أعلنت إيران، اليوم الاثنين، أن السعودية هي التي طلبت تأجيل الاجتماع الإقليمي الذي كان مقرراً عقده في مدينة صلالة العُمانية، اليوم، لبحث ترتيبات الملاحة في مضيق هرمز، وأن الرياض بررت طلبها بالتطورات في اليمن، فيما اعتبرت طهران هذا المبرر "ذريعة واهية". ويكشف الموقف الإيراني الجديد جانباً من كواليس تعثر الاجتماع، الذي سبقته خلافات بشأن صيغة الترتيبات الإيرانية-العُمانية المقترحة لإدارة الملاحة في المضيق، وتحفظات خليجية على الرسوم ومستقبل إدارة الممر البحري، فضلاً عن تصاعد المواجهات بين الحوثيين والقوات المدعومة من السعودية في اليمن.
وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي، خلال مؤتمر صحافي في طهران، "صحيح أن المملكة العربية السعودية طلبت تأجيل هذا الاجتماع"، موضحاً أن الرياض استندت إلى الوضع في اليمن لتبرير طلبها. وأضاف أن "الاستناد إلى المسألة اليمنية كسبب للتأجيل هو ذريعة واهية".
وكانت الرواية الإيرانية الأولى أكثر تحفظاً، إذ قال المدير العام لشؤون الخليج في وزارة الخارجية الإيرانية محمد علي بك، عقب إعلان التأجيل، إن القرار جاء "بناءً على طلب بعض دول المنطقة"، وبقرار مشترك بين إيران وسلطنة عُمان، مؤكداً أن طهران ستواصل التنسيق مع مسقط لتحديد موعد جديد للاجتماع.
وأعلن وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي، تأجيل اللقاء "حرصاً على التوافق"، مؤكداً استمرار التزام بلاده بتعزيز الحوار الذي يدعم الاستقرار والتعاون الدائم في المنطقة، من دون تحديد الجهة التي طلبت التأجيل أو موعد جديد للاجتماع.
اليمن حاضر قبل قرار التأجيل
ويأتي إعلان طهران أن السعودية ربطت طلب التأجيل بالوضع في اليمن بعدما كانت مؤشرات قد ظهرت، قبل إلغاء الاجتماع، إلى أن التصعيد اليمني يهدد انعقاده.
ونقلت "بلومبيرغ"، قبل الإعلان عن التأجيل، عن مصادر مطلعة أن عقد اجتماع صلالة لم يكن قد حُسم، وأن تفاقم المواجهات بين القوات المدعومة من السعودية والحوثيين المدعومين من إيران قد يعقّد خطط عقده، كما لم يكن واضحاً حينها ما إذا كانت جميع دول مجلس التعاون الخليجي ستشارك على مستوى وزراء الخارجية.
وتزامنت هذه التطورات مع تصعيد عسكري متسارع في اليمن، وتقدم الحوثيين على الساحل الغربي وفي محيط باب المندب، الذي يمثل طريقاً بديلاً بالغ الأهمية لصادرات النفط السعودية بعد تعطل حركة الملاحة الطبيعية في هرمز. كما تعرضت السعودية خلال الأيام الأخيرة لهجمات على أهداف عسكرية ومنشآت للطاقة.
خلافات سبقت اجتماع صلالة
لكن التصعيد في اليمن لم يكن المشكلة الوحيدة التي واجهت اجتماع صلالة. فقد ظهرت قبل موعده خلافات بشأن مضمون الترتيبات التي تفاوضت عليها إيران وعُمان لإدارة حركة الملاحة في هرمز.
وقالت "فايننشال تايمز" إن الاجتماع كان يستهدف الحصول على دعم إقليمي لترتيب مؤقت تفاوضت عليه طهران ومسقط خلال الأسابيع الماضية، لكن تأجيله جاء وسط غياب التوافق الخليجي، وشكل انتكاسة للجهود الدبلوماسية الرامية إلى تخفيف الأزمة في المضيق.
وبدأت المفاوضات الإيرانية-العُمانية قبل أشهر. وفي 23 حزيران/ يونيو، اتفقت طهران ومسقط على مواصلة المحادثات بشأن الإدارة المستقبلية للملاحة في المضيق، بما يشمل الخدمات البحرية والتكاليف المرتبطة بها، وتشكيل مجموعة عمل مشتركة بين وزارتي الخارجية، على أن تشمل العملية التشاور مع الدول الساحلية والأطراف المعنية.
وطرحت عُمان في تموز، على إيران مقترحاً يقوم على إدارة إقليمية مشتركة للمضيق، مع دفع شركات الشحن رسوماً بصورة طوعية، بحسب مصدر خليجي تحدث إلى "رويترز". وكان المقترح يعني أيضاً ألا تنفرد إيران بالسيطرة على هرمز. في المقابل، أصرت دول الخليج على عدم فرض رسوم إلزامية على السفن.
