في سوريا: مجلس للشعب أم مجلس للشورى؟

رأيحمزة رستناويالسبت 2026/09/12
مجلس الشعب السوري Getty
Getty
حجم الخط
مشاركة عبر

قبل أيام قليلة، أقرّ مجلس الشعب السوري الوليد نظامه الداخلي الجديد المؤلف من 231 مادة، وستحاول هذه المقالة مساءلة مِصداق توصيف المجلس وطبيعته ودوره ضمن النظام السياسي السوري.

ثمة فروق مهمة بين مجلس الشعب كسلطة تشريعية في النظام السياسي، وبين مجلس الشورى الاستشاري، وذلك من حيث طريقة الوصول إلى العضوية ومن حيث الوظيفة كذلك. فمجلس الشعب يتمتّع بالصفة التمثيلية للشعب ويُفترض أن يتم اختيار أعضائه عن طريق الانتخاب الشعبي المباشر، في المقابل، غالباً ما يُعيَّن أعضاء مجلس الشورى الاستشاري - كلياً أو جزئياً- من قبل رئيس الدولة أو السلطة السياسية، بناءً على اعتبارات تتعلق بالكفاءة والخبرات، أو تلبية لتوازنات واعتبارات اجتماعية معينة. وبناءً على ذلك، فإن مجلس الشعب السوري الحالي، والذي انعقدت أولى جلساته في 12 تموز/يوليو الماضي، هو أقرب لمجلس شورى استشاري منه إلى المجالس النيابية التمثيلية.

يكمن الفرق الثاني في الوظيفة، فبينما يقوم مجلس الشعب بمهام تشريعية ورقابية تتضمن سن القوانين  ومساءلة الحكومة، وحجب الثقة عنها. يقتصر دور مجلس الشورى الاستشاري على تقديم المشورة بشأن السياسات والتشريعات، ومراجعة القوانين قبل إقرارها، مما يجعله يتمتع بصلاحيات أدنى من الصلاحيات التي تملكها السلطة التشريعية مُمثلة بمجلس الشعب.

 

وبناءّ على ذلك، غالباً لن يستطيع مجلس الشعب السوري الحالي أداء دور تشريعي فاعل؛ نظراً لكونه مجلساً مُعيَّناً -بشكل مباشر أو غير مباشر، مما يجعل من الصعب عليه تقديم أي مُساءلة حقيقية بحق الجهة التي قامت أصلا بتعينه. وما يدعم هذا الاستنتاج هو طبيعة وهيكلية مجلس الشعب نفسه، إذ يفتقر إلى وجود تيارات وتيارات سياسية قادرة على تقديم رؤى سياسية بعيدة المدى، وممارسة ضغوط فاعلة تساهم في استقرار النظام السياسي وتوازنه. لا يمكن لأي برلمان أن يقوم بدور سياسي فاعل دون توظيف أدوات صنع السياسات المُعتمدة في الدول الديمقراطية الحديثة. 

إنّ وجود مجلس شعب سوري بصلاحيات مُقيدة، وفقاً للإعلان الدستوري، لن يُغير في واقع  السلطة السورية في هذه المرحلة الانتقالية، ولا في طبيعة التشريعات وعمل الحكومة وآلية اتخاذ القرار. فالأساس الذي وُجدت من أجله السلطة التشريعية، هو إحداث توازن في بنية الحكم، لمنع  طغيان السلطة التنفيذية على غيرها، وضمان رقابة شعبية منظمة وفاعلة على الأداء الحكومي، إلى جانب خلق تيار يساعد على تنشيط الحياة السياسية.

 

 يستبعد المراقب الموضوعي حدوث أي اختراق حقيقي من جانب مجلس الشعب الحالي؛ إذ إن التشريعات البرلمانية غالبا ما سوف تؤدي اليوم الوظيفة التي كانت تُنجز سابقاً عبر المراسيم الرئاسية. وبذلك، لن يختلف  دور مجلس الشعب السوري عن دور المجالس التشريعية والبرلمانات العربية الأخرى.

لا يمكن لأي برلمان أن يؤدي فاعليته دون كتل برلمانية وأحزاب سياسية وحياة حزبية – وإن كانت في مراحلها التمهيدية- فالأفراد المُستقلون وحدهم، مهما بلغت كفاءتهم ونزاهتهم يعجزون عن إحداث التغيير المطلوب أو تقديم ممارسة سياسية مقبولة، إذ يُشترط لنجاح العمل البرلماني وجود كتل وتيارات متنافسة، ومن هنا ينبغي التأكيد على فكرة مركزية، وهي أن البرلمان المُنتخب لا ينبغي أن يكون البداية، بل هو يُمثل تتويجاً لمسار سياسي متكامل، ولا ضير في التمهيد لذلك خلال خمس سنوات أو أكثر، فالمهم هو الانطلاق بخطى صحيحية ومنظمة.

 

وخلاصة القول، وربطاً بالسياق السياسي السوري، بالإضافة إلى ضرورة تنشيط الحياة السياسية السورية، أن الخيار الأنسب هو تشكيل مجلس يضم نخبة من الكفاءات وأصحاب الخبرات، وتقتصر مهامه على الجانب الاستشاري مع صلاحيات تشريعية محدودة دون أي دور تمثيلي. ويجب أن يضم هذا المجلس أكاديميين، وخبراء، وتكنوقراط، موزعين على عدة قطاعات حيوية تشمل: السياسة الخارجية، والاقتصاد، والتعليم، والصحة، والخدمات.

تضم النظم السياسية في العديد من الدول الديمقراطية حول العالم مجالس شورى استشارية غير مُنتخبة، ففي كندا مثلاً يقوم مجلس الشيوخ الغير مُنتخب بمهام مراجعة مشروع القوانين وممارسة بعض الصلاحيات التشريعية في حالات معينة، وبالمثل يقوم مجلس اللوردات في المملكة المتحدة بمراجعة مشاريع القوانين واقتراح التعديلات اللازمة عليها.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث