دعا الرئيس الأميركي دونالد ترامب، نظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، إلى وقف الهجمات التي تستهدف مصافي النفط ومنشآت إنتاج الديزل الروسية، في موقف يضع ضغوطاً أميركية مباشرة على واحدة من أبرز أدوات كييف العسكرية والاقتصادية لضرب العمق الروسي وتقليص قدرة موسكو على تمويل حربها.
وقال ترامب، خلال زيارة إلى إيرلندا، أمس الأحد، إن على زيلينسكي "التوقف عن تدمير وقود الديزل في روسيا"، معتبراً أن الهجمات الأوكرانية تتسبب في نقص عالمي في الوقود و"تضر بالعالم". وأضاف أن أوكرانيا تستطيع استهداف "عدد من الأهداف الأخرى" داخل روسيا، مشيراً إلى أنه تحدث بالفعل مع زيلينسكي بشأن المسألة.
ويمثل تصريح ترامب تدخلاً مباشراً في اختيار الأهداف الأوكرانية داخل الأراضي الروسية، بعدما وسّعت كييف خلال الأشهر الماضية حملة الضربات بعيدة المدى ضد قطاع الطاقة الروسي، وركزت بصورة خاصة على المصافي ومنشآت تخزين ونقل الوقود، باعتبارها جزءاً من البنية التحتية التي تدعم المجهود الحربي الروسي ومصدراً رئيسياً لإيرادات موسكو.
وبحسب وكالة "رويترز"، أدت الضربات الأوكرانية إلى اضطرابات كبيرة في إنتاج الوقود الروسي ونقص في إمدادات البنزين، فيما فرضت موسكو قيوداً على صادرات الديزل. كما خفّضت الحكومة الروسية توقعاتها لإنتاج النفط وخطط تصدير الوقود لعامي 2026 و2027، في مؤشر على اتساع التداعيات التي خلّفتها الحرب والهجمات على قطاع الطاقة.
وتقول كييف إن مصافي النفط الروسية أهداف عسكرية مشروعة، نظراً إلى دور قطاع الطاقة في تمويل الحرب وتوفير الوقود للقوات الروسية، فضلاً عن أن موسكو تستهدف بصورة متكررة منشآت الطاقة الأوكرانية. وبهذا المعنى، لا تنظر أوكرانيا إلى حملة المصافي باعتبارها أداة اقتصادية فقط، بل جزءاً من استراتيجية لاستنزاف قدرة روسيا على مواصلة الحرب ونقل جزء من كلفتها إلى الداخل الروسي.
وتشير وكالة "أسوشييتد برس" إلى أن الحملة الأوكرانية ضد قطاع النفط والغاز الروسي تأتي بالتوازي مع استمرار موسكو في تكثيف هجماتها الجوية على شبكة الطاقة الأوكرانية. ويجعل طلب ترامب وقف ضرب المصافي الروسية القضية جزءاً من نقاش أوسع بشأن حدود العمليات التي تنفذها كييف داخل روسيا، بعدما باتت الطائرات المسيّرة الأوكرانية قادرة على الوصول إلى منشآت صناعية وطاقة تقع على بعد مئات الكيلومترات من الحدود.
استمرار الضربات رغم طلب ترامب
وجاءت تصريحات الرئيس الأميركي بالتزامن مع استمرار العمليات الأوكرانية ضد المنشآت الروسية. وأعلن الجيش الأوكراني، أمس، استهداف مصفاة "تانيكو" في مدينة نيجنكامسك بجمهورية تتارستان الروسية، في عملية قال إنها نُفذت بالتعاون بين القوات الأوكرانية وجهاز الأمن والاستخبارات العسكرية.
كما أعلنت كييف استهداف مصفاة أخرى في منطقة كراسنودار، فيما قالت السلطات في تتارستان إن شخصين قتلا وأصيب آخرون جراء الهجوم الأوكراني.
وتعد حملة ضرب المصافي جزءاً من تحول أوسع في العمليات الأوكرانية، إذ توسعت كييف من استهداف مواقع عسكرية قريبة من الجبهة إلى ضرب منشآت مرتبطة بالطاقة والصناعة العسكرية والخدمات اللوجستية في عمق الأراضي الروسية. وسبق أن أفادت "أسوشييتد برس" بأن مسؤولين أوكرانيين ينظرون إلى قطاع النفط باعتباره أحد أعمدة الاقتصاد الروسي ومصدراً أساسياً لتمويل العمليات العسكرية.