خلاف على الرسوم والسيطرة
وظهر حجم الخلاف بصورة أوضح عشية اجتماع صلالة. فقد نقلت "رويترز"، السبت، عن مسؤول إيراني كبير أن طهران لا تزال تريد اتفاقاً يسمح لها بتحصيل رسوم من السفن التي تستخدم المضيق، وهو ما تعارضه سلطنة عُمان.
وقال المسؤول إن اجتماع صلالة جاء بمبادرة عُمانية وكان سيوفر منتدى لمناقشة هرمز وقضايا إقليمية أخرى، لكنه لم يكن متوقعاً أن ينتهي بتوقيع اتفاق نهائي بشأن المضيق.
وتتمسك طهران بأن الوضع في هرمز لا يمكن أن يعود ببساطة إلى ما كان عليه قبل الحرب، عندما كانت السفن تعبر بحرية، بينما تصر دول الخليج على حرية الملاحة وعدم إخضاع السفن لرسوم إلزامية تدفع لإيران.
وكان وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي قد قال إن الاجتماع سيتيح إطلاع الدول المشاركة على تفاصيل المسار البحري الجديد الذي توصلت إليه إيران وعُمان. وأكد مسؤولون إيرانيون أن التفاهم مع مسقط لا يعني إعادة فتح المضيق فوراً، وإنما يضع أساساً قد يسمح بإعادة فتحه لاحقاً.
البحرين ترفض المشاركة
وسبقت التأجيل أيضاً أزمة بشأن المشاركة الخليجية، بعدما أعلنت البحرين أنها لن تحضر اجتماعاً جماعياً مع إيران قبل استعادة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، في حين لم تكن دول المنطقة قد أعلنت بصورة جماعية مشاركتها في اللقاء.
وأكدت طهران قبل التأجيل أن الاجتماع سيضم وزراء خارجية دول خليجية إلى جانب إيران والعراق، لكن دولاً في المنطقة لم تكن قد أكدت مشاركتها، بينما أعلنت البحرين صراحة أنها لن تحضر.
وكانت المنامة قد شددت كذلك على ضرورة أن تضمن أي ترتيبات مستقبلية للمضيق حرية المرور لجميع السفن من دون رسوم أو تصاريح، وهو موقف يتقاطع مع الاعتراض الخليجي الأوسع على منح إيران حقاً منفرداً في فرض رسوم على حركة الملاحة.
اجتماع لن يؤدي وحده إلى فتح هرمز
وفي موازاة الخلافات الخليجية-الإيرانية، تواجه مساعي عُمان عقبة أخرى تتعلق بالخلاف المباشر بين طهران وواشنطن.
وذكرت "فايننشال تايمز" أن الاتفاق المؤقت الذي تفاوضت عليه إيران وعُمان كان يهدف إلى تنظيم حركة الملاحة والحصول على دعم إقليمي، لكنه لن يكون كافياً وحده لإعادة فتح المضيق بصورة كاملة، في ظل استمرار المواجهة الأميركية-الإيرانية.
وتضغط الولايات المتحدة على إيران للسماح بحرية مرور السفن، فيما ترفض طهران العودة إلى الوضع السابق في المضيق ما دام الحصار البحري الأميركي قائماً. وبحسب "بلومبيرغ"، أبلغت القيادة الإيرانية بأنها لن تتراجع بشأن هرمز أو تعود إلى المفاوضات قبل أن يرفع الرئيس الأميركي دونالد ترامب الحصار.
وفي الوقت نفسه، ذكرت تقارير أن إدارة ترامب تريد أن تركز أي مفاوضات جديدة مع إيران على برنامجها النووي، بينما تشير طهران إلى أنها تريد معالجة أزمة هرمز والحصار البحري أولاً.
تعثر دبلوماسي في لحظة حساسة
وجاء تأجيل صلالة في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة لدول الخليج، مع تعرض الطرق البديلة التي استخدمتها لتجاوز هرمز لضغوط متزايدة. فقد اضطرت السعودية إلى إغلاق خط أنابيب "شرق-غرب"، الذي يسمح بنقل النفط من حقول المنطقة الشرقية إلى ساحل البحر الأحمر بعيداً عن هرمز، بعد تعرضه لهجمات بطائرات مسيرة، في وقت وسع الحوثيون سيطرتهم قرب باب المندب، ما زاد المخاوف بشأن الطريق البحري البديل للصادرات السعودية.
وأدى تأجيل المحادثات، إلى جانب الهجمات على البنية التحتية السعودية، إلى ارتفاع أسعار النفط، إذ تجاوز خام برنت 108 دولارات للبرميل خلال تعاملات الاثنين قبل أن يتراجع قليلاً. واعتبرت "فايننشال تايمز" أن تأجيل الاجتماع عرقل الجهود الرامية إلى إدارة حركة الملاحة عبر هرمز وخفض التصعيد.
وفيما لم تعلن سلطنة عُمان موعداً جديداً للاجتماع، أكدت طهران أنها ستواصل التنسيق مع مسقط لإعادة عقده، بينما قال البوسعيدي إن عُمان لا تزال ملتزمة بتهيئة الظروف لحوار يدعم الاستقرار والتعاون الإقليمي.




