بعد نحو مئة وعشر سنوات من إطلاق وزير خارجية بريطانيا اللورد بلفور وعده المشؤوم، بدأت بريطانيا بمراجعة بعض عواقب سياستها حيال إسرائيل، وذلك على يد سلفه اليهودي إد ميليباند، الذي أقرّ أخيراً في بيان رسمي أن "مستوطنين إرهابيين" يرتكبون "التطهير العرقي" في الضفة الغربية المحتلة، "بتواطؤ من الحكومة الإسرائيلية في معظم الأوقات".
صحيح أن لندن لن تستطيع تفكيك الكيان الذي خلقته، ولم تعترف بممارسته أعمال الإبادة بانتظار قرار محكمة متخصّصة. حسبها أن تشرع بإيقاف ما يضخ من الموت والحرمان. وعليها، في الوقت نفسه، أن تحترس من جماعات الضغط الصهيونية، التي راحت تنشر "سلاح معاداة السامية" الذي تثّلم حدّه لفرط ما استُغل، وتعمل على تهشيم صورة هذا التحول وسمعة "أبطاله".
لكن البلاد التي تحملت الكثير من صنيعتها السابقة، بما في ذلك قتلها بريطانيين في مناسبات شتى، قالت قبل أيام: لا مساومة بعد اليوم على "الحق وما هو صواب"، والقيم التي تحفز بريطانيا "لمحاربة القمع والمعاناة أينما وجدا".
ترامب لا يكترث!
المفاجئ أن ثمة أدلة على عدم اهتمام واشنطن بمحاسبة إسرائيل، على غير عادتها، إذ لم يبدر بعد عن الرئيس دونالد ترامب، أو كبار مساعديه، ما يوحي بعكس ذلك! والأرجح أن بريطانيا نجحت في "تحييد" أميركا، وأقنعت 11 دولة، بينها كندا وفرنسا، بأن تحذو حذوها في التعاطي مع الانتهاكات باتباع "نهج لا يكتفي بالتنديد بالظلم والمعاناة، بل يتخذ إجراءات عملية أيضاً".
ويفرض مشروع القرار البريطاني عقوبات على المستوطنات "غير القانونية"، فيحظر استيراد السلع منها والتبادل التجاري معها، وتنفرد لندن بتطبيق نظام شامل للعقوبات ضد الشركات والأشخاص من مزودي "خدمات، مثل البناء أو التمويل، للمستوطنات (...) إلى جانب الإعلان"، ما يوجه ضربة موجعة لمنظومة الاستيطان. كما يشتمل على حظر جديد على تراخيص الأسلحة وغيرها من الصادرات ذات العلاقة بالاحتلال.
العالم يتغير.. لا إسرائيل
وبدلاً من التروي والتفتيش عن وسيلة أخرى لتقديم سرديتهم التي صارت بالية لمواكبة الواقع الذي يتغير بوتيرة مفاجئة، انهمكت تل أبيب بالمزاودة واستعراض العضلات بانتهاك سيادة دول مجاورة أو إلقاء الحمم على أطفالها. مثلاً، جدعون ساعر، وزير خارجية إسرائيل، لم يجد ما يردّ به على بيان نظيره البريطاني، سوى بالادعاء أنه كان "كذباً بكذب"!
وكيف لمتطرف مثله أن يعترف بأن تعنت إسرائيل الذي أخذ يستعدي أصدقاء أميركيين خلّصاً، قال مصدر بريطاني مطلع إن جي دي فانس، نائب الرئيس الأميركي، بينهم؟ وهل يُلام على عناده، إذا كان العالم قد عوّد إسرائيل أن بوسعها ارتكاب ما تريده من الفظائع، وتبقى بلا محاسبة؟
إلا أن زمن إحجام بريطانيا عن مساءلة إسرائيل قد ولى، على حدّ تعبير رئيس الوزراء آندي بورنهام، الذي شدد على أن بلاده ستلعب دورها القيادي لإنصاف الفلسطينيين، بما تمليه قيمها. وما سرّ التوقيت، وهل "استيقظ" ضميرها الآن لأنها تريد التدخل في الانتخابات الإسرائيلية الحاسمة الشهر المقبل؟
تدرك بريطانيا أن نتيجة الانتخابات لن تغير الكثير في واقع الحال، لأن جميع منافسي نتنياهو لا يقلون شراسة عنه في دعم الاستيطان ومصادرة حقوق الفلسطينيين. والأرجح أن السر يكمن في الحاجة إلى عرقلة مشروع مستوطنة E1، الذي سيقضي على أي فرصة لإقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة، قبل بدء تنفيذه الوشيك. فهو، كمعظم مشاريع المستوطنات، يعتمد بقوة على القروض والخبرات البريطانية والأوروبية.
صناعة مزدوجة
وينطوي التحرك على إعادة إنتاج وطنية وشخصية. مع انحسار الدور الأميركي بعد وصول ترامب إلى البيت الأبيض، وتسلم بورنهام زمام السلطة قبل نحو شهرين، صارت بريطانيا حريصة على تبوؤ مكانة لائقة على المسرح الدولي. وإذ تساهم في قيادة الجهود لنصرة أوكرانيا، فهي تتصدر الآن المساعي الرامية لرفع الظلم عن الأراضي الفلسطينية المحتلة.
حين نضج الموقف البريطاني الجديد بفعل عوامل عدة، وجد في ميليباند، "بطله" المؤهل لأداء المهمة الاستثنائية. فهي لا ترضي أخلاقه ومبادئه فحسب، بل تلبي أيضاً رغبة والدته، ماريون كوزاك، الناشطة البولندية الأصل التي فقدت أباها و60 من أقاربها في المحرقة النازية، فقضت عمرها في الدفاع عن حقوق الإنسان في فلسطين وغيرها، حتى وفاتها أخيراً عن 91 عاماً. والحق أن محتوى البيان، وطريقة إلقائه، يدلان على أن الوجع الفلسطيني كان يلاحقه، على رغم ما بدا عليه أحياناً من إهمال نسبي.
بتصديه لمهمة لم يقوَ أي وزير خارجية آخر على النهوض بها، أعاد رسم صورته التي تعرضت، حين كان زعيماً لحزب العمال (2010-2015)، لحملة قاسية، لا بد أن صُنّاعها يشحذون الآن سكاكينهم. فها هي فلسطين تصنعه "رجل دولة" حاذقاً وشجاعاً في عيون غالبية البريطانيين ممن يؤيدون الحق الفلسطيني.
في المحصلة، لا شك أن المشروع ليس مثالياً، ولا سهلاً، إذ يتربص الخصوم به وبـ"بطله"، حتى في الحكومة. كما سيكون مكلفاً. إلا أنه يمثل بداية مشجعة لاستهداف آلية التوسع الاستيطاني الأساسية، ما يجعله جديراً بأغلى الأثمان.




