية وتأسيس حزام أمني واقتصادي متماسك في المنطقة.