وفي المقابل، صعّدت روسيا هجماتها الجوية على أوكرانيا، بما في ذلك منشآت الطاقة والنقل والمناطق القريبة من طرق الإمداد الغربية. وأفادت "رويترز"، أمس، بأن ضربة روسية استهدفت شاحنة قرب معبر ياهودين-دوروهوفسك على الحدود الأوكرانية البولندية، ما أدى إلى توقف المعبر مؤقتاً، وسط زيادة الهجمات الروسية على مناطق مرتبطة بخطوط التجارة والإمداد بين أوكرانيا وحلفائها الأوروبيين.
ضغط أميركي على استراتيجية كييف
ويكتسب موقف ترامب أهمية سياسية وعسكرية لأنه لا يدعو إلى وقف الهجمات الأوكرانية على الأراضي الروسية بصورة عامة، بل يطالب باستثناء قطاع محدد منها، إذ قال صراحة إن كييف تستطيع مهاجمة أهداف أخرى. ومن شأن ذلك، إذا تحول إلى ضغط أميركي عملي، أن يفرض قيوداً على استراتيجية أوكرانية تستهدف نقل الحرب إلى العمق الروسي وزيادة كلفتها الاقتصادية.
وفي الوقت نفسه، يأتي طلب ترامب في مرحلة لم تحقق فيها المساعي السياسية لإنهاء الحرب اختراقاً حاسماً، فيما لا تزال موسكو وكييف مختلفتين بشأن الشروط الأساسية لأي تسوية، وفي مقدمتها مستقبل الأراضي الأوكرانية التي تحتلها روسيا.
وبحسب "رويترز"، تتمسك موسكو بمطالبتها بتنازلات أوكرانية في منطقة دونباس، وهو ما ترفضه كييف، على الرغم من استمرار الحديث عن إمكان استئناف المحادثات الثلاثية بين الولايات المتحدة وروسيا وأوكرانيا.
ويضع ملف المصافي بذلك عنصراً جديداً في العلاقة بين واشنطن وكييف: فبينما تعتبر القيادة الأوكرانية ضرب قطاع الطاقة وسيلة لإضعاف القدرة الروسية على مواصلة الحرب، باتت الإدارة الأميركية تنظر إلى التداعيات العالمية لهذه العمليات بوصفها مشكلة اقتصادية تتجاوز ساحة الحرب نفسها.
أزمة الديزل تضغط على واشنطن
وتأتي مطالبة ترامب في ظل أزمة متزايدة في أسواق الوقود العالمية، لكنها تشكل خلفية للموقف الأميركي أكثر من كونها تطوراً منفصلاً عن الحرب. وارتفعت أسعار الديزل في الولايات المتحدة إلى مستويات قياسية، في وقت تراجعت فيه صادرات الوقود الروسي وتضررت قدرات التكرير نتيجة الهجمات الأوكرانية.
ورفض ترامب تحميل حرب إيران المسؤولية الرئيسية عن ارتفاع أسعار الديزل، قائلاً إن المشكلة مرتبطة بما يحدث بين روسيا وأوكرانيا. غير أن اضطرابات أسواق الطاقة تأتي في الواقع نتيجة تزامن عدة عوامل، بينها الحرب في الشرق الأوسط وتعطل الإمدادات عبر مضيق هرمز، إضافة إلى تراجع قدرات التكرير الروسية والقيود على صادرات الوقود.
وتأتي حساسية البيت الأبيض تجاه ارتفاع أسعار الوقود أيضاً قبل انتخابات التجديد النصفي الأميركية في تشرين الثاني/نوفمبر، إذ يمثل ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل والسلع ضغطاً اقتصادياً وسياسياً متزايداً على إدارة ترامب.
وبذلك، ينقل موقف الرئيس الأميركي تداعيات حملة أوكرانيا ضد المصافي الروسية من إطار المواجهة العسكرية المباشرة مع موسكو إلى العلاقة بين كييف وواشنطن نفسها، مع ظهور أولويات متعارضة بصورة متزايدة: أوكرانيا تسعى إلى إبقاء الضغط على أحد أكثر القطاعات الروسية حساسية، بينما تريد واشنطن تخفيف أزمة الوقود العالمية ومنع ارتفاع كلفتها الاقتصادية والسياسية في الداخل الأميركي، حسب صحيفة "فايننشال تايمز".




