يشعر أهالي السويداء السورية بقلقٍ كبير من جراء ما يعيشونه من صعوبات، وبسبب ما يسمعونه من أخبار تتعلَّق بوضعهم. وما تحمَّلهُ هؤلاء من مآسٍ وضياع خلال ما يزيد عن العام ونصف العام؛ كان قاسياً، من حيث حجم الضحايا الأبرياء الذين سقطوا في أحداث تموز/ يوليو الماضي، ومن جراء التهجير الذي أصاب كامل مواطني 33 بلدة من المحافظة، وزاد من منسوب الهموم، الضيقة المعيشية التي يمرون فيها من جراء فقدان فرص العمل، وندرة توافر الخدمات الأساسية من كهرباء وماء وهاتف وطبابة، وأدت إجراءات منع الطلاب من الوصول الى أماكن تقديم الامتحانات الرسمية الى انغلاق ثقافي وتعليمي لا يُطاق.
تدور الدوائر حول المحافظة المنكوبة التي يقطنها غالبية من الموحدين المسلمين الدروز، وتتأثر غالبيتهم بما يسمعون من مواقف غريبة عن أدبياتهم وتاريخهم، وفي الوقت ذاته؛ لأن ممارسات بعض المسلحين تجاوزت كل الحدود في التضييق على حرية الرأي والتعبير، وقد افتعل هؤلاء أعمال قتل واغتيال وإبعاد وتهديد ليست معتادة، الى حد أن البعض وصفهم بالعصابات المُتفلِّتة – كما قال المبعوث الرئاسي الأميركي السفير توم براك.
في المقابل؛ فإن أسوأ ما عاشه أبناء السويداء؛ هو شعورهم بأنهم كانوا معرَّضين للإبادة من أقرانهم في الوطن، وجيرانهم، وهي وضعية حصلت ولا يمكن إنكارها إبان الهجمات البربرية التي استهدفتهم الصيف الماضي، بصرف النظر عن الأسباب، أو المُسببين، وهو ما يمكن الاختلاف عليه مع قسم كبير من أهالي جبل العرب، لأن البعض من أبناء المحافظة اشتركوا بعمليات التحريض ونشر الدسائس، وهناك مَن كان يُعِد للوصول الى المذبحة التي حصلت، لاستثمارها في مشاريع مشبوهة، تقف وراءها جهات إسرائيلية. والحكومة السورية المؤقتة أخفقت في التعامل الحسن مع ملف "جبل الدروز" بصرف النظر عن السلبية التي قوبِلت بها مساعيها الاندماجية من قبل بعض المرجعيات المحلية، لا سيما من الشيخ حكمت الهجري، لأن امتناع هؤلاء عن التعاون، لا يُبرِّر الارتكابات التي حصلت على الإطلاق، وأهل الجبل لهم دَين وازن على سوريا، وضحّوا بالدم من أجل استقلالها ووحدتها في الحقب الماضية.
أما وقد وصلت الأوضاع الى ما وصلت اليه حالياً، وبينما المأساة تتفاقم وتُهدِّد باقتتال داخلي، او بتدخلات أمنية خارجية؛ يُسجَّل حِراك دولي واقليمي واسع، للوصول الى تسوية لائقة تحفظ كرامة وأمن الدروز، وتُبقي سوريا واحدة موحدة على ما يريد أبناؤها والمجتمع الدولي برمته. فالزيارة التي قيل أن اللواء غسان عليان قام بها برفقة مسؤول إسرائيلي كبير الى بلدة قنوات معقل الشيخ حكمت الهجري؛ فاقمت المشكلة، ولم تُعطِ أي فائدة كما تدَّعي إسرائيل. وتبين أن هذه الأخيرة تستخدم بعض الدروز كأداة ضغط في مشروعها العدواني والتوسعي، ولا تأبه للمصائب التي تُنتج عن دورها، والتي تصيب المجموعات المتعاملة معها. وقد تراجع مسؤولي الكيان عن تصريحاتهم الخبيثة المغشوشة، وتحلَّلوا من التزاماتهم اتجاه المتعاونين معهم، وربما كان ذلك خضوعاً أمام الخيارات الأميركية والإقليمية الواضحة، والتي تؤكد على وحدة سوريا، وعلى عدم السماح بإقامة معوقات استراتيجية تواجه خطط التنمية والاستثمار المستقبلية في تلك المنطقة الحساسة من الإقليم، قصدت جنوب سوريا تحديداً.
المبعوث الأميركي توم براك ووزيري خارجية تركيا وسوريا هاكان فيدان وأسعد الشيباني؛ اجتمعوا بأنقرة في 8 أيلول/ سبتمبر للبحث في ملف السويداء، بعد أن تمت تسوية ملف "قسد" بالكامل، وأُنجزت إجراءات الدمج مع الحكومة المركزية السورية. وفي اليوم التالي وصل الى دمشق وزير خارجية الأردن أيمن الصفدي والتقى مع الرئيس أحمد الشرع والوزير الشيباني للغاية ذاتها، والسفير براك، كان قد أكد أن الحل لمشكلة السويداء يجب أن يكون من خلال خارطة الطريق التي وافقت عليها حكومات الولايات المتحدة الأميركية والأردن وسوريا.
خريطة الطريق المنوه عنها تنص على الاقتصاص من المجرمين الذين شاركوا في عمليات القتل في تموز الماضي، وتقديمهم للمحاكمة، وإجراء مصالحة بين أبناء السويداء وجيرانهم، لا سيما من العشائر، ودمج المحافظة مع مؤسسات الحكومة المركزية، بما يحفظ كرامة وأمن ومكانة الدروز، على قاعدة التمثيل العادل لهؤلاء في المؤسسات الدستورية.
ما يدور في كواليس الاتصالات الجارية، يلحظ اخراج إسرائيل من المعادلة الداخلية السورية بالمطلق، بعد تقديم ضمانات جدية لتغيير بعض مندرجات الإعلان الدستوري الذي أطلقه الرئيس أحمد الشرع في 13 آذار/ مارس 2025، وتحديداً لناحية ترسيخ نظام الدولة المدنية التي تحفظ حق المواطنة لجميع أبناء المكونات السورية العرقية والطائفية والمذهبية.
وعلى جوانب ما يحصل على المستوى الدبلوماسي، يقول ناشطون من أبناء السويداء: أن الوضع أصبح في حالة لا يمكن استمرارها، وتجاوزات بعض المُتفلتين من تجار المخدرات والذين كانوا من عداد منظومة الحكم البائد؛ لم تعُد تطاق، وغالبية من أبناء المحافظة بدأت بالتحضير للقيام بتحركات اعتراضية في مواجهة المجموعات الانفصالية، والأجواء داخل المحافظة تساعد على القيام بهذا الفعل، لأن المأساة الناتجة عن المغامرات السابقة كبُرت. فأهالي الضحايا لم يحصلوا على أي تعويض أو مساعدة، وأصحاب المنازل المُهدمة لم يتلقوا أية معونة وهم ممنوعين من العودة اليها، والمواسم الزراعية لا تلقى من يشتريها.




