نصف حل لنصف حرب

إيران طهران (Getty)
نظام إقليمي جديد يقوم على توازن القوى (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

بغير هزيمة كاملة، بوسع إيران الادعاء بتحقيق انتصار كامل، ومع هكذا ادعاء يمكن توقع نوع، ونمط، ومستوى، ودرجة الضغط الذي قد تتعرض له دول الخليج بصفة خاصة، من قبل إيران، في مقبل الأيام.

في المقابل، تحتاج الولايات المتحدة إلى تحقيق العلامة الكاملة، في الحرب التي بدأتها ضد إيران منذ شباط/ فبراير الماضي، إذا أرادت الانفراد بخمسين عاماً أخرى من زعامة النظام الدولي، دون منازع، لكن أميركا لا تستطيع شطب ما جرى منذ اندلاع الحرب ضد إيران في شباط/ فبراير الماضي، ولا تستطيع، بحسب مجريات الصراع حتى الآن، الاحتفاظ بكامل الهيبة التي كانت لها قبل بدء الحرب.

مشكلة أميركا أن حربها أكبر من قدرة الآخرين على فهمها، وتوقع مساراتها، ناهيك عن معرفة هدفها الاستراتيجي، ومقدار ما ربحته، أو خسرته، في طريقها إليه.

تريد أميركا الهيمنة على قرن جديد من الزمان، سواء بامتلاك قدرات مستجدة، أو باحتكار مقومات جديدة للقوة والقدرة، طوال مدى زمني ممتد، وهو ما يتطلب بدوره إضعاف منافسين محتملين، والسيطرة على مصادر للثروة أو للمعرفة، تتيح امتلاك مقومات جديدة للقوة والقدرة، ولعل هذا يفسر حرص دونالد ترامب، منذ اليوم الأول من رئاسته الثانية، على السيطرة الكاملة على مصادر للطاقة عالمية، أو كانت عالمية حتى وضع ترامب يده عليها، وأعلن أنها باتت أميركية، من أول خليج المكسيك، الذي أسماه خليج أميركا، وحتى بترول فنزويلا الذي أصابته السيطرة عليه بمزيد من الشراهة المرضية لمزيد من النفط، ثم بترول إيران الذي يسعى بإلحاح للسيطرة عليه هكذا دون أدنى مواربة أو تمويه.

حروب ترامب على مدى عامين منذ رئاسته الثانية، ذات بعد يتعلق بالسيطرة على النفط، وكذلك بالسيطرة على المعادن النادرة، التي باتت السيطرة عليها شرطاً لا بد منه للسيطرة على المستقبل.

ضمن معارك ترامب المغموسة في خلاصة عصير الاستعمار القديم، معركته للسيطرة على إيران، أو -على الأقل- لإضعافها، فهو لا يخفي تطلعه إلى السيطرة على نفط إيران، بل إنه يتعجل الأمر حتى قبل إنجازه، فيعلن عن تغيير اسم مضيق هرمز، ليصبح مضيق ترامب.

 

الشراهة كسلاح

حالة العجلة والشره الظاهر الذي لا يخفيه دونالد ترامب، باتت بذاتها سلاحاً في أيدي خصومه، الذين ما عادوا بحاجة إلى تنبيه دول العالم الأخرى إلى أن أميركا تستعيد بحنين جارف زمن الاستعمار القديم في أعلى تجلياته، دون إخفاء أو تمويه، ودون حاجة إلى التبريرات ومن يبررونها.

لا يعترف دونالد ترامب أبداً بقصور أدواته عن بلوغ أهدافه، فقدراته فائقة! وقيادته فذة! وأهدافه في المتناول، مهما بدت بعيدة لمن قصرت همتهم عن إدراكها. وهو يرى نفسه سيد العالم الأوحد، ويتوقع من ثم أن يأمر فيطاع، وأن يحلم فتتحقق أحلامه.

الزمن وحده هو عدو ترامب الحقيقي الوحيد، فلديه نصف فترة رئاسية، لا يمكن أن تكفي لتحقيق أهدافه في التوسع لضم كندا وجرينلاند والمكسيك، وهو يتطلع إلى حيلة ما يُحسد عليها حكام الديكتاتوريات حول العالم، لتمديد فتراته الرئاسية، أو لتعطيل الدستور الأميركي، أو حتى لتحطيم اللعبة كلها وتكسير قواعدها، والبدء من أول وجديد.

الإيرانيون كذلك، تضخمت ذواتهم، ليس بفضل فائض قوة عندهم، وإنما بفضل ما تركه ترامب سهواً في ساحات القتال ضدهم، فدونالد ترامب هو صاحب براءة اختراع مضيق هرمز، الذي استيقظ آيات الله في قم ذات صباح فوجدوه قد سقط في حجرهم!

من الصعب افتراض أن ما لم يحققه دونالد ترامب في نصف حرب، يمكن أن يتحقق في نصف فترة رئاسية، وبالطبع فإن منطق القوة وحساباتها، لا يسمحان لترامب أن يحتفل بالصمود، بينما يستطيع الملالي الاحتفال بيوم النصر لمجرد أنهم ما زالوا في مركز صنع القرار الإيراني، أو حتى ما دامت رؤوسهم في مكانها فوق الأعناق.

 

نصف هزيمة ونصف قرار

طريق ترامب إلى نصف رئاسة ونصف برلمان، يقوده إلى نصف هزيمة ونصف قرار، ما يمنح صناع قرار الحرب والسلم في طهران، متسعاً من الوقت حتى تتآكل سلطة ترامب وتذوب قراراته.

المشهد الإقليمي، إذا خرجت أميركا بنصف هزيمة، في نصف حرب، سيفتح الباب على احتمالات أغلبها سيّئ. ما يستدعي كبار الإقليم إلى اجتماع في غرفة الخرائط، غايته تأمين حدود الأمر الواقع، وصياغة نظام إقليمي جديد يعتمد مبدأ توازن القوى، وضبط سباق التسلّح، واعتبار الحرب من الممنوعات والمحظورات.

في كل الأحوال، ومهما كان الإطار الأمني المستحدث للإقليم، سواء كان إسلامياً، أو شرق أوسطياً، فإن قلب هذا النظام الإقليمي المنشود يجب أن يبقى عربياً خالصاً، وإلا ذهب الإقليم بدونه إلى ولائم المستقبل كالأيتام على موائد اللئام.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث