هل بدأت لندن معاقبة الاستيطان بدلاً من إدانته؟

شفيق طاهرالأحد 2026/09/13
Image-1766511019
Getty
حجم الخط
مشاركة عبر

لا تبدو منطقة "E1" الاستطانية الإسرائيلية على الخرائط، سوى مساحة محدودة تمتد شرقي القدس، بين المدينة ومستوطنة معاليه أدوميم. لكن موقعها يجعلها واحدة من أخطر مشروعات الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية المحتلة. فالبناء فيها لا يضيف آلاف المنازل للمستوطنين فحسب، بل يعيد رسم جغرافية المنطقة ويهدد إمكانية قيام دولة فلسطينية متصلة الأطراف.

لهذا جاء إعلان بريطانيا عزمها حظر استيراد السلع المنتجة في المستوطنات الإسرائيلية وتقييد الخدمات المرتبطة بها، باعتباره تحولاً سياسياً لافتاً. فالقرار لا يستهدف التجارة مع إسرائيل عموماً، بل يسعى إلى الفصل بين الاقتصاد الإسرائيلي داخل حدود ما قبل عام 1967 والنشاط الاقتصادي القائم في الأراضي المحتلة. ومع أن أثره المالي المباشر قد يظل محدوداً، فإن دلالته القانونية والسياسية أكبر بكثير من حجم السلع المشمولة به.

 

E1.. مستوطنة تقطع الطريق إلى الدولة

طرحت خطط البناء في منطقة "E1" منذ تسعينيات القرن الماضي، لكنها ظلت مجمدة أو بطيئة التنفيذ بسبب الاعتراضات الدولية. وتنبع حساسية المشروع من أنه يصل معاليه أدوميم بالقدس الشرقية عبر كتلة عمرانية استيطانية، بما يعزل القدس عن محيطها الفلسطيني في رام الله وبيت لحم، كما يقيم حاجزاً استيطانياً عند أحد أضيق أجزاء الضفة الغربية، ويجعل الانتقال بين شمالها وجنوبها أكثر صعوبة.

في آب/ أغسطس 2025، حصلت خطط بناء أكثر من 3 آلاف و400 وحدة سكنية على الموافقة النهائية. وبعد عام، فتحت الحكومة الإسرائيلية باب العطاءات لبناء ألف و234 وحدة ضمن المشروع، في انتقال واضح من التخطيط إلى التنفيذ.

ولم تُخفِ شخصيات في الحكومة الإسرائيلية الهدف السياسي للمشروع. فقد قال وزير المالية بتسلئيل سموتريتش إنه يدفن فكرة إقامة دولة فلسطينية.

ولا تقتصر النتائج على الخرائط. فتنفيذ المشروع يهدد تجمعات فلسطينية بدوية، أبرزها خان الأحمر، بالإخلاء والتهجير، ويزيد الضغط على الطرق والأراضي الزراعية ومصادر المياه. وهكذا تصبح المستوطنة أداة لتغيير الواقع الديموغرافي والجغرافي، لا مجرد مشروع إسكان جديد.

 

من فتوى لاهاي إلى الحظر البريطاني

استند التحرك البريطاني إلى تطور قانوني مهم، هو الفتوى التي أصدرتها محكمة العدل الدولية في تموز/ يوليو 2024. فقد خلصت المحكمة إلى أن استمرار الوجود الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة غير قانوني، وأن على الدول ألا تعترف بالوضع الناشئ عنه أو تقدم العون لاستمراره. ومنحت هذه الفتوى الحكومات أساساً للانتقال من إدانة الاستيطان سياسياً إلى اتخاذ إجراءات اقتصادية ضده.

وبموجب الخطة البريطانية، سيحظر استيراد السلع المنتجة في المستوطنات، وستفرض قيود على بعض الخدمات التي تدعم البناء أو التمويل أو العقارات والبنية التحتية فيها. وتشمل المنتجات المحتمل تأثرها التمور والعنب والحمضيات والنبيذ ومستحضرات التجميل المصنوعة باستخدام معادن البحر الميت.

وبهذا المعنى، لا يمثّل القرار مقاطعة شاملة لإسرائيل، بل محاولة لجعل حدود عام 1967 ذات أثر اقتصادي عملي، بعدما بقي التمييز بينها وبين الأراضي المحتلة قائماً في البيانات الدبلوماسية أكثر منه في حركة التجارة.

لكن الحظر لا يصبح نافذاً بمجرد الإعلان عنه، إذ يحتاج إلى إجراءات تشريعية وتنفيذية، وأنه يفترض أن يدخل حيز التنفيذ خلال تسعة أشهر. وسيعتمد نجاحه على قدرة الجمارك البريطانية على إثبات منشأ السلع ومنع تصدير منتجات المستوطنات تحت عناوين إسرائيلية أخرى.

ويمثل القرار تحولاً تاريخياً في موقف دولة ارتبط اسمها بإعلان بلفور عام 1917. فبعد عقود من الاكتفاء بالدعوة إلى حل الدولتين، وجاء تحركها ضمن مسار منسق مع فرنسا وكندا للضغط على إسرائيل بسبب توسعها الاستيطاني.

 

تأثير اقتصادي محدود ورسالة سياسية كبيرة

بلغ حجم التجارة بين بريطانيا وإسرائيل نحو ستة مليارات جنيه إسترليني خلال السنة المالية 2025–2026، بينما تشكل منتجات المستوطنات جزءاً صغيراً من هذا الرقم. لذلك لن يؤدي الحظر وحده إلى وقف مشروع "E1" أو إحداث صدمة كبيرة في الاقتصاد الإسرائيلي. لكن أهميته تكمن في نقله المستوطنات من دائرة الاعتراض الدبلوماسي إلى دائرة الكلفة الاقتصادية والقانونية.

ويواجه التطبيق عقبات حقيقية بسبب تداخل الاقتصاد الإسرائيلي مع اقتصاد المستوطنات. كما ينبغي تصميم إجراءات إثبات المنشأ بعناية حتى لا تعاقب الصادرات الفلسطينية أو تثقلها بقيود إضافية. ويمكن لبريطانيا الاستفادة من تجربتها في التمييز بين السلع الأوكرانية وتلك الواردة من الأراضي التي تحتلها روسيا.

لن يحسم الحظر البريطاني مستقبل الضفة الغربية، لكنه يؤسس لمبدأ مهم، عدم الاكتفاء بوصف المستوطنات بأنها غير قانونية، بل منع الأسواق والمؤسسات من المساهمة في استمرارها. وفي حالة "E1" تحديداً، تجري المعركة مع الزمن. فكل وحدة استيطانية تبنى لا تغير المشهد العمراني فقط، بل تضيق المساحة المتبقية لتسوية سياسية قابلة للحياة.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث